■ مرت عشرة أشهر و10 أيام بالتمام والكمال على قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لإعادة النظر في تعامل السلطة مع اتفاق اوسلو لعام 1993 وتبعاته. وحتى لا أحاسب على الدقة في نقل المعلومات فانني أقتبس النص الخاص بوقف التنسيق الأمني كما جاء في بيان المجلس في 6 اذار/مارس من العام الماضي: -1 تحميل سلطة الاحتلال (إسرائيل) مسؤولياتها كافة تجاه الشعب الفلسطيني في دولة فلسطين المحتلة كسلطة احتلال وفقا للقانون الدولي. 2 – وقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي في ضوء عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين. وهذه دعوة صريحة لحل السلطة..
لم تتخذ خلال الثلاثمئة و13 يوما التي مرت على القرار، أي خطوات عملية لتنفيذه سوى تشكيل لجنة سياسية من اللجنة التنفيذية والقيادة الفلسطينية لبحث تداعيات تطبيق مثل هذا القرار وانعكاساته على المصلحة الوطنية الفلسطينية. وكما يقولون إذا أردت ان تقتل قضية فشكل لها لجنة.
وجاء خطاب الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السبعين في 30 ايلول/سبتمبر الماضي الذي مر عليه حتى الآن مئة وثمانية أيام، ليوقد الأمل مجددا، ويؤكد على ما جاء في قرار المركزي بل ذهب إلى ما هو أبعد بقوله «فإما أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية ناقلة للشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال، وإما أن تتحمل إسرائيل سلطة الاحتلال، مسؤولياتها كافة». وهذا أيضا تصريح واضح لا يحتمل التأويل وله معنى واحد وهو حل السلطة في حال لم تلتزم إسرائيل بالاتفاقات الموقعة وهي لم تلتزم ولن تلتزم حاليا ولا في المستقبل القريب أو البعيد بل تعمل دوما على خلق واقع جديد على الأرض.
وقلنا في حينها إن الأمر يحتاج إلى وقت لترجمته على الأرض. فتوالت التصريحات والوعود بأن المسألة ليست إلا مسألة وقت لا أكثر. ففي 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تحدث صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عن القرار الذي توصلت إليه اللجنة التنفيذية للمنظمة في اجتماعها برئاسة الرئيس أبو مازن، والذي ينص على تحديد العلاقة مع إسرائيل أمنيا وسياسيا واقتصاديا. وحسب ما قال عريقات فكان يفترض أن يطبق القرار في نهاية الشهر أي تشرين الثاني/نوفمبر بعد المشاورات التي سيجريها الرئيس مع بعض الزعماء العرب وقادة دول صديقة. ودفع التفاؤل الشديد عريقات إلى القول إن احتمال سحب اعتراف المنظمة بإسرائيل، أصبح قائما وذلك لعدم التزام الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بأي من الاتفاقات والتفاهمات التي وقعت معها. وعندما سئل عريقات عن تداعيات القرار إسرائيليا إن طبق فعلا، مثل إعادة اجتياح الضفة الغربية، رد هازئا «كل اللي خايفين منه حاصل… فالضفة أعيد احتلالها وأعيد إنشاء الإدارات المدنية التي ألغيت مع قيام السلطة وألغيت أيضا كل الاتفاقات والتفاهمات». وأضاف «بعد تدمير السلطة وعملية السلام وفرص حل الدولتين فإن القرار يعني أن الوضع الراهن غير مقبول فلسطينيا ولن نلتزم بما لا يلتزمون به، كما جاء في خطاب الرئيس أبو مازن في الجمعية العامة للأمم المتحدة». هذا كلام جميل جدا جدا.
ومر تشرين الثاني/نوفمبر وجاء كانون الأول/ديسمبر. وفي العاشر من ذاك الشهر قال عريقات إن الجانب الفلسطيني سيبدأ تنفيذ قرارات المجلس المركزي الخاصة بوقف العمل مع الجانب الإسرائيلي أمنيا واقتصاديا وسياسيا، فور الانتهاء من كل الاستعدادات اللازمة لذلك. وعند سؤاله عن موعد التنفيذ، قال إن ذلك سيتم فور الانتهاء من تحصين الجبهة الداخلية!!… وأضاف، أن اللجنة السياسية التي يترأسها «تقوم الآن بوضع الآليات وتدرس ردود الأفعال المتوقعة بشكل جدي، لمعرفة انعكاساتها على الخطوات الفلسطينية» مؤكدا أنه يجري «وضع جداول زمنية للتنفيذ».
وفي 27 من الشهر ذاته تحدث عريقات عن اجتماع ستعقده القيادة الفلسطينية مطلع العام المقبل، لـ «اتخاذ القرار النهائي» بشأن وقف العمل بالاتفاقيات السياسية والأمنية والاقتصادية مع إسرائيل. وعندما سئل إن كان هذا الاجتماع سيكون الحاسم لتنفيذ قرارات المجلس المركزي، رد بالقول «هذا ما ننتظره».
وراح كانون الأول/ديسمبر في حاله ومعه 2015 وجاء 2016 وها نحن ندخل في النصف الثاني من الشهر الأول ولا نزال نراوح مكاننا ولا يزال القرار لم ينفذ وليس ثمة ما يشير إلى وجود ضوء في آخر النفق المظلم.. وعود ثم وعود ووعود أخرى.
برر مسؤول فلسطيني كبير كنت «أدردش» معه قبل أيام المماطلات والوعود الفارغة بالقول «ليست هناك تراجعات.. لم نقل اننا سنحل السلطة ولكننا ملتزمون بما جاء في خطاب الرئيس في الجمعية العامة، بيد أن كل شيء جمد بعد العملية الإرهابية في باريس في 13 تشــــــرين الثاني/نوفمبر الماضي.
كان موضوع وقف التنسيق الأمني مرتبطا بالتحرك الفرنسي في مجلس الأمن لكن جاءت العملية الإرهابية لتجمد كل شيء».. وشدد المسؤول على أن «التنسيق الأمني مع إسرائيل متوقف منذ انطلاق الهبة الشعبية في مطلع تشرين الأول/اكتوبر.. ومن يقول غير ذلك فهو كاذب».
يذكرني ما سلف، بماض سحيق لكنه جميل… يذكرني مع الفارق الشاسع، بأيام الصبا والشباب عندما كنا نذهب إلى السينما في مدينة طولكرم شمال الضفة، وكان هناك دارا سينما، واحدة اسمها «الفريد» وهي الأقدم والثانية «الأندلس» ولم يكن يفصل بينهما إلا شارع واحد، قبل ان يغلقا ويتحولا إلى قاعات أفراح!.
طبعا كنا نذهب إلى السينما من وراء أهالينا في معظم الأحيان، لان الاعتقاد السائد في حينها كان ان دور السينما وما تعرضه من أفلام مفسدة للأخلاق.
والمرات الوحيدة التي كنا نذهب فيها إلى السينما بعلم وموافقة وقروش أهالينا، إذا ما كان الفيلم دينيا أو تاريخيا مثل فيلم «محمد رسول الله» و»الناصر صلاح الدين» وغيرهما من ذاك النوع من الأفلام. ولطلما كذبنا، على أهالينا وتحججنا باننا ذاهبون لمشاهدة أفلام دينية بينما يكون الفيلم مثلا «جيمس بوند» لشون كونري.
وقبل مشاهدة الفيلم، كنا ننتظر تقريبا نصف ساعة نشاهد طبعا بعد السلام الملكي، ما كان يسمى بالمناظر، أي دعاية للأفلام المقبلة، للتشويق والتسويق.. فكان هناك «قريب على الشاشة.. وقريب جدا على الشاشة.. وقريب جدا جدا على الشاشة». طبعا هذه المسائل لا تعرفها الأجيال الجديدة لان دور السينما نقلت إلى منازلها، ولم يعد يكلف الشخص نفسه عناء الذهاب إلى السينما بوجود «سي دي بليير» والآن طبعا هناك «يوتيوب» وما يسمى بـ «نيتفليكس» والأجهزة المصنعة صينيا التي تفتح المجال لمشاهدة أحدث الأفلام مجانا بكبسة زر وأنت جالس على مقعدك الوثير في صالون منزلك.
الفارق الوحيد باستثناء الأهمية، بين دور السينما والسلطة ومن ورائها منظمة التحرير أن الأولى كانت تصدق وتفي بوعودها وأما الثانية فلا.
ليس عيبا أن نواجه أنفسنا بالحقيقة حتى وإن كانت علقما، ولكن العيب أن نبقى نضحك على أنفسنا وشعبنا ونحقنه بالابر المخدرة، التي بدأت تفقد مفعولها من كثرتها.
كان الأولى بالسلطة أن تكون صادقة أمام نفسها أولا وشعبها ثانيا، وتعلن بملء فيها أنها عاجزة عن اتخاذ أي قرار من قبيل وقف التتنسيق الأمني وغيره لما له من تداعيات عليها وعلى المصلحة العامة أو أي أسباب أخرى مهما كانت.
ليس عيبا الاعتراف بالضعف والعجز بل العيب الأكبر ان تبقى تكابر وتضحك على الشعب الذي انتفض دعما لموقف الرئيس الصائب في الجمعية العامة، بدلا من وضعه في صورة ما يجري. وإشراكه في قرار الاختيار بين وقف التنسيق مع سلطات الاحتلال بأوجهه الثلاثة الأمني والسياسي والاقتصادي أضافة إلى حل السطة، أو الإبقاء عليه.
والبديل هو أنه إذا ما أصرت السلطة على إبقاء الشعب في الظلام فانها ستفقد ما تبقى من مصداقيتها ان وجدت أصلا، وساعتها لا تلوم إلا نفسها في أي خطوة عقابية قد يقدم عليها.
وأخيرا وحتى تستعيد السلطة هيبتها المفقودة في أوساط شعبها فان عليها إتخاذ خطوات لبناء الثقة منها:
أولا: ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية وإعادة اللحمة بين ابناء الشعب الواحد.
ثانيا: وضع أسس جديدة للتعامل مع الشعب قائمة على الصدق والصراحة التامة وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية أو الفصائلية والفئوية.
ثالثا: الإسراع في عقد المجلس الوطني الفلسطيني لغرض إعادة بناء المنظمة ومؤسساتها على أسس صحيحة تشارك فيها بالانتخاب كل أطياف ومكونات الشعب الفلسطيني وفصائله ومؤسساته الوطنية.
رابعا: وضع تصور واضح وصريح للمرحلة النضالية المقبلة، أساسه دعم الهبة الشعبية والعمل على تطويرها وتوسيع قاعدتها.
خامسا: البناء على التلاحم الذي أبداه الشعب الفلسطيني المعطاء من خلال صناديق التبرع لبناء ما يهدمه العدو من منازل منفذي العمليات الفدائية.. ويجب ان يشمل ذلك القدس الشرقية. وما قرار خصم 1٪ من رواتب موظفي السلطة إلا خطوة في الإتجاه الصحيح.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح