الحبّ تجربة إنسانيّة كونيّة مفتوحة لم يكن السّبق فيها لأيّ شعب من الشعوب، ولا لثقافة دون ثقافة؛ ولا للعرب الذين يمتلكون تراثا في الحبّ قلّ نظيره، ولن نكون لا نحن ولا الآخرون حلقة الاختتام. وإنّما يتبوّأ الناس في هذه التجربة التي يكاد الناس عندنا ينسونها، منزلة لا يفضلون بها منازل غيرهم، ولا هم في ذلك أدنى منهم. على أنّ ذلك لا يبخس ثقافتنا في الوقت نفسه حقّ التفرّد ببعض الميزات التي تجعل رؤية الحبّ مخصوصة بخصائص حضاريّة، أو هي مطبوعة بطبائع البيئة. ولا بدّ لنا ونحن نوطّئُ السبيل لأمر هذه التجربة أن نبيّن أنّنا لا نقوم بذلك تحت وطأة هذه العقدة باعتبارنا اليوم «يتامى العولمة» كما كتب محمود درويش. إنّما نسوق هذا الرأي استئنافا لمجهود ما انفكّ بعض الكتّاب والمفكّرين العرب يبذلونه سعيا إلى بيان منزلة الحبّ في ثقافة العرب من الخطاب الغراميّ الكونيّ.
صحيح أنْ لا أحد من باحثينا قام بكتابة تاريخ عامّ لتجربة الحبّ عند العرب، بيْد أنّ هذا التقصير لا يحول بالضّرورة دون ترسّم ملامح هذه التّجربة لا في المدوّنة التراثيّة فحسب، وإنّما في آدابنا الحديثة منذ نشأتها في مصر وبلاد الشام؛ أي منذ ظهور المدارس المهنيّة التي أنشأها محمّد علي، والبعثات العلميّة التي أرسلها إلى أوروبا، وخاصّة مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها رفاعة رافع الطهطاوي، وكان لخرّيجيها فضل كبير في ترجمة حوالي ألفي كتاب إلى العربيّة والتركيّة. ونتمثّل بمحمّد عثمان جلال(1829ـ 1898) الذي نقل إلى العربيّة مؤلّفات فرنسيّة شهيرة مثل «بول وفرجيني» و«خرافات لافونتين» وبعض ملاهي موليير. ولا ننسى سوريا ولبنان حيث كانت حركة التجديد أسرع، وخاصّة في الأوساط المسيحيّة؛ وما شاب تلك الحقبة من سجال بين أقطاب المحافظة ودعاة التجديد.
فقد كان لكلّ هذا أثر في موضوع الحبّ في ثقافة العرب المعاصرين وتنوّعه. على أنّه قد يقع في الظنّ أنّ مثل هذه المعالجة قد تكون ذات نفس رومنطيقيّ، أو أبعاد وجدانيّة روحيّة؛ تتمثّل معاناة الحبّ وخلجات النّفس؛ أوهي ذات منحى حسيّ أو جنسيّ. غير أنّ مثل هذا التّناول إذا ما رام التّقصّي عن ماهية الحبّ، أظفر بها أم لم يظفر، أو إذا ما رام ترسّم أبعاده وتأوّل مضامينه؛ قد لا يكون بميسوره إلاّ أن يكون جافّا خلوا من طراوة التّجربة العاطفيّة أو الوجدانيّة أي تلك التي تزخر بها نصوص الحبّ.
ومع أنّنا تعلّمنا أن نأخذ بلغة «مفهوميّة»، من المفهوم، قد تكون صارمة؛ فإنّ من حقّ أيّ منّا أن يتحرّر من وزر الصّياغة، كلّما تعلّق الأمر بموضوع كهذا، مثلما له أن يترسّم مفكّرين وفلاسفة؛ لم يليّن موضوع تفكيرهم (الحبّ) من صرامة المفهوم عندهم، ولا هو أسبغ عليه من طراوته إلاّ في ما قلّ وندر. ولنا أكثر من مثال من جماليّات هيغل وهي تتقصّى عن العلاقة بين الحبّ والفنّ، في أكثر من موقع من فصولها، أو ممّا كتبه جيل دولوز عن الرّغبة في أوديب المضادّ، أو حتّى لدى أفلاطون في «المأدبة»؛ وإن كنّا لا نطاول هؤلاء ولا نحن نجاذبهم مكانتهم.
إنّ في الآداب العربيّة الحديثة ما يغري حقّا، بعقد دراسة تتولّى رصد التّحوّلات التي تطرأ على التّجربة الغراميّة في انتقالها من مستوى المعيش الحيّ، إلى مستوى الكتابة الفنّيّة التي تتمثّل هذا المعيش العاطفيّ شعرا أو نثرا، فإلى مستوى التّأصيل النّظريّ سواء لتجربة الحبّ نفسها مباشرة أو لكيفيّة استحضارها في فنّ من الفنون. بل إنّ هذا ليغري بمحاولة رصد الإسهام الإنشائيّ لتجربة الحبّ في أنشطة معرفيّة مختلفة سواء أكانت من جهة التّعبير الفنّيّ أو من جهة القول النّظريّ؛ إذ ليس الحبّ مجرّد موضوع من موضوعات المعرفة أو غرضا من أغراض الأدب الفنّ؛ وإنّما هو آليّة من آليّات الكتابة الإبداعيّة أو النّظريّة، تشهد بذلك نصوص ومدوّنات كثيرة تنتسب إلى تاريخ الأدب وإلى تاريخ الفلسفة؛ وقد يكون من الطّريف أن نستحضر في هذا السّياق المركّب الأتيمولوجيّ لمقولة الفلسفة (= حبّ الحكمة)، وإن كان مقصدنا من هذا الرأي حكمة الحبّ.
تستدعي هذه الحكمة المنشودة في خضمّ هذا الصراع الدامي الذي قد يكون من أهدافه «فلسطنةَ» البلاد العربيّة؛ أن نتنكّب الطرق المعهودة في مقاربة الحبّ، أي تلك التي تصله بالدين وقيمه أو بالمنزلة التي «حازتها» المرأة في حقبة ما من تاريخ العرب.
ولذلك يكون من المفيد أن نستأنس بمختلف دلالات مقولة الحبّ ومستويات تدبّرها جماليّا أو معرفيّا. بيْد أنّه لا مناص من القول إنّ الكتابة في الحبّ تنطوي على قَدْرٍ هائل من اللَّبْسِ، هو عينه القدر الذي تنطوي عليه القراءة في الحبّ. وهو لبس مأتاه التّعميم الذي قد يشوب مفردة الحبّ حيث تُحمل في معنى عامّ على دلالة مطلق الرّغبة في هذا الشّيء أو ذاك، أو على دلالة المحبّة بما هي توادد بين البشر.
على أنّ ذلك لا يلغي الحاجة إلى النّظر في مفهوم الحبّ والتّحقيق في دلالته وماهيته. وسؤال الماهية شائك من شأنه أن يعطّل البحث بدل تيسيره؛ إذ قد يكون ميتافيزيقيّا بالأساس. وهذا أفق ربّما ألممنا به في خطف كالنبض، وهو ليس أكثر من عتبة نحو فضاء آخر. فإذا تساءلنا: ما هو الحبّ؟ فإنّنا مستجلبون لا محالة مقولات أخرى نظير الرّغبة والحاجة والمتعة وغير ذلك من المقولات والمفردات التي من شأنها أن تنتسب إلى دائرة الممارسة الغراميّة أو دائرة عاطفة الحبّ عموما. لكنّ ذلك لا يمكنه أن يحدّ الحبَّ حدّا كلّيا صارما. ولذلك يكون من الأجدر أن نتساءل: كيف يتجلّى الحبّ في هذا المجتمع أو ذاك؟ أو في هذا الفنّ أو ذاك؟ أو في غير ذلك من المجالات؟
على أنّ مثل هذه الأسئلة تقتضي زادا فكريّا واسعا؛ وتستدعي معرفة عميقة لا بالمدوّنة الأدبيّة الحديثة فحسب وإنّما بما يُنشر في مواقع الاتصال الاجتماعي؛ وقد صار لبعضها من السطوة ما قد ينسخ تأثير الأدب المنشور، ويفضي إلى تصوّر جديد لوظيفة الكاتب، ومزج العناصر المختلفة، ومحو أثر الفوارق بين الجنسين، و«يعقّد» هذه العلاقة الملتبسة في ثقافتنا بين الحبّ والصداقة. بل إنّ مثل هذا الأفق قد يرسي مباحث جماليّة تنظر في خبرة الحبّ من جهة تكوّنها على صعيد الواقع والافتراض معا، ومن جهة تخييلها في بعض أنماط الكتابة الإبداعيّة؛ أي الشعر وفنّ السرد. نقول هذا بالرغم من أنّ خبرة الحبّ تظلّ في أصلها ـ على شيوعها ـ خبرة فرديّة؛ فمثلما يبدع أيّ منّا وحده، ويموت وحده، فأنّه يحبّ وحده.
ولكنّ هذه «العموميّة» راجعة إلى مقتضيات الخطاب الفنّيّ الذي يقدّمها، أي هي راجعة إلى قواعد لعبة الكتابة الغراميّة. وقد لا يتعلّق الأمر في هذا السياق بالمعيش الغراميّ الخبريّ لدى الأفراد وإنّما يتعلّق بجماليّة الحبّ ضمن ضرب من ضروب الكتابة. ونحن اليوم نسائل صاحب النصّ؛ مثلما نسائل النص الماثل للعيان. وهو نصّ يضعنا إزاء رؤية من رؤى العالم؛ لعلّها «دينيّة» أو «ميتافيزيقيّة» في جانب منها، أو «اجتماعيّة» أو «نفسيّة» في جانب آخر، أو «شعريّة» في جانبها الأغنى؛ بل سياسيّة. بل يمكن اليوم أن تؤخذ هذه الكتابات والصور والفيديوهات، من حيث هي «وثيقة» أو تاريخ حياة وعصر وجيل، أو حتى تاريخ حالة أو اعتراف؛ مثلما تؤخذ من حيث هي شكل فنّي ينضوي إلى القول الشعري بالمعنى الواسع للكلمة، دون أن يسوق ذلك إلى القول إنّ صلتها بالحياة منقطعة أو تكاد، أو هي مفصولة عن المجتمع أو الإيديولوجيا.
وهذا أدب حبّ أو حكمة حبّ، والأدب يظلّ ـ مهما يكن الموقف منه ـ تخيّرا نوعيّا من الحياة، على قدر ما يظلّ عملا تخييليّا؛ الأمر الذي يسوّغ قولهم «واقعيّة العمل التخييلي»؛ كلّما أذكى الكاتب الإيهام بالواقع، وكان لذلك أثره في القارئ؛ حتى لَيبدوَ التخييل أقلّ غرابة من الحقيقة وأكثر تمثيلا. والتمييز لا يقوم في الأدب بين واقع الحبّ وتخييله، وإنّما بين مفاهيم عن الواقع مختلفة، وطرائق من التخييل متنوّعة. والكاتب المتمكّن يملك هذا العالم الذي يفيض عن عالم الحياة، أو هو يداخله من أكثر من جهة من جهاته. ومن هذا المنظور، نقرّر أنّ التداخل في هذه الآداب «الفايسبوكيّة» خاصّة؛ ليس تداخلا بالمطابقة، إذ ليس ثمّة مشابهة أو مماثلة، وإنّما مجاورة أو إرداف؛ كلّما عدل الكاتب استعاريّا من «عقدة» إلى جوّ أو إطار عامّ، ومن شخصيّات إلى إقامة في المكان وفي الزمان.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي