■ قرار المسؤول الإعلامي الأردني، بمنع طباعة «القدس العربي» في الأردن، هو قرار خاطئ بكل المعاني والمقاييس، خاصة أن الصحيفة، وباطلاعي اليومي عليها، ورقيا، لم تسئ إلى الأردن مطلقا لا بلدا ولا حكومة.
هي تصوّر وقائع وتنتقد احداثا (كما في بلدان عربية كثيرة) بكل المسؤولية والحرص على هذا البلد العربي أو ذاك، فسياساتها عروبية (رغم انتقادي لبعض آراء تُنشر فيها أحيانا) فهذا طبيعي، وهذا هو دور الصحافة لمن يجهله، فالإعلام هو أولا وأخيرا، صراع بين وجهات النظر المختلفة. إن كان الإعلام ليس أكثر من «تابوه»، فبئسا له يصبح روتينيا يسبّح بحمد الحاكم، ويقلبُ أخطاءه إلى نِعَم، ومن خلاله فقط نستطيع تنفس الهواء بالطبع، ينفضّ الناس عن مثل هذا الإعلام التقليدي، ويسبح الأخير فقط في بحيرته الذاتية.
السؤال هو: هل من إنسان معصوم عن الخطأ؟ بالطبع لا لذا ،فمن لا يعمل هو الذي لا يخطئ. «القدس العربي» مقروءة كثيرا على صعيد العالم العربي، والجاليات العربية في العالم، بالتالي، فهي واسعة الانتشار.
أيضا ذكرت قناة المنار» أنّ شركة «عرب سات» أقدمت على «إنزالها عن أقمارها الاصطناعية» ونقلت القناة عن وزير الإعلام اللبناني، رمزي جريج، قوله إنه «لم يتبلغ بأي قرار رسمي حتى الآن، من شركة «عرب سات»، مؤكّداً «تضامنه مع كل الإعلام اللبناني». ورأت القناة أنّ القرار يعتبر أحدث خطوات «ما توصلت إليه سياسة كمّ الأفواه، ومحاربة كل صوت يصدح بالحق والحقيقة، ويبحث عن مساحة حرة في عالمنا العربي».
أيضا انشغلت الأوساط الإعلامية منذ فترة قصيرة، بمتابعة تهديد شركة القمر الصناعي «عرب سات» بفسخ تعاقدها مع الدولة اللبنانيّة، لعدم اتخاذها ما سمته «إجراءات عقابية» بحق قناة «الميادين»، كما أوضحت مصادر لبنانية، أن الأمر لا يقتصر على التضييق على الفضائية المعنية فحسب، بل يتعداه إلى الضغط على لبنان وحكومته، إذ أن العقوبة تُعد مساسا بالسيادة اللبنانية، وهذه هي النقطة.
الإعلام هو أحد الوسائل الرئيسية للحياة. هو الموصل للفكرة التي يحملها كل صاحب وجهة نظر: فردا.. حزبا .. حركة .. تنظيما .. دولة، إلى الآخرين، بغض النظر عن صوابية الفكرة أو خطئها. تنحصر مهمات الصحيفة والفضائية وكل الوسائل الإعلامية الأخرى، من خلال البانوراما اليومية العريضة التي تنقلها للقارئ أو للمشاهد، تغطية هذه المساحة من الأحداث والأخبار، ضمن أفق تحليلي لها، من خلال طريقة عرضها أو مقالات كتّابها، بما يضمن صراع الأفكار في الصحيفة/الوسيلة الإعلامية، كشرط للسير إلى الأمام لكل ما هو صحيح، وإسقاط الخاطئ، في مسيرة الحدث المعني، وحتى نكون موضوعيين فإن لكل وسيلة إعلامية توجهاتها، أما الحكم على ديمقراطيتها، فيأتي من خلال سماح هذه الوسيلة لوجهات النظر المعارضة (حتى لتوجهاتها)، بالظهور على صفحاتها أو شاشاتها، وللأمانة، ورغم لوم كثيرين لي، على استمرار الكتابة في «القدس العربي» بعد التغييرات فيها، لكنني لم أشعر يوما، بأنها أرادت أن تحجب وجهة نظر لي، في التعليق على ما أكتب، ولهذا استمررت فيها وسأستمر.
أيضا، في بداية التغييرات التي مرّت بها الصحيفة، كتبت مقالة بعنوان «الخوف على سقف الحرية في القدس العربي» جاء الرد عليّ، من خلال نشر المقالة في موعدها، وقد كانت تحمل الكثير مما لا تريده مطلقا صحيفة من الظهورعلى صفحاتها، كونه ينتقدها.
الإعلام مهم، والأهم هو متابعته والاطلاع عليه، ليس فقط ما نرغب قراءته أو سماعه أو مشاهدته، بل كل الآراء المعاكسة وجهات النظر الأخرى، لعل الواحد منا يستفيد للمزيد من تحصين وجهة نظره السياسية من الثغرات، شريطة أن تُصاغ كل الآراء في قالب بعيد كل البعد عن الحقد الأسود، والتشفي والمماحكة، والادعاء باحتكار الحقيقة، وحوار الطرشان وتخوين الآخر، يتوجب أن نعرف كيف نختلف وكيف نتحاور، خاصة أننا نمر في مرحلة حرجة من تاريخنا العربي، عنوان الصراع فيها: مذهبي، طائفي، إثني ، بيني عربي.. بين الدول العربية، وصولا إليه داخل الدولة الواحدة، ذلك كله لتغييب الصراع الأساسي للوجود العربي برمته، مع العدو الصهيوني، وهو الصراع الأساس لوجه منطقتنا.
من هنا نحن بحاجة إلى استراتيجية إعلامية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار حقائق المتغيرات الإعلامية في الوضع العربي برمته. واهم كل عربي يتصوّر أنه إذا ما وقّع بلده، معاهدة مع العدو الصهيوني، أو افتتحت ممثلية له في عاصمتها، (أيا كان هدفها المعلن، فهي ستكون وكرا للموساد والتخطيط لضرب النسيج الاجتماعي في البلد العربي) بأنه سيكون آمنا من هذا العدو. من التجارب، أحداث مصر، الأردن، فلسطين بعد توقيعها اتفاقيات مع العدو اغتيال المبحوح في دبي وغيرها من الأحداث الكثيرة الخاصة بكل دولة عربية من المحيط إلى الخليج. واهم كل عربي (وبضمنهم الفلسطيني) يعتقد أن العدو سينصاع إلى السلام (اقرأوا تصريحات قادته)، وأن الولايات المتحدة ستكون وسيطا نزيها في الصراع مع هذا العدو، أو أنها حريصة على من تسميهم «أصدقاءها العرب» لكل ذلك، نحن بحاجة إلى استراتيجية إعلامية جديدة.
نعم، أدركت الحركة الصهيونية، منذ ما قبل تشكلها كحركة سياسية حتى الآن، أهمية الإعلام في إنجاح مشروعها، فقد خاطب الحاخام راستورون مستمعيه المجتمعين من أجل التهيئة، لعقد المؤتمر الصهيوني الأول قائلا: «إذا كان المال هو القوة التي نستطيع من خلالها السيطرة على العالم، فإن الإعلام لا يقل عنه قوة». المؤتمر الصهيوني العام الذي انعقد في بازل، نص في واحد من قراراته على اهمية السيطرة على وسائل الإعلام. منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، والحركة الصهيونية تحاول السيطرة دوما على مفاصل الإعلام الرئيسية في غالبية دول العالم. تطورت وسائل السيطرة بالتماهي مع التطور في التكنولوجيا والمخترعات الجديدة، لمزيد من إحكام القبضة عليها وتوظيفها بشكل أكثر ديناميكية وأوسع، في خدمة الأهداف الصهيونية وكيانها الإسرائيلي.. فما أن ينطلق موقف إسرائيلي من قضية أو من شخص أو من جهة.. حتى تقوم كل وسائل الإعلام المُسيطر عليها، لتردد الموقف ذاته.
تظل قضية فلسطين القضية المركزية للأمة العربية بأسرها، مهما حاول الصهاينة وأسيادهم من الإمبرياليين الجدد، إلهاء الشعوب العربية عنها، بالمحاولات الحثيثة الجارية لإشعال صراعات جانبية. فالأخيرة تستجيب لمقولة صهيونية قديمة أكّد عليها بن غوريون عند إقامة دولة الكيان في فلسطين، كما وزراء خارجيته موشيه شاريت، غولدا مائير، إيغال ألون وغيرهم. هناك فرق كبير بين إعلام يكشف حقيقة اعداء الأمة، ويتابع أولا بأول صمود ومقاومة أبنائها في مختلف ساحات الصراع ، وبالاخص مقاومة الشعب الفلسطيني، وبين إعلام لا مبال بقضايا أمته ولا يواجه بالطبع إعلام العدو، خاصة أن الأخير يروّج للقتل والعنف، ويعتبرهما مهمتين رئيسيتين له، ولمن يعتبرها (بلده)، ومسوّغا لحملات إبادته الجماعية، وإعداماته الميدانية للفلسطينيين تماما كما قامت حكومته باختلاق ما سمته إحدى وزيراتها، (وثيقة) تعطيه الحق في مواصلة الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، رغم أن وجوده في أرضنا من الأساس، هو وجود غير شرعي وجود احتلالي، اقتلاعي للفلسطينيين، أبارتايدي في النظرة إليهم والتعامل معهم، وجود لقوة سوبر فاشية على أرض عربية، تحمل مشروعا خطيرا لعموم المنطقة العربية. كل ذلك هو مجمل نتاج الفكر الديني اليهودي (المحرّف) صهيونيا في مراحل مختلفة من التاريخ، حيث أصبح نموذجا فريدا لدوغمائية صهيونية، بحيث لم يكتف المشروع الصهيوني بما احتله من الأرض الفلسطينية، وإنما انفتحت شهيته لمزيد من الأرض، اعتمادا على أساطير مؤسسة للكيان (روجيه غارودي، إسرائيل شاحاك، شلومو ساند، نورمان فلنكشتاين، إيلان بابيه، نعوم تشومسكي وغيرهم).
يبقى القول إنه من الوهم والغباء، منع طباعة هذه الجريدة أو تلك في هذه العاصمة أو تلك، وإنزال هذه الفضائية أو تلك عن قمر «عربسات» فقط لمجرد الاختلاف مع وجهات نظرها، بل الأولى أن تُنزل كل فضائيات السخافة والتعري التي تنمو كالفطر في العالم العربي. نعم نحن أصبحنا في عصر التكنولوجيا، فيمكن متابعة المعلومة بألف طريقة وطريقة.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد