للوهلة المتعجلة الأولى، ظننت أنني سوف أجلس إلى مكتبي لأرعد وأرغي وأزبد، كما يقولون، فأكتب مقالاً هادراً غاضباً أضمنه أقسى وأحسم أنواع الإدانة للقتل والاغتيال، كوسيلة للنضال السياسي والتعدي على حرية التعبير والإبداع… على الرغم من اختلافي بل نفوري الشديد من ذلك النوع من التعبير الذي تمثله مجلة «شارلي إيبدو»..غير أنني توقفت بغتةً كسيارةٍ ديس كابحها فجأةً حين رأيت تلك المسيرة «الجنائزية المهيبة» التي يتقدمها أولاند (وهو أمرٌ قد يكون مفهوماً) وميركل ( لا يضير، نمررها) وبجانبهما نتنياهو بوجهه العكر وأبومازن بسحنته الصبوح… لوهلة تملكتني الدهشة التي أخلت محلها للغضب من تلك الصفاقة ومن نفسي، لأنني كدت أن أقع في فخ تبني رواية الغرب بدون تريث أو تمحيص، ومن ثم وجدتني أضحك فقد أثبت «قادة العالم الغربي المتحضر» أنهم لا يقلون غباءً وحماقة عن رؤساء «العالم الثالث المتخلف»، ولمَ نذهب بعيداً، فالعديد من أولئك التافهين ساروا في تلك المسيرة إلى جانب ذلك القاتل الجماعي المجرم المضرجة يداه بالدماء نتنياهو، وأبو مازن الصامت الذي لم يره أحد في غزة لمجرد تقديم العزاء (من باب إبراء الذمة وتبييض الوجه لا أكثر) بعد أن دكت طيلة ما يقارب الخمسين يوماً من قبل الأول.
سألت نفسي: ترى، أي حوارٍ ذاك الذي دار بين أولاند، الذي اضطر إلى أن ينتشل نفسه من مشاكله الشخصية ومشاحنات الضرائر الفضائحية الغارق فيها (كان الله في عونه) ونتنياهو: «بالله عليك لا تنسَ أن تحضر معك باروخ غولدشتاين؟ أم ليت أرييل شارون كان موجوداً بيننا ليرد عليه الآخر بصوتٍ ملؤه الأسى: لا تخشَ فروحه حاضرة». نشرت «الإندبندت» البريطانية على عهدتها أن الإدارة الفرنسية طلبت من نتنياهو عدم الحضور إلا أنه أصر… يجوز، ولكنه لا يغير من الأمر شيئاً.
تحتم عليَّ أن أراجع نفسي… أجل الاغتيال لخلافٍ في الرأي مرفوضٌ ومدان.. ولكن.. أجل! «ولكن» كبيرة… يذهب البعض إلى أن الإدانة غير مشروطة، قاطعة حاسمة، لكنني أختلف معهم وأطرح «ولكن» كبيرة بكل عزمي، كالقنبلة، وعلى عكس «لو» التي تفتح عمل الشيطان أطرح «ولكن» التي تفجر طاقةً في جدار الموقف الرسمي الذي يجرنا الغرب إليه، فأي حديثٍ أو شجبٍ يتناول الحدث – القتل، بدون البحث في الأسباب وتحليلها ومحاولة فهمها، لا يعد تقصيراً مخلاً فحسب وإنما يضحى مشاركةً في الجريمة والظلم، تماماً كالذي يحاسب العاهرة ويدينها ولا يلتفت إلى القواد ويطلق سراحه، بل وفي حالتنا تلك يتبنى وجهة نظره في البيع والشراء والمصلحة.
لقد أجرم الذين قاموا بالقتل وضغطوا على الزناد، لكن جرمهم لا يزيد على جرم من وضع في أيديهم السلاح… ومن لديه أدنى شك فلن أحيله إلى تاريخ فرنسا البشع من الإبادة والعنصرية في الجزائر، التي تعاملت مع فقدانها كأنما اقتلعت من لحم فرنسا الحي، وإنما سأشير إلى حال المهاجرين الجزائريين في فرنسا وبعضهم من الجيل الرابع أو الخامس، وما يلاقونه من العنصرية المقيتة وتلك الحواجز التي تعيق تقدمهم.
نعم القتل جريمة بشعة والتطرف الديني أو الفكري مرفوض، وأبشع منهما الغرب بزعامة أمريكا، الذي دعم واستثمر في تلك الطبعة من الإسلام السياسي لمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ساحة الحرب الباردة الأخيرة التي أصبحت وبحق مفرخةً للإرهاب ومرعىً للقتل والتناحر الدمويين، من خلال العملية «سايكلون» التي عدت حتى حينها أكبر عملية استخبارية سرية قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تاريخها.
الاغتيال جريمة، ولكن ما بال اغتيال وطنٍ بأكمله: العراق الذي حُطم ودكت عظامه وشرد أهله بعد أن تشظى إلى كل ألوانه وأطيافه… ماذا يتوقع ساسة الغرب ومحللوه بعد كل ذلك الدمار الذي أعاد العراق إلى القرن التاسع عشر أو ما قبل؟ إن لم يكن العنف فهل كانوا ينتظرون جيشاً من المهاتما غاندي بماعزهم!!
أرفض الإرهاب والقتل، ولكنني لا أملك سوى الدهشة حين أرى من يحرضون عليه ويمولونه يستاءون من رذاذ الدم حين يتناثر على أطراف سراويل بزاتهم المكوية.
لا يعني كل ما سبق أنني أعفي بلداننا تماماً من المسؤولية، فمازلت أعتقد أن الغرب إنما يستثمر في كوامن ضعفنا، وأننا في حاجةٍ ملحة لإعادة تقييم جملة من الموروثات والمفاهيم المتحدرة من عصور التخلف والاستبداد، إلا أنني أدرك تماماً أن نقد الذات، وهو مفيد، لا يساوي أبداً ولا يجب أن يؤدي إلى جلد الذات واتهامها بكل نقيصة وخطيئة.
أجل، هو عالمٌ مجنونٌ يلهث مسعوراً وراء الربح بعد أن اهتز حلمه الأكبر في التحرر والعدالة، وقد صدر رأس المال الغربي لنا تناقضاته واستثمر في بلداننا في الجهل والأنظمة القمعية وفرض علينا صراعات الهوية، طائفية وعرقيةٍ وقومية، إلا أنني على قناعة بأن السبيل ليس في الانسياق وراءه وحربه على أرضية الهوية مرسخين بذلك مفهومه العنصري لطبيعة الصراع، وإنما على أرضية رفض المشروع والنموذج الرأسمالي الذي لم يؤد سوى للحروب والقتل والدمار وعولمة الفقر والبؤس، ومن هذا المنطلق أدين تلك الهجمة أيضاً كونها لا تخدم قضايانا، بل تقدم ورقةً مجانية لليمين المتطرف في الغرب بنظرته الاستعلائية الحقيرة للعرب والمسلمين ووصمهم بالهمجية. في عالمٍ لسنا الوحيدين فيه ولا الأقوى، بل للأسف نحن المسلوبون أصحاب المظلمة الذين انتهكت أوطانهم لا بد لنا من اختيار صداقاتنا وتحالفاتنا، وفي الغرب فإن ذلك يعني بالتحديد نزعات التمرد والحركات اليسارية والرافضة للعولمة التي تضرب في أسس تلك التركيبة الاجتماعية في الغرب بانحيازها الصريح للمشروع النيوليبرالي النهبي الذي جر علينا الويلات.
ما رأيته من كايكاتورات «شارلي إيبدو» يبدو لي معبراً عن مزاجٍ معتل وذوقٍ مقزز، لكن ذلك مجرد رأيي الذي أملك كامل الحرية فيه ولا يشكل تبريراً بأي حالٍ لتلك الجريمة، وأكثر ما يحزنني ويغضبني في الحقيقة أن تخرج الأنظمة الغربية التي تسببت بشكلٍ أساسي ومباشر في كل دوامات العنف واليمين المتطرف رابحين بدون ان يلقي أحدٌ عليهم اللوم، وأن يهرع الناس يعلنون عن تضامنهم ومدى الألم الذي يعتصر قلوبهم، ولا عزاء للذين يخدمون عدوهم منا نحن الحمقى والضعفاء.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل