وجَاوِر القارئ تقرأ

حجم الخط
11

ليس سهلا أن تمسك كتابا وتبدأ في قراءته ثم تمضي فيه حتى النّهاية.
المهمّة الصعبة لقراءة كتاب تبدأ من مواجهة كل أعباء الحياة التي تقف بينك وبين الكتاب. الأمر ليس متعلّقا بغلاء الكتب ولا بعدم توفرها، إنّه أمر آخر يفسره البعض بحماس القراءة، ويعطيه علم النّفس الحديث تفسير «التّضحية». فحين يتوفّر الكتاب تصبح الذريعة الأولى لعدم قراءته عدم توفر الوقت، أمّا الثانية فهي التّعب بعد يوم ماراثوني يبدأ مع إشراقة الشمس وينتهي مع مغيبها، بكل ما يحمله كل يوم من مفاجآت على جميع الأصعدة، تصبح القراءة شبيهة بالعقاب المسائي، لأن ما يحتاجه المرء بعد قتاله اليومي من أجل لقمة العيش هو أن يمد ساقيه ويسترخي أمام شاشة التلفزيون تعطيه متعة آنية بالصورة والصوت، أو شاشة الإنترنت ليدردش مع من يحب قبل النوم.
في مجتمعاتنا المترامية من الخليج إلى محيط المغرب الأقصى، الكتاب ذكرى سيئة في الذاكرة، لأننا بشكل ما ربطنا النجاح في الحياة بالقراءة.
ودون أن ننتبه نردد يوميا أمام أجيال وأجيال من أبنائنا أنهم فشلوا لأنهم لا يقرأون. أعتقد أن فوبيا الكتب بدأت من هنا، حين أصبح التّعليم مؤلما وكأنّه نوع من العقاب.
الإنسان هكذا ولا يمكنه أن يتغير بأساليب قمعية، والقراءة سلوك جميل إن عرفنا كيف نزرعه في أولادنا.
في البداية لا يمكن أن نختار نحن الكتاب ونفرضه على أولادنا، يستحسن أن يحب الطفل المكتبة أولا، ويعتبر زيارتها مكانا جميلا للمتعة. عليه أيضا أن يشارك في اختيار ما سيقرأه، ليشعر أن الأمر لم يفرض عليه، وكلّما بدأنا بتدريبه باكرا على القراءة كانت النتائج أفضل. لكنّ الأمر فاتنا كثيرا الآن، نحن في مرحلة متقدمة من العمر، والمعضلة تخصنا نحن وليس أولادنا.
المعضلة هي حين نبدأ في قراءة كتاب فتبدأ الأفكار المرتبطة بأعباء الحياة تهطل علينا كمطر غزير، فتملأ الصفحة الأولى بكل مشاغلنا اليومية، بدءا بما يجب أن نشتريه من السوق، إلى ماذا سنطبخ؟ إلى كيف سنمر عند مصلح السيارة إلى أمور أخرى قد تكون لا شيء.
كأن يخطر ببالك مثلا صديق قديم لم تتصل به، فتقرع الفكرة في رأسك لتتصل به بعد ساعة مثلا، ثم تنتبه إلى أنّك كنت تقرأ ولم تستوعب الفكرة تماما. شيء ما يجعلك تشعر بلاجدوى القراءة في ذلك الوقت بالذات فتغلق كتابك وتضعه جانبا ثم تنساه لعدة أيام، قبل أن تعاود المحاولة مرة وتنتهي بالفشل نفسه!
ما الذي يحدث بالتفصيل؟
يشرح الدكتور فريدريك فونجيه أحد أطباء الأعصاب المعروفين في فرنسا أن «عدم القدرة على القراءة من أهم علامات مرض الاكتئاب». لا يمكن للمكتئب أن يقرأ ويركز على ما يقرأ. لا يمكنه أن يمضي في متابعة الحكاية المكتوبة والقلق الداخلي يفترسه بشراسة. وإلى غير ذلك يشير طبيب آخر اهتم بالموضوع هو آلان براكونيي، فالعقل الحر فقط بإمكانه أن يقرأ. وكلما حوصر العقل وطوّق بأنواع مختلفة من القضبان فإنه منتهٍ لا محالة. وبصيغة ما فإن أهم الأسباب التي تجعل الشخص يقرأ هي الحرية والسعادة.
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نستخلص أننا شعوب حزينة ومكتئبة ومسلوبة الحرية. وهذا لا يعني أنني أفسر الماء بالماء، بل يعني أن الحلّ في أيدينا أن رمينا «العصا» الوهمية التي نهدد بها أنفسنا ونحول بها حياتنا إلى جحيم.
القراءة هي فعلا اختلاء بالذات ومواجهة لها، وأولئك الخائفون من الوحدة والعزلة يستحيل أن يجلسوا مع ذواتهم ولو لنصف ساعة. فبعد عدة اسطر يكشّر الخوف عن أنيابه ويزأر في داخل تلك النّفس القلقة فتغلق الكتاب وتعود للضجيج الذي ألفته.
خبايا النّفس كثيرة ومعقّدة لكن من حسن حظنا أنّنا نعيش في زمن تطوّر فيه العلم ويعالج أغلب متاعبنا بطرق سهلة في متناول الجميع. وبما أن الأدب نتاج للمخيلة النشيطة، فإن القراءة مرتبطة بشكل وثيق بهذه المخيلة، إنّها رفيقة القارئ ليرى الصور واضحة للمنتوج اللغوي الذي أمامه. لكن من يعرف مقدار المخاطرة التي تنتجها اللغة؟
كل كتاب مغامرة في حد ذاتها، إنّها وجه من وجوه الحياة بكل خباياها وآلامها وأفراحها. والبعض منّا يشعر بالخوف من دخول تلك المغامرة. ألا تسمعون من يردد أن الجهل نعمة؟ إنهم من تلك الفئة التي ترفض أن تصادف ما يؤلمها ولو في كتاب. وهي تمارس تغييب نفسها عمّا يحدث. هذا ليس حلاّ لمن يعتقد أن الكتاب باب يفتح على أوجاع معينة، فالأدب بقدر ما يخاطب القارئ إلاّ أنّه لا يوجه له أصابع الاتهام.
وفي مجتمعنا من يعتقد أن الأدب يعرّيه تماما ويحرمه من السرية الشخصية التي تبقي داخله مخفيا عن الأنظار.
الأدب بسحر ساحر يُسقِط الأقنعة والأغطية ويضعنا في مواجهة أنفسنا، لكنه لا يتهم أحدا، لا يدين أحدا، ولا يجلد أحدا، بل يمنحنا فرصة لإحداث التغيير الجميل فينا.
من هذا الباب يمكننا أن ندخل ونقرأ تجارب الآخرين ومختلف رؤاهم لنعرف أين يمكننا أن نقف من دون أن يتهدّدنا السقوط. لنكن متأكدين أن فعل القراءة يعني أيضا أن تخاطب الكاتب وتخاطب نفسك، وتفتح نقاشا من دون أن ترفع صوتك أو يرتفع ضغطك أو تفقد أعصابك، تحدث العملية كلها في هدوء وكلما أمعنت جيدا فيما تقرأه، حققت المتعة الحقيقية لنفسك وهي الانتصار لذاتك والشعور بثقة عالية تنبع من داخلك. حين تشعر أن عدم قدرتك على القراءة مأساة فهذا يعني أنّك بخير، المصيبة الحقيقية حين لا ينتاب الشخص أي شعور من هذا القبيل وهو لا يفتح كتابا واحدا ولو من باب الفضول!
تصبح المشكلة عويصة أكثر حين تحاول أنت مصالحة نفسك فتقتني كتابا جيدا لتقرأه فيأتي رفيقك ليصعقك بنصيحة «من ذهب»: « أيعقل أن تدفن نفسك وأنت حي وتحجز نفسك مع كتاب حتى تنهيه؟». وبالتأكيد فإن المسكين غلطان، لأنّ القراءة قد تقودك إلى أماكن خلابة لا تخطر على بال. يمكنك أن تقرأ في كل مكان، فقط يلزمك كتابك وحماسك الخاص، ثم بعدها يصبح للرفقة معنىً آخر وللحياة أيضا معنى آخر.
لا مثيل لإغواءات الكتب لمن علق في سطوتها ولذّتها، فإن قرأت كتابا جيدا فالإغواء يجرك لكتاب آخر عسى أن تجد المتعة نفسها، وإن كان الكتاب سيئا فالرّغبة لتعويض خسارتك تحثك بشكل لا يقاوم لتقوم بعملية دقيقة حتى تقع على كتاب ممتاز تلغي به خيبتك السابقة.
إنّها لعبة جميلة لا خسائر فيها أبدا حتى حين نقرأ كتابا مخيبا لآمالنا. لكن هل تعرفون ما أقوى علاج لمشكلتكم إن فقدتم الرّغبة في القراءة؟ أعتقد أن تحتكوا بأشخاص يقرأون بكثرة فالمثل يقول جاور السّعيد تسعد، وجاور القارئ تقرأ وجاور الفهمان تفهم وخليكوا متفائلين.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

وجَاوِر القارئ تقرأ

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية