وداعا سعيد المستيري. رحلت عنّا يوم 19 آب/اغسطس 2014 بعد مقاومة دؤوبة للآلام بإرادة صمود قوية وتشبث بالحياة التي أحببتها بكل قواك وجوارحك حتى آخر لحظة فارقتنا فيها هادئ البال واعيا بأنك تعيش لحظات الفراق.
ومن مفارقات هذا الزمن الغريب أن ترحل دون تأبين وإن كنت غنيّا عن عبارات التكريم، فقد كنت الكرم والحبّ ذاته.
تُرى، ما الذي حصل حتى تجفّ الأقلام وتكمّم الأفواه وتخرس الألسنة، زمن حرية التعبير كمكسبِ ثورةٍ آمنت بها وتفاءلت بمآلها؟ فارتقيت إلى قمة جبل الشعانبي وأشدت بدور البوعزيزي وهو يصارع الموت، نبراسك، حسّك المرهف وتطلّعك نحو الحياة والغد الأفضل.
ما الذي حصل ؟ أهو العجز عن تعداد صفاتك ومكارم أخلاقك ؟ أم تراها الهيبة من الإخلال باستعراض جميل أعمالك وأياديك الناعمة التي طالما ضمّدت بها جراح السقيم وشفيت بها آلام العليل.
لهفي على الحكيم الراحل والأديب المربّي الألمعي الذي كوّن الأجيال في مجال الجراحة التي مارسها بشغفٍ حتى حوّلها فنّا.
لقد نهلت أجلَّ المعاني الانسانية من عيون عذبة زلال، ففي مهدك الأُسريّ تعلّمت قواعد التربية التونسية الأصيلة وعرفت صبيّا مشاهير مشائخ الزيتونة وخالطت شابّا من انقطع منهم لخدمة الحركة الوطنية وتحرير البلاد. ومنذ نعومة أظافرك، تأصل فيك حبّ الطبيعة وجمالها في علاقة بالفلاحة والأرض والبيئة السليمة.
كما نهلت من العلوم والمعارف من المدرسة التونسية الناشئة والمدرسة الغربية، فوفّقت بين ما تلقّيت من هنا وهناك، فاستقامت شخصيتك القوية المؤمنة بمبادئ الحرية والمساواة وعُلوية الانسان.
وزمن الحرب العالمية الثانية، رحلت إلى الجزائر مودّعا الأهل لتتلقّى تكوينك الطبي لينفتح أمامك عالم فسيح ستنفجر فيه كل قواك وطاقاتك حيث حقّقت أرقى معاني الانسان؛ وكأنك ضربت مع الطب موعدًا. فلطالما كرّرت في أحاديثك أن أرقى وأجمل ما عشته، ابتسامة مريض، عربون اعتراف بالجميل على منحه فرصة جديدة في الحياة.
أي أداء للواجب أقوى من أدائك لواجب علاج المرضى والجرحى؛ أَوَلم تهبّ لإنقاذ الجرحى في معارك بنزرت ومصر وسوريا، لا فرق عندك بينها، فنداء الواجب، واجب حفظ الحياة، أقوى عندك من كل شيء.
إن شهرتك في مجال الجراحة بوّأتك أعلى الدرجات العلمية وجعلتك تُبَجَّل وتُكَرم في أرقى محافل الجراحة الاستشفائية الجامعية الدولية ، فكان إشعاعك باسم تونس ورفع رايتها عاليا في الأوساط الأكاديمية العالمية التي شهدت لك بالكفاءة والعلم والمقدرة على الإبداع، فكنت بحق مؤسس مدرسة الجراحة العصرية التونسية.
أما خارج قاعات العمليات وقاعات التدريس والمحاضرات فقد طارت شهرتك في المجالس التي كنت تحضرها وخاصة تلك التي كنت حريصا على تنظيمها في بيتك العامر. فكانت صولاتك وجولاتك بين شعراء الجاهلية وحكماء اليونان واللاتينيين والبوصيري (في همْزيته) والمتنبي وأبي فراس وابن سينا وفلاسفة الأنوار وفولتير ومونتسكيو وشوقي ورامي… وقد تواصلت حتى النزع الأخير وأنت في سكرات الموت.
خير خاتمة لإحياء ذكراك عود على بدء، فإبداعاتك في أدب الترجمة والسِّيَر جعلتك تحذق أساليب إحياء الذكرى والتكريم وخطب التأبين. أوَلم تترجم لأبي القاسم الزهراوي، بوصفه أحد مطوّري الجراحة. و ترجمت للوزير الأول مَحمد شنيق؛ فأبرزت دوره في تغيير السياسة التونسية في عهد المنصف باي ثم في تفعيل المفاوضات في المرحلة الحاسمة من أجل استقلال تونس. فوفّيت له بالجميل ولابنته زهرة شنيق، رفيقة دربك.
أما سيرتك الذاتية فقد أخرجتها بأسلوبك الخاص فجاءت أقرب لشهادات على تاريخ تونس كما عشته أو كما حفظته، من وجهة نظر حكيم فيلسوف شاعر حسّاس، آمن بسعادة الانسان وبالانسانية كقيمة مطلقة في هذا الوجود. وداعا حكيم تونس، فذكراك الجميلة بيننا حيّة تؤنس.
خالد كشير ـ جامعة تونس