من بين إصدارات أدبية كثيرة تفرزها يومياً دور النشر الخاصة، يوجد ما يمكن أن يلفت النظر، لغرابته أحياناً ولأهميته أحياناً أخرى، لاسيما في الإبداعات القصصية والشعرية، لأنها الطريق الأسهل للوصول إلى جمهور القراء، خاصة قطاع الشباب فليس من شروط كتابة القصة أو الشعر أن تكون كاتباً تمتلك موهبة أو شاعراً لديك حساً مرهفاً وقدرة على الخيال والتصوير، فهذه معطيات عفا عليها الزمن وتجاوزتها أنماط الكتابة الحداثية وما بعد الحداثة، وما بعد بعد الحداثة، التي تسمح بكافة ألوان الإبداع ولا حدود فيها لأفق ولا مقاييس، كل شيء مطلق والكون يتسع لما تجود به قريحة من يتجرأ على الكتابة، ويصنف نفسه شاعراً وأديباً، وبالقطع تشكل الجرأة هنا ظاهرة مستفزة، إذ لا يتم التفريق بموجبها بين ما هو غث وما هو مقبول من باب أضعف الإيمان كي تتوافر الحدود الدنيا، فيما يخرج من دور النشر الخاصة حاملاً عناوين إبداعية أو ما شابه.
تابعت خلال الفترة القليلة الماضية عدداً من الإصدارات تنوعت ما بين الشعر والقصة، وقليل جداً منها كان إبداعاً روائياً، على حد وصف أصحاب الإصدارات وجهات النشر، وفي الحقيقة أن القليل منها فقط هو ما يستحق القراءة، والأقل هو الذي يستحق التوقف أمامه طويلاً أو قصيراً، كل حسب درجات الأهمية والقيمة الفنية والإبداعية، واللافت في الظاهرة أن النصيب الأوفر من السيولة كان للشعر، حيث باتباع المنهج الحداثي يمكنك إعفاء نفسك من أي تكليفات تخص اللغة أو الوزن أو الإيقاع أو الموسيقى، إلى آخر أدوات بناء القصيدة، فأنت مع الحداثة حر طليق لا وصاية عليك ولا رقيب ولا يوجد ما يلزمك بقاعدة أو قانون غير ما يصوره لك خيالك، إن كانت للخيال ضرورة في عملية الابتكار أو للموهبة محل من الإعراب في ما يكتب ويدون.
نعود إلى ما يمكن أن يستوقفنا أو ما استوقفنا بالفعل في ديوان «للفراش دم» للشاعر الشاب محمد حمدي أبو السعود، وأوله أن الشاعر استخدم اللغة الرائجة نفسها في الساحة الأدبية، بمعنى أنه لم يجاف السائد، ولكنه اختلف تماماً في توظيفه فهو لم يكتب من فراغ، وإنما لديه ذلك الحد الآمن من توافر المعنى والعبارة وموسيقية الجملة الشعرية ومضمونها الخاص والعام، ولم يعدم القدرة على إحداث التجانس بين القصيدة ومعناها ودلالتها ومراميها القريبة والبعيدة، ورغم المدى القصير للقصائد إلا أن هناك حضورا للفكرة وتلمسا واعيا للمدلول.
في قصيدة بعنوان «هكذا» يقول: أبو السعود .. للفراش دم ـ والفراغ تصاوير بعث مؤلمة – والحقول بلاد بلا زارعين ـ وللأرض حق اللجوء إلى بذرة أرجاتها المقادير.
وفي قصيدة أخرى بعنوان «تكرار» ينبئنا بحالة أخرى أقرب إلى المعاني إليها هو العجز فيكتب: الآن يختصر الزمان الرخو مثل عجين من سقطوا
وتغرس ساعة أقدامها وتسير في بطء جديد.
يسوق الشاعر باقتضاب شديد آيات التراجع والعجز أمام توقف الزمن عند أسوا ما فينا من الرخاوة والبطء والسقوط، هكذا يتشكل وعيه في القصيدة لائماً نفسه وغيره على البلادة، كأنة يطلق على القارئ القصائد لتستنهض فيه الهمة، ليعود كما كان كائناً حياً ينفعل ويتفاعل ويحيا من جديد. ويتأكد ذلك المعنى أو ذاك الاستنتاج في أبيات اختار أن تكون مرآة لديوانه على ظهر الغلاف، ولعلها من أكثر الأبيات التي حملت صدقه إذ يقول معترفاً، حين أهدأ من ثورتي وأعود إلى منزلي آخر الليل ـ أسأل نفسي كيف سأدعو الصباح بحنجرة مزقتها الهتافات – كيف سأضع شاياً بكف ـ ملطخة بالكتابة والدم؟
على هذا المنوال تثور الأسئلة في عقل الشاعر وتتداعى الصور كما تتداعى الآلام بلا أجوبة شافية ولا قدرة على السكوت.
كاتب مصري
كمال القاضي