نزاعات الطوائف وصراعاتها ليست بالأمر الجديد في لبنان، ولكن تساؤلاً ضرورياً يطرح نفسه حول سبب تزاحم هذه الطوائف وتقاطعها من الأساس في هذه المساحة الصغيرة من العالم.
المشهد اللبناني معقد، ويمثل استقراؤه مهمة جسيمة لأي شخص يمتلك خبرة في التحليل السياسي أو اهتماماً بتفكيك معطيات أي وضع سياسي لمفرداته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، فاحتمالات الوقوع في المحظور من الناحية المنهجية والتورط في القوالب الجاهزة كثيرة ومغرية، والحقيقة في لبنان لا يمكن انتزاعها من أشواك التفاصيل التي تتابعت على تاريخه، يمكن فقط أن يجد الشخص في نفسه حماساً تجاه تفهم الوضع اللبناني إذا كان يحمل نزوعاً أصيلاً في نفسه لبعض الألعاب الذهنية مثل الكلمات المتقاطعة والألغاز الحسابية.
سوريا الطبيعية تاريخياً أرضاً للصراع، مدخل الإمبراطورية الرومانية المفتوح أمام الفرس مع استغلاق الهضبة الأناضولية من جهة فارس، وكان أيضاً امتداداً لعالم عرب الجزيرة، في العصر الأموي كانت المنطقة تستقطب إزاحات بشرية متتابعة، وفي العصر العباسي فإن سوريا الطبيعية كانت تمثل مساحة معتبرة من الإقليم المركزي، وأخيراً فالزمن العثماني صعدت فكرة طريق الحجاز بوصفه الحبل السري لشرعية العثمانيين في الأناضول، فكانت هيبة الإمبراطورية بقدرتها على رعاية وحماية المقدسات الإسلامية.
حتى القرن التاسع عشر لم يكن مفهوم شرق المتوسط Levant سائداً، فالأهمية كانت لخط الحجاز وبقي الساحل مهملاً، ومع تراجع العثمانيين والاستعمار المتطلع لخلافتهم في المنطقة، أخذت منطقة الساحل تكتسب الأهمية، ووجد الفرنسيون بيئة مناسبة للتمركز على الساحل الذي بقي مغيباً بصورة كبيرة في الزمن العثماني، فما الذي وجده الفرنسيون؟ العلويون في الجبال الممتدة على الساحل السوري من الاسكندرونة إلى طرابلس، تمركز أتباع المذهب السني في محيط طرابلس، أغلبية مارونية في جبال لبنان مع مزاحمة واضحة من الدروز، فئات شيعية في الجنوب والبقاع، وعلى تخومها تواجد للطائفة الاسماعيلية، فما السبب الذي أزاح معظم الطوائف في سوريا الطبيعية إلى الساحل بينما بقيت المنطقة الوسطى سنية في أغلبيتها؟
طاقة المراكز في دمشق وحلب الاستيعابية والإنتاجية أيضاً، ووجود نواة صلبة متماسكة عرقياً ومذهبياً أدى إلى إضعاف الأطراف ونبذها، وأمام شراهة متزايدة للسيطرة من قبل أهالي المدينتين، الذين مارسوا الاستعلاء بصورة قصدية أو عفوية على العلويين وغيرهم من الطوائف، فإن الساحل أخذ يصبح ملاذاً للمستضعفين، فالكتلة الطاغية كانت تحاول أن تعزز مكاسبها وتواجدها وأن تحصنه، ولذلك كان المركز مفتوحاً أمام الفرنسيين.
لبنان بطبيعته الجبلية والطبوغرافية، ولطبيعة قربه من فلسطين التاريخية من ناحية تخلقها على هامش الحروب الإفرنجية بوصفها الأرض المقدسة، ولأن الأوروبيين اعتبروه متطلباً إجبارياً للمحافظة على فلسطين، كان وجهة مفضلة لتزاحم الطوائف من داخل سوريا الطبيعية وخارجها أيضاً، فالدعاة الدروز مثلاً قدموا أساساً من مصر، بينما لم تكن المنطقة العلوية البعيدة عن فلسطين تجتذب الطوائف وبقيت في حالة من البدائية قياساً بالمناطق المحيطة بها.
لبنان مثلت بؤرة لاجتذاب المستضعفين والهاربين والفارين من الأقاليم المجاورة، ولذلك فإن اللا (ثقة) كانت العملة في لبنان، وبقيت سيولة الوضع الطائفي تتغذى على المفاصل التي تعيد طرح الأسئلة الكبرى أمام اللبنانيين، سؤال الهوية التأسيسي مع مشروع غورو والبطرك الحويك حول مسيحية لبنان، وسؤال عروبة لبنان 1958، وعلى الرغم من إنهاء الحقبة الشمعونية وصعود الشهابية، إلا أن السؤال بقي واحداً من الأسئلة المعقدة وكان يحمل بذرة سؤال الوطنية اللبنانية الذي اصطدم بأرض لبنان بصورة مرعبة تليق بارتطام نيزك عملاق كالذي، كما يقال، تسبب في انقراض الديناصورات، كان ذلك مع حادثة الكرنتينا 18كانون الثاني/يناير 1976، المفارقة أن ديناصورات لبنان لم تنقرض وإنما زادت خبرة وتطور ذكاؤها لتستولي على البلد في محاصصة جديدة انعقدت في الطائف 1989 أخطر ما فيها أنها أنكرت صيغة المحاصصة وحملت شعارات كبيرة في مبادئها الأربعة، بينما حضرت المحاصصة تحت الطاولة وعبرت عن نفسها في ملف الإعمار والإدارة العامة في لبنان في السنوات اللاحقة التي استبدلت فيها أربطة العنق بأحزمة الرصاص.
في هذه الأيام وبعد انهيار إحدى المحاصصات القطاعية ومطامع طائفية بالمحاصصة في داخل المحاصصة يشهد لبنان انتفاضة من الصعب التنبؤ بمسارها ومآلاتها، فهي انتفاضة الخوارج على الخوارج، والمعتزلة على المعتزلة، والخروج يتمثل أصلاً في فكرة الطائفة التي احتمت بالجبل وحملت معها كل مخاوفها وهواجسها، واعتزلت في ذاتها تتهافت على حصة أكبر من كعكة الـ (بلد)، وإذا كانت الطوائف وجدت نفسها في مسميات حزبية أو سياسية، فإن (ريحتكم طلعت) خرجت بالأكثر جموحاً من بين صفوف الحزبيين والمسيسين في لبنان، وما أكثرهم، ليرفضوا الزواج العرفي بين السياسي والطائفة.
الوزير المشنوق بدأ في إدارة الأزمة وهو خارج لبنان، وكانت تصريحاته المتعددة تعطي اللبنانيين فكرة عن السياسة بنكهة طائفية، فالحكومة التي يفترض أنها تعمل في أي بلد كان بصورة تكافلية تضامنية اختفت جميع أدواتها، وتركوا المشنوق وحده في مواجهة الغضب الشعبي، وكأن المشكلة التي فجرت الأحداث أتت دون مقدمات أو أسباب، ويبدو أن الوزراء المسؤولين أصلاً عن الأزمة ارتاحوا للمسار الذي أخذته الأمور لتظهر بوصفها قضية أمنية ستسفر عن أحداث فرعية أخرى متشعبة ومعقدة بصورة تكفي لابتلاع وتغييب المشكلة الأصلية، وسيتحول مسار الأسئلة من خانة البحث في آليات فشل الإدارة العامة في ملف يتماس مع حياة جميع اللبنانيين والعجز عن مواجهة مشكلة لا يمكن أن تجد لها مكاناً في دولة حديثة، لتصبح الأسئلة عن اعتقال المحتجين وربما اتهامات بالاختطاف والتعذيب، والتمييز بين الاحتجاج السلمي من جهة وافتعال العنف من جهة أخرى، عدا بالطبع عن الجدل التقليدي حول تعريف المندسين والمحرضين والبحث عن (الطرف الثالث).
الشباب اللبناني يمتلك وعياً سياسياً متقدماً قياساً بغيره لأن بلداً يخلط السياسة بالطائفية يجعل الجميع ممددين في الماء المغلي، ويعرف اللبنانيون أصلاً أن الشباب الذي يخرج للميادين يتحدى الدولة الطائفية ويحلم باقتلاعها، أو على الأقل إدانتها بصورة واضحة، ولكن التساؤل يتحول حول قدرة المتظاهرين المحافظة على الزخم اللازم من أجل تحريك القضية للأمام، وربما إلى اليوم لم يكتمل الزخم ليمثل تهديداً فعلياً، فالطوائف من خلال نوافذها السياسية تستطيع أن تتدخل لـ (ضبضبة) قطاعات من المحتجين المحتملين أو الحاليين، والدروس المستفادة من فصول الربيع العربي أن الاستسلام للمطلب الأول سيستتبع مطالباً أخرى، وسيشجع الحركة الاحتجاجية لتتخذ خطوات تصعيدية، وعقلية زعيم الطائفة الأبوية التي تتخذ شكل القائد السياسي غير مستعدة أو مهيأة نفسياً لتقديم هذه التنازلات، وبذلك يتوقع أن يصبح مصير لبنان رهن ردود الفعل التي يمكن أن تتفاعل فجأة من حدث معين وتخضع السياق برمته له، كأن تخسر طائفة بعينها بعضاً من أبنائها نتيجة لقرار متسرع أو متهور من القوى الأمنية، أو تصطدم طائفتان ضمن الحراك نفسه أو على هامشه، وسيصبح الأمر نفسه خارج قدرة أي شخص على الاستقراء والتنبؤ، ولكن للحصول على هامش من التوقع فإنه من الضروري معرفة التركيبة الطائفية للمحتجين، وأسوأ ما يمكن حدوثه أن تكون طائفة معينة هي الأغلبية، وهذه مسألة ستختصر الطريق على سدنة الأمر الواقع وحراسه في لبنان، وسيجري ودون كثير من العناء توريط حركة انطلقت إلى حد كبير للاحتجاج على الطائفية في فخ الممارسة الطائفية.
٭ كاتب من الأردن
سامح المحاريق