ينبغي التّفكير أكثر من المُفكّر فيه

 تفسّر محاولات المصالحة بين الشريعة والفلسفة والوحي والعقل، والنقل والرأي في البيئة الثقافية العربية الإسلامية السّعي الدّائب منذ بداية التئام عناصر الثقافة العربية الإسلامية إلى تحقيق التطابق بين العلم والعمل بالعلم، وإلى تثبيت التماثل بين مطالب الفكر وقواعد السلوك من جهة أن العقل والعلم والفضيلة خصال عملية أكثر منها صفات نظرية. 
وإذ كانت غاية التفلسف تتحدّد في السعي لاكتشاف الحقيقة، والسّبل الكفيلة بتحقيق الوحدة الكليّة للإنسان في الوجود باعتباره علّة فاعلة فيه وغاية نهائيّة له بما يحقّق له قدراً من السعادة باعتبارها الهدف الأسمى للوجود الإنساني بأسره فإنّ الفلسفة بوصفها مفاهيم وأحكاماً، وتصوّرات ذهنيّة عن الوجود والعالم، والظواهر والأشياء الموجودة فيهما تشكل أساساً مهمّاً للمعرفة العقليّة للإنسان في البيئة الحضاريّة المتعينة التي يشتغل ضمنها الفيلسوف في كشف الحقائق المُحتجبة عن الظهور وإخراجها للناس بهدف الإفادة منها في صياغة أفكارهم ووعيهم بواقعهم وعالمهم على نحو أفضل.
وبهذا ينفرد الفيلسوف بلعب دور أكثر فاعليّة من غيره في تشخيصه للواقع وتقديم أفضل الحلول الملائمة للمشكلات الحضاريّة التي تحدّ من تقدّم المجتمعات، والتي من شأنها تعطيل حركيتها المستمرّة بشكل دائم وتعطيب نسق نموّها وازدهارها.
الأمر الذي يجعل الحديث عن الفلسفة حديثاً عن العقل بما هو واحد من المداخل المؤدية إلى التفكير الفلسفي من جهة، ولأنّ ممارسة فعل التفكير والتفكّر فلسفياً هو ذاته من بعيد أو من قريب ممارسة عقليّة نقديّة حرّة.

كأنّ الفلسفة تشير بذلك إلى جوهرها الأصيل ألا وهو النقد والنفي والتفنيد والنقض والإبداع والتجاوز، والتمرّد الدّائم الذي تتميّز به من حيث مناهجها ومن حيث قضاياها، ومن جهة مصادرها، ومعاييرها في الحكم والتقويم ـ فلا نشعر مع الفلسفة براحة الاستقرار ولا نحسّ سعادة نقطة الوصول ما دام الوعي الفلسفي في إقبال وإدبار متواصلين ـ وكيف لا يكون ذلك كذلك والبحث عن الحقيقة هو القاسم المشترك في جميع أدوارها والجامع في كلّ أنساقها.
وهو فهم عبرت عنه الفلسفة الإسلامية أحسن تعبير بما تميزت به من خصائص وما ارتبط بها من أصالة وابتكار إذا ما تتبعناها في أوسع مجالاتها في ما قال به المشاؤون العرب وفي ما أنتجته المدارس الكلاميّة والصوفيّة.
وفي هذا السياق يهتم الفارابي بدراسة الفلسفة الأخلاقية من جهة وضعها قواعد السلوك المؤدي إلى تحصيل السعادة، فكلّ إنسان إنّما يطلب السعادة لأنها كمال من الكمالات، وهي كمالات بمثابة غايات يطمح الإنسان إلى تحقيقها ويُؤثرها على غيرها، ولمّا كانت السعادة من بين الغايات أعظمها قدراً وإنها إذا تحققت للإنسان لم يحتج لغاية أخرى غيرها تبيّن لنا أنّها إنّما تُطلب لذاتها وأنّها مُكتفية بذاتها من جهة أنّها الخير الأقصى للإنسان وأكمل الخيرات التي يُفضّلها على غيرها.
ولكن الخطاب الفلسفي حول المدينة – الدولة بمختلف نماذجه ظلّ مُنحكمًا من جهة المنحى الغالب على طروحاته السياسية وما تضمّنه من قول اجتماعي بمرجعية الفلسفة الأفلاطونية المُحدثة وتشريعات أفلاطون السياسية وسيادة سلطتها العلمية في البيئة الثقافية العربية الإسلامية .
وما انحكم به الفكر السياسي عصر ذاك نظراً وعملاً من ارتباط الممارسة السياسية بالمنظومة القيمية والأخلاقية التي تُميّز بين الخير والشر والحق والباطل، وضمن فهم لا يلغي إمكان التعدّد، واختلاف الوجوه وتفاوت المراتب من داخل أنموذج الخطاب الفلسفي الذي انحكم بنظام صارم وبحكمة مُبكّتة لأنّ سلّم درجاته موصول تنظيمياً بأنماط السلوك وبمراتب قوى النفس، وبخصائص ملكات العقل.
يتّضح حينئذ أن طبيعة الفكر الفلسفي موصولة وصلاً صميماً بأنماط السلوك وبوجوه التفكّر والتعقّل بحثاً عن الحكم الصائب والسلوك القويم، والعلم النافع والحكمة العملية تدبيراً للمدينة وطلباً لاستقامة الدولة والمجتمع، وتثبيتاً لمنزلة التفكير الفلسفي داخل المجتمعات، وهو فهم تطلّب تعدّد مسالك البحث ومساعي استحصال الحقيقة ومنحاها منهجاً وفهماً وتبصّراً واستدلالاً بضرب من الفهم المُجدي والفعّال والمخصّب معنويّاً وماديّاً. فإذا كان ذلك كذلك وجب علينا البحث في أنشطة العقل الفلسفي الإسلامي الافتراضية منها والبرهانية والاستدلالية والحجاجية، أي التعرّف على آليّات تكوين الفهم وقواعد المنهج وأدوات الأداء وأنظمة الخطاب ومحدّدات الإنجاز العلمي النظرية والعملية طلباً للعلم وسعياً للعمل به في عصرنا هذا الذي نحتاج فيه كثيراً إلى مثل هذه الاستمدادات العقلية والمنهجية تقويماً لحاضرنا وبحثاً في استعادة الدور الحضاري المُنجز تاريخياً ووثائقيّاً دفعاً بالمشترك الانساني العام نظرياً وعملياً.
كاتب تونسي

ينبغي التّفكير أكثر من المُفكّر فيه

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية