■ أدّى كشف آثار اليونان الفكرية عن طريق التراجم إلى ظهور تصوّر مبتكر في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، ووجهة في الفهم جديدة، فكّر من خلالها الناس في كل شيء، وهم في ذلك لا يخشون أن يصيبهم أذى بسبب هذا التفكير، ولا تقيّد عقولهم نصوص الكتب المقدسة، ولا يرون أن السماء والأرض وما بينهما قد خلقت عبثا، أو أنّها وجدت بمعجزة من المعجزات التي لا تستند إلى قانون من قوانين العقـــل»، بتعبير وول وايريل ديورانت، بل يرون أنّها تستند إلى قانون عام عظيم يحكمها جميعا وتتضح آثاره في كل جزء من أجزاء الكون.
وهو فهم ساعد جيل الريادة والتأسيس في بناء المكوّن المعرفي وإنجاز وحدة النموذج الثقافي في تلك البيئة، بتكوين «جغرافية معرفية» من سنن وتقاليد ثقافية كانت مُوَحَّدة ومُوحِّدة بين شتّى الجهات ومختلف الأعراق في دار الإسلام، على ما بينها في المكان والزمان من مظاهر تنوّع واختلاف ودرجات تفاوت، على منوال ما اتّصفت به أيضا وحدة النموذج السياسي ووحدة التجربة التاريخية عموما، ما من شأنه أن يسهم في إبراز قيمة التلاقح الفكري بين روافد الثقافة العربية الإسلامية الذاتية والموضوعية، أو الداخلية والخارجية، وأن يوقفنا على مشاغل أهل العلم والنظر، لأن إنتاج المعرفة يظلُّ مسلكا لاستمرار التواصل بين مراكز العلم المختلفة وعامل ترابط ثقافي بين أهل الفكر والنظر بصرف النظر عن المكان والزمان.
ولمّا كانت المعرفة جماع تبادل في الأدوار وحصيلة خبرات فكرية وعلمية وتقنية، تسعى مجتمعة إلى تحقيق بقاء الجماعة وضمان وجودها، فإنّ هذا الفهم الغالب على الأذهان أدّى إلى إنتاج بيئة ثقافية عربية إسلامية، تبحث عن غايات العلم ومقاصدها، وعلى أساس ذلك تُميّز بين مستويات العلم وتراتب مصادره ومراجعه، طلبا للملاءمة بين مطالب العلم ومطالب أخلاق العلم، ومهما كانت خصوصية التاريخ الإسلامي فإنه لا يمكن أن يشذّ عن قوانين التطوّر العامة، ولا يمكن أن يكون الفكر العربي الفلسفي وغير الفلسفي قد نشأ ونما وتطوّر بمعزل عن نشوء وتطوّر المجتمع العربي الإسلامي، فهناك حقيقة تاريخية لا يجادل فيها أحد وهي، أنّ المجتمع العربي بلغ أوج تقدّمه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وأنّه كانت هناك قوى اجتماعية معيّنة هي التي قادت هذا التقدّم والتأمت بفضلها أركان المشروع المعرفي والحضاري العربي الإسلامي، شكلا ومضمونا من جهة قواعد المنهج التكوينية والتنظيمية.
لا شك أنّ دور النقل والاقتباس متقدّم في تاريخ الحضارة على دور الابتكار والإبداع والإنتاج الحقيقي، وهو شأن الفلسفة الإسلامية، فقد اُنتجت المعارف الفلسفية بعد عملية النقل، أي بعد الاطلاع على علوم الأوائل، وشرحها واستيعاب مضامينها، (ولم تحقق أوروبا نهضتها إلاّ بعد اطلاع علمائها وفلاسفتها على آثار الحضارات السابقة)، فالإضافة والإبداع لا يأتيان من فراغ ولعلّهما من العلامات التي تُقاس بها قيمة الحضارة التي لا تقف عند حدود الجمع والتدوين للروافد المعرفية وإنّما تعمل على إثراء التراث الإنساني بما تضيفه من إنتاج فكري وعلمي. ولقد أنشأ بالفعل ذلك التعامل ذو الأوجه المتعدّدة والمتطوّرة بين طبيعة النظام المعرفي الديني الإسلامي وأنظمة المعرفة الموروثة، ما أنشأ من تلاقح وتصادم وتزاوج وفق العصر الثقافي ومدى توازن القوى بين الأجناس الحاملة لتلك الأنظمة والمدافعة عنها بأشكال ووسائل مختلفة، وهو فهم يحيلنا على طبيعة التنازع في تلك الفترة من التاريخ الحضاري العربي الإسلامي- «القرون الهجرية الأربعة الأولى» – الذي لم يستثن الناحية الثقافية من نواحي الحياة الأخرى بل شملها، وكان نزاعا إيجابيا شكلا ومضمونا، تجانسا وتغايرا. فقد اشتدّت شقة الخلاف بين «المتصوفة «و»الفقهاء»، فكان لكلّ من الطائفتين وجهة نظر خاصة في أغلب المسائل التي هي من صميم الدين، فقد ذهب الصوفية مثلا إلى القول بأنّ الفقه لا يكفي لضمان النجاة في الحياة الأخرى، وكانوا يسمّونه علم الدنيا ويشنّعون على الفقهاء. وكذلك كان الفقهاء يقفون من الصوفية موقفا لا يتّسم بالودّ، خاصة وقد عرض المتصوفة منذ عهد مبكّر للكشف عن أحوال النفس من خوف ورجاء وحبّ ووجد وبقاء وفناء، وعنوا بالسلوك والمعرفة وعوّلوا على الذوق والعرفان، وفي القرن الثالث الهجري شُغل الجنيد والحلاّج بمشكلتي الاتحاد والحلول، فذهب الأوّل إلى أنّ المتصوّف يستطيع أن يصعد إلى عالم النور، وأن يتّحد بخالقه فتنكشف أمامه الحُجب ويطّلع على المغيبات. وقال الثاني بحلول «اللاهوت في الناسوت» قائلا «أنا الحق» وقد تكون مأساة الحلاّج من حيث الظاهر نتيجـــة هذا الصراع، وهو الذي قُتل لأسباب سياسية أكثر منها دينيّـة. والصراع نفسه يدور بين الفقهاء والنحويين، حيث يتّهمهم الفقهاء بأنّهم في الغالب ليسوا مُتديّنين وقد قال بعضهم «النحو يذهب الخشوع من القلب» وكذلك قيل «قلّما يكون النحوي دَيّنــا» . ونلتمس ذلك الصراع في المجادلة التي دارت بين أبي سعيد السيرافي ويونس بن متّى، فالأوّل يمثّل الثقافة اللغوية أو العربية وينكر الحاجة إلى المنطق الأرسطي، إذ هو في رأيه خاص باللغة اليونانية لا علاقة له باللغة العربية، والثاني يمثل الثقافة الفلسفية ويدافع عن المنطق ويرى أنّـه يبحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة والناس في المعقولات سواء.
وحتّى البلاغيون واللغويون كانوا منقسمين على أنفسهم، فهناك من يقيسون البلاغة بالمقاييس العربية الخالصة، وهم اللغويون الذين لم يكونوا يُقدّرون عملا أدبيّا إلاّ إذا تلاءم مع صورته البلاغية الموروثة، وكان هناك من يقيسونها بالمقاييس اليونانية، من حيث التعمّق في المعاني والأخيلة والالتزام بقواعد المنطق، وكانت الخصومة تشتدّ بين الطرفين في أحيان كثيرة، فالأوّلون يعرضون عن كلّ ما نُقل عن اليونان، والآخرون يقبلون عليه منبهرين به .
والأمر على هذا النحو في الصّراع الدّائر بين المشتغلين بالفلسفة والمتكلّمين، فقد كان الفلاسفة والمشتغلون بالفلسفة يرمون المتكلمين بالتعصّب واستحسان التقليد وأنّهم من قبيل العوام . والمتكلّمون كانوا يرون في اتجاه هؤلاء الفلاسفة خطورة على الإسلام وكان ذلك كفيلا برميهم بشتّى التُّهم .
وفي هذا السياق، كان هناك من يرى أنّ معارف اليونان كلّها مسروقة من حكماء العرب الذين كانوا قبل زمان الفلسفة من «العرب القحطانية والجرهمية وسائر الأصناف الحميرية». هكذا صار مفهوم العقل مكوّنا أساسيا من مطالب الثقافة الموسوعية والمتخصّصة من داخل الموسوعية، في الوقت نفسه بداية من القرون الهجرية الأولى بالنظر إلى الجهود التأسيسية والتنظيمية والتكوينية وإن ظلّت عناصر النزاع بين البيّنة الدينية والحجة العلمية والبرهان الفلسفي سمة مميّزة لإنتاج المعرفة في البيئة الثقافية العربية الإسلامية.
٭ كاتب تونسي
لطفي العبيدي