بين 8 آذار اليوم العالمي للمرأة و21 منه، عيد الأم، مساحة ربيعية فاصلة تمتد إلى ما قبل وما بعد التاريخين، لتلقي بوجهها على وضع المرأة العربية وتضحياتها الهائلة على مدار التاريخ، ومعاركها المستديمة منذ زمن قاسم أمين ومرقص فهمي، سعد غلول، هدى شعراوي.. وغيرهم.
لكن ذلك لم يؤد إلا إلى تغيير بسيط في معادلة «المرأة والرجل في المجتمع»، حتى اللحظة. المرأة إنسانة مجبولة على العطاء والفداء والتضحية وعلى كل المعاني والمضامين الجميلة الأخرى، ابتداء من الصغر ووصولاً لأواخر عمرها. زمن طويل مضى على يوم الثامن من آذار عام 1909 حين سارت مظاهرة نسائية حاشدة في شوارع نيويورك، للانتفاض على الظلم والفساد والديكتاتورية، والاحتجاج على عدم المساواة الاجتماعية، وإطارات التحرك ضمن دائرة ضيقة، فرضتها الأيديولوجيات الناشئة في تلك الحقبة. وكذلك للمطالبة بزيادة الأجور والحق في التصويت. اعتراف الأمم المتحدة عام 1975، بيوم المرأة العالمي، هو إقرار بقضايا الظلم التي تعانيها المرأة على الصعيد الدولي. ورغم أن الجهود التي ما زالت تُبذل لتحقيق المساواة بين الجنسين وتأمين حقوق المرأة، إلا أن صورة المرأة المعنّفة والمضطّهدة، لا تزال ترافق شريحة كبيرة من نساء العالم. وأشارت إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن 39 ألف فتاة تحت سن الـ18 تتزوج يومياً حول العالم، أي ما يعادل زواج قاصرة كل ثانيتين. كما أن امرأة من بين 3 نساء حول العالم تتعرض للعنف الجسدي أو الجنسي في حياتها.
تاريخياً، عانت المرأة العربية بشكل أقسى من الرجل في مجتمعاتها، فهي تعاني بالمعنى الوطني (بالطبع لأن الاضطهاد الممارس على عموم الشعب بالضرورة ينطبق على المرأة) وتعيش اضطهاداً مركباً اقتصاديا ـ سياسيا ـ اجتماعيا، إن بالنظرة الدونية إليها في المجتمعات العربية، أو في المعاناة من ظلم الزوج، وهو يتصور ذاته الحاكم بأمره (سي السيد) والمرأة ليست أكثر من آلة للقيام بمهام ولادة أطفاله (خاصة الذكور، مع الامتعاض من ولادة البنات، فلا تُقبل التهاني والحالة هذه بالمولودة،لأنها أنثى). المرأة خُلقت للخدمة في البيت، بدون مساعدة إلاّ من بناتها المكلفات أيضاً بذات المهمة، لذا فإن وضع المرأة العربية بحاجة إلى الكثير من الإنجازات على صعيد الحقوق الاجتماعية كطريق أساسي لنيل الحقوق الأخرى.
رغم كل ظروفها، خاضت المرأة العربية إلى جانب الرجل معارك التحرر الوطني على كافة الأصعدة المعنية، خاصة، من أجل حرية واستقلال الوطن، وإنجاز كافة المهام الوطنية، والوطنية الديمقراطية. حملت السلاح إلى جانب الرجل، وقاومت وما تزال تقاوم المحتلين، ولعل التجربتين الأبرز في هذا المجال: ما خاضته المرأة العربية في الثورة الجزائرية، وما خاضته وتخوضه حتى اللحظة في الساحة الفلسطينية.
صحيح أنه وبالمعنى النسبي استطاعت المرأة، إنجاز بعض الحقوق في أكثر من ساحة عربية، ووصلت إلى مستوى منصبي (قليل التعداد) ومتقدم نسبيا، غير أنه من الصحيح القول أيضاً، إن عدد هؤلاء الرائدات لا يتناسب وحجم المرأة العددي في مجتمعاتها. وكذلك من الصحيح القول، إن الأميّة ما تزال متفشية بين صفوف المرأة في الكثير من المجتمعات العربية، بسبب النظرة الدونية لها. كذلك الفوارق بين وضع المرأة في المدن ووضعها في القرى والأرياف. ففي الأخيرة لا زالت المرأة العربية تعيش ظروفاً غاية في القسوة. جدير ذكره أن الكثير من التشريعات والقوانين والدساتير العربية، ما زالت في أوضاع متأخرة عن إعطاء المرأة كافة حقوقها. للأسف، فإن الكثير من الرجال (حتى في الأحزاب التقدمية واليسارية العربية)، ممن يحملون شعارات أيديولوجية نظرية متقدمة في المناداة بحرية المرأة، هم من أكبر ظالميها على كافة الأصعدة: البيت، العمل، الحزب السياسي وغيرها من المجالات، فالتنظير حتى من قبل غالبية المثقفين والسياسيين، يكون للأخريات وليس لنسائهم! إن من أبشع التوصيفات في محاولة مدح المرأة، تشبيهها بالرجل! وكأن الأخيرين هم النماذج المطلوبة، التي يجري تفصيلها بمسطرة الإنسانية! التشبيه فيه إهانة كبيرة لجنس المرأة، ذلك أن الكثير من الرجال سفاحون، قتلة، ديكتاتوريون وقمعيون، لا يستحقون أي وصف إنساني لهم غير السلبي من السمات الخُلقية! فهل هؤلاء هم النموذج في عرف من يريدون مدح المرأة من خلال تشبيهها بالرجل؟
أحد مقاييس تقدم المجتمعات هو، الموقف من المرأة. المرأة ما زالت تُضرب جسديا في مجتمعاتنا، تُهان، تُعامل وكأنها قطعة أثاث. يجري إجبار بعضهن على الذهاب لخطبة الفتاة… مشروع الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة للزوج. اضطهاد ما زلنا نراه في العديد من المجتمعات العربية في القرن الواحد والعشرين. وبعيدا عن الخوض التاريخي في معرفة «حقوق المرأة»، لكن يمكن التطرق إلى العنف الممارس ضد المرأة هبوطا في حقوقها وصولا إلى الانهيار السحيق! وصعودا فيما في بعد وفقا للعملية الاقتصادية التاريخية، المرأة كان لها السلطة العليا في المجتمع المشاعي البدائي، أخذت حقوقها في التآكل تبعا لتطور المجتمات وصلب محرك علاقاتها الاقتصادية… مع أنه كان المفترض حدوث العكس تماما! لكن الاستغلال الاقتصادي طال الرجل والمرأة تدرّجا ووصولا إلى مرحلة، حيث المتحكم فيها رأس المال بكل استغلاله وجشعه، مع انتباه لبعض حقوق المرأة. الأخيرة حوكمت في ما بعد من زاوية الاعتقاد النظري الأيديولوجي فقط في إطار من ضحالة التصور لطبيعة دور المرأة المجتمعي. لقد اختلفت نظرة الشعوب إلى المرأة وفقا لعوامل كثيرة (لا مجال للتطرق إليها في مقالة صحافية). إن الانتباه لحقوق المرأة بدأ حتى من آلاف السنوات قبل الميلاد: شريعة «أورنامو»، شريعة «أشنونا» في بلاد الرافدين، ثم 22 قانونا من 282 قانونا، هي مجمل شريعة حمورابي.
بالمعنى النظري، وصلت التشريعات في الكثير من الدول إلى مستويات متقدمة، خاصة تشريعات الأمم المتحدة (ميثاق الأمم المتحدة: المساواة بين الجنسين، إعلان مؤتمر المكسيك عام 1975، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، إعلان مؤتمر نيروبي عام 1985، إعلان الأمم المتحدة عام 2000 حول تعزيز المساواة بين الجنسين، إعلان عام 2010 حول تمكين المرأة ، إعلان عام 2011: القضاء على العنف ضد المرأة… وغيرها). إن بعض الممارسات التي يجري تصويرها ضمن حدود «حرية المرأة»، هي في حقيقة الأمر تحمل في مضامينها طابع الاضطهاد، كاعتباره المرأة سلعة من خلال استدراجها لتكون أداة ترويجية! إضافة إلى الكثير من الممارسات الأخرى الشبيهة. نحن لا نعتبر مثل هذه الأشكال الملغومة الخاوية المضامين، حرية للمرأة، إنها في حقيقتها اضطهاد مغلف بالسوليفان لها.
بالنسبة للمقالة المهمة للأديبة المبدعة غادة السمان عن المرأة («القدس العربي»4 مارس الحالي) فهي تجمع بين البوح، المعاناة ودقة التوصيف. المقالة تعكس حقيقة وضع المرأة على صعيد عالمين: غربي متقدم وشرقي متأخر(إن جاز التعبير)! وفي الحالتين يسود «النفاق» المجتمعي فيما يتعلق بالنظرة إلى المرأة. هذا الذي اصبح سمة رئيسية ومظهرا كريها بارزا من مظاهر العصر ومستلزماته! إضافة إلى الكثير من الظواهر المرضية الشبيهة الأخرى. أُكبر في السيدة غادة السمان تفضيلها نجاح المرشح الامريكي، الاقل ضررا للقضية الفلسطينية، وما يعكسه ذلك من انتماء عروبي اصيل تجاه قضية مركزية للجماهير العربية.
في الوقت الذي تتوجب فيه التحية للمرأة العربية بشكل عام، يتوجب تخصيص المرأة الفلسطينية. هذه التي تشارك معركة شعبها الوطنية التحررية، والمعارك الأخرى في ظروف الاحتلال الفاشي البغيض. لم تستكن المرأة الفلسطينية في أي محطة من محطاتها لتكون في منتصف الدائرة، وخضمّ الصورة في كل مراحل شعبها التحررية، ولم تقبل بأقل من أن تكون شريكاً رئيسياً في النضال ومواجهة الاحتلال، إلى درجة تحمّل مجازره وكل تبعات احتلاله (فدوى أبو طير شهيدة يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار قبل يومين) وتحمل تعذيب الاحتلال وقمعه. قدّمت المرأة الفلسطينية على مدار الثورة العديد من النماذج المشرقة، التي كانت منارات نضالية وثورية، ليس على الصعيدين المحلي والعربي فحسب، بل على النطاق الإقليمي والآخر العالمي. ورغم أن مجتمعنا لا ينصف المرأة عموماً، الا أن للمرأة المقاومة مكانة خاصة تكسرُ كل حواجز التمييز ضدها، وتدفع المجتمع لإبداء احترام خاص لتضحياتها ودورها النضالي. هذا هو الوجه المشرق لنضال نسائنا الفلسطينيات. هذه هي الصورة النضالية المكمّلة لمقاومة شعب مكافح أصيل. المرأة في ساحتنا الفلسطينية ليست جديدة ولا تابعة، بل هي شريك أساسي في الماضي والحاضر والمستقبل، والأكيد أن المرأة الفلسطينية، وفي كل محطات النضال الوطني التحرري لمقاومة شعبنا ومعاركه المصيرية لنيل حقوقه، ستظل رقماً صعبا لا يمكن لأي كان تجاوزه. كانت دماء الشهيدات زيتاً ووقوداً أشعل الانتفاضات الفلسطينية وما تزال. في عتمة السجون، تسطعُ الأسيرات الفلسطينيات ألقا وصموداً ومقاومة، فنبع العطاء الفلسطيني لا ينضب ولا يمكنه أن يجف. ننحني إجلالا لنضالات المرأة الفلسطينية في الكفاح ضد هذا العدو المابعد فاشي… وكل التحية للمرأة العربية أيضا وللمرأة عموما. المرأة تختزل الأزل، مجبولة بعبق الوطن ومعانيه الروحية.. المرأة عطاء، تاريخا حاضرا ومستقبلا.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد