يافطة ترحيب إعلامية: سجل أنا ألماني… وإسرائيل دولة إسلامية في «شامستان» !

حسب الساعة الجينية وفصيلة عرقي في فحص الـ «دي أن إيه» فإن جذوري تمتد إلى إقطاعيات التاج الألماني، الذي ينحدر من شجرة أول قياصرة الإمبراطورية الغربية الملك «شارلمان العظيم» أو ما يمكن أن نطلق عليه «شارل أبو بكر» في الخلطة الجينية لتلاقح الأنساب، أقول قولي هذا ونحن نشاهد أفواجا من السوريين يتدفقون عبر بحر إيجه بقوارب مطاطية متجهين نحو الشمال، من اليونان إلى هنغاريا مشيا على الأقدام أو عبر الحافلات والقطارات وصولا إلى ألمانيا، حيث تنتظرهم الجموع التي أضاءت لهم العتمة بالشموع ولافتات الترحيب وأطباق الحلوى والهدايا واللعب.. فهل أحمد الله على عرقي الألماني الدساس؟ أم أطلب الغفران من محمود درويش لأن اللاجئ السوري وسط كل اليافطات الأجنبية لم يعثر على لافتة إرشادية على الحدود العربية تحفظ ماء وجه القصيدة ولو بإمضاء صغير: سجل أنا عربي!

الصورة ضحية القيامة أم أداتها؟

من أين بدأت القيامة التي قلبت كيان أوروبا وقرارات العالم الأول وغيرت المشهد السياسي المتعنت فقفزت عن حواجزه العنصرية وأسلاك قوانينه الشائكة؟
من صورة التقطتها المصورة التركية « نيلوفير ديمير» التي التقتها «وسيلة عولمي» على قناة «الجزيرة»، لتسألها عن سر أشهر صورة في العالم هزت عرش النبلاء البيض، ولم تهز للعرب قصبة، فكيف عثرت الجثة على الكاميرا؟
قالت ديمير إنها كانت مناوبة على شاطئ بودروم في السادسة صباحا لتلتقط صورا لمهاجرين باكستانيين في قوارب تنهال إلى الشاطئ حين رأت كتلة صغيرة بحجم ملاك نائم، اكتشفت أنه جثة، اقتربت منه وهي تصوب العدسة باتجاه صرخته الصامتة، لتغمز عين الكاميرا بدمعة حارقة !
ما الذي كان بإمكان مصورة أن تفعله حين ترى مشهدا كهذا؟ ثم لو لم تكن مهنتها التصوير هل كان سيكون من حقها أن تلتقط الصورة وتنشرها؟ وإن كان للصورة هذا الأثر في قلب المعادلات السياسية وإثارة الرأي العام العالمي، فلم يعتبر البعض أن في نشرها استغلالا أو تداولا غير شرعي يهين قدسية الموتى ويخل بحرمة الموت؟
«ديمير» لم تتوقع هذه الضجة، ولكنها أرادت حسب ما صرحت به في اللقاء، أن توصل للعالم رسالة إنسانية تفتح من خلالها بابا لكل لاجئ وطريقا لرحلة الأمل، غير أن السؤال الأهم لعولمي كان في سر هذه الصورة تحديدا، بينما انتشرت صور كثيرة من قبل لأطفال خرجوا من تحت الأنقاض جثثا متفحمة، ولم تحرك في هذا العالم ساكنا، جاءت صورة إيلان، لتزلزل ضميرا مكمما لم يعتد أن يولي اهتماما لموتانا ولا لملائكتنا الشهيدة، فما الذي تغير يا الله ؟!! (تحذير: السؤال ليس احتجاجا على التعاطف بل استغرابا لمعياريته، مع حفظ حق الملاك السوري بالقيامة) !
المصورة التركية، وقفت حائرة أمام سؤال عولمي، لم تعرف لماذا قامت القيامة واندلعت النار في هشيم راكد، ولكنها أصرت على أن براءة هذا الطفل هي الصورة الحقيقية، وأن الملائكة حين تنام لا تصغي لضوضاء الآلهة… ولن أعتذر عن أي مونتاج صحافي أجريته هنا على مقابلة وسيلة عولمي !

طرقعة أصابع إعلامية

كشفت صورة حنظلة السوري عورتين في عين كاميراتية واحدة، الأولى: أن العين العربية مهما التقطت من جثث لا تثير ما تثيره أية عين كاميراتية أخرى حول العالم! والثانية: أن المصورين والمراسلين الغربيين رافقوا اللاجئين السوريين في رحلة التخييم والمشي على الأقدام والصعود إلى متن القاطرات، حتى وصولهم إلى الأماكن التي أعدت لاستقبالهم أو البيوت التي تطوعت لإيوائهم، وهو ما عاينته بصفتي خلية نائمة في ملكوت «تويتر»، من خلال تغريدات توثيقية وتدوينية لأكبر مراسلي الصحافة الغربية، الذين واكبوا الحدث صورة بصورة وتغريدة بتغريدة، بينما انشغل صحافيونا بمهمتين يتيمتين: استيراد آخر الأخبار من الصحافة والتلفزة الغربية، أو الإنشغال بوصلات ردح بين محمود سعد، الذي ألقى اللوم على الرئيس الأسد في حين برأه إبراهيم عيسى متفننا في استعراض عسكري لجيش الدفاع الإعلامي الذي يقوده، والزبد يخرج من فمه والعرق يتصبب من حمالات بنطاله، أما قارئ فنجان «صدى البلد» أحمد موسى في حديثه مع والد الشهيد دعا اللاجئين لدخول مصر بسلام آمنين، فما كان من والد إيلان سوى أن يرد بصفعة ناعمة: مصر بلد فقير لا يستوعب الفقراء !!
الصحافة الغربية اعترفت في المجمل، أن دولها شريكة في جريمة الحرب السورية، وأجبرتها على دفع الثمن وتسديد فاتورة الدياسبورا السورية، في ذات الحين الذي استهجنت فيه تقاعس دول الخليج عن القيام بهذا الدور، عملا بشريعة: (الأقربون أولى بالمعروف)، ولم تتوان الكثير من الأصوات العربية عن اجترار هذا الاستنكار لينتقل المشهد برمته من شاطئ بودروم التركي إلى شواطئ العراة العرب، ويلعب الإعلام العربي لعبة طرقعة الأصابع بحثا عن حرب بديلة وتمويه استعراضي لعضلات محشوة بالورق و»الشحبار»!

افتقاره دول الخليج لسنة قانونية عربية

لم ينكر عبد الرحمان الراشد في مقالته التي نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» عزلوية الجانب الخليجي وافتقاره لسنة قانونية تلبي متطلبات الظرف العربي الكارثي،لاعتبارات ديمغرافية، واحتياط قانوني بديل يستوعب ضحايا الحروب ليس كلاجئين إنما بعقود عمل وإقامات شرعية لا تتعامل معهم كمشردين بل كموظفين تضمهم كطاقات إيجابية منتجة وعاملة إلى خارطتها السكانية، في ذات الوقت الذي تدفع به مبالغ طائلة لدول أخرى كمصر والأردن ولبنان لتفتح حدودها للاجئين ولا تغلق في وجههم أبواب الرحمة والشفقة، فأين السؤال؟!
لا أدري إلى أي مدى سيذكرك الإعتبار الديمغرافي هذا بما قاله نتنياهو لما اعتذر عن استقبال اللاجئين السوريين؟ ولكن هل هناك حقا من لجأ من السوريين إلى اسرائيل ولم يلجأ إلى الخليج؟
ثم إن كانت بعض الدول العربية تقاضت أجر إيوائها لهم وحين استقبلتهم مارست اضطهادا مضاعفا عليهم و»حملتهم جمايل» هل كانت لتطلق عليهم الرصاص لو لاذوا إليها قبل أن يتم ضخ الأموال الخليجية في أنابيبها البنكية؟ أين ذهبت تلك الأموال؟ لماذا يعيش اللاجئون في تلك الدول الحرمان والفقر والذل ولا ينعمون بهبات الخليج؟!
ثم ما هي المأساة الحقيقة: أن يدفع الخليج ولا يؤوي؟ أم أن تتقاضى الدول العربية الأخرى ثمنا باهظا لإيواء لا يليق بالكلاب الضالة؟

من الذي يطبق الإسلام؟!

مذيع على قناة «الفيحاء» العراقية طلب من العرب أن يستحوا، ويكفوا عن إثارة الشبهات حول المواقف الأوروبية المشرفة من اللاجئين السوريين، وكان يتحدث عن المستشارة الألمانية ميركل كطرزانة إنقاذ من هذا الغاب، ساخرا مما يروجه البعض حول استغلال أوروبا لشبابنا وطاقاتنا، قائلا «عيب عليكم خجلتوا العالم ما تستحون، نصف الشباب في المعتقلات والسجون، والآخر عاطل عن العمل، وما تبقى يعاني من أمية وانحراف وإدمان، فأي استغلال هذا الذي تتحدثون عنه»؟
ولا أدري ما دخل السيسي بحديث المذيع المصري محمد ناصر عن غرق الطفل السوري، حين استعرض دراسة نشرها موقع «مصراوي» تضع إيرلندا في المرتبة الأولى لتطبيق مبادئ الإسلام من حيث احترام حقوق الإنسان والإنجازات الاقتصادية، بينما تأتي السعودية في المرتبة 91 ومصر في المرتبة 128 أما اسرائيل فحازت على المرتبة رقم 27 ، لكنني سأحييه على استنكاره حين تساءل إن كان يمكننا بناء على هذه الدراسة أن نعتبر اسرائيل دولة إسلامية!؟
وائل الأبراشي الذي كان يزعق متهما أوروبا بمأساة سوريا لم يستطع أن يتأمل الوضع بعمق يليق بالحدث والخبرة والمعرفة، كما فعل الكاتب «ريك ليمان» في صحيفة الـ «نيويورك تايمز» حين استشهد بتعليق للحاخام الأكبر في هنغاريا «روبيرت فروليش» على صورة اللاجئين السوريين الذين رافقتهم الشرطة المجرية إلى القطارات وهي تعدهم بحرية تحت الرقابة العسكرية، وتحشدهم في مخيمات جمهورية التشيك بعد ترقيم أياديهم بأرقام تعريفية مع علامات لا يسهل محوها تماما كتلك الأوشام التي استخدمها النازيون في مراكز التخييم التي حشر فيها اللاجئون قبل أن يغادروا في القطارات برفقة العساكر، ليحرقوا في غرف الغاز السام، مؤكدا أنه يسمع أصداء لهولكست أخرى يستعر أوارها في هذا المشهد السوري… فماذا نقول للنجاشية ونحن نقبض على قلوبنا التي بلغت حناجر أقلامنا خوفا من مؤامرة ترانسفير متخفية بقناع خازنة الجنة؟
لن أنحاز للنتيجة الجينية في أول هذه المقالة، احتراما لسؤال وسيلة عولمي عن سر الصورة، ولكنني سأكتفي ببناء سفينة نوح الورقية قبالة نهر بردى… وأشرب قهوة الشهداء مع الله في جبل قاسيون، لأن فلسطين مقاطعة موعودة في إقليم «شامستان» !

كاتبة وشاعرة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية