استعادة لثقافة الوصول إلى الفئات المهمشة

حجم الخط
0

رام الله – «القدس العربي»: بعيد إنطلاق الإنتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987، أغلقت دور السينما، أو أحرقت، وكان ذلك ظلما كبيرا عانى منه السينمائيون الفلسطينيون، ففلسطين كانت تعج بدور السينما، وكان لا بد من التفكير في شيء جديد يغطي حالة الفراغ السينمائي الحاصل في البلد، فأتت فكرة «السينما الجوالة» التي أطلقها المخرج الفلسطيني يوسف الديك.
كيف نبدأ من جديد؟ هو السؤال الذي أرق المخرج الفلسطيني، لابتكار هذه الفكرة، فاستعادة ثقافة بأكملها تحتاج آلاف العروض السينمائية، ولجهد أسطوري، كما تحتاج أيضاً لمستثمر محلي حتى نستطيع استعادة ما فقد، سواء من ناحية إنتاج الأفلام السينمائية أو إعادة الجمهور لدور العرض.
ويقول الديك «فلسفتنا كانت بالذهاب إلى الناس، وليس العكس، وبأن تكون العروض مدعومة من حيث التكلفة فقط، كان تكون مجانية للجميع، وأكثر ما يهمنا هو الوصول للفئات المهمشة من الجمهور مثل «البدو» حيث تم تقديم 15 عرضاً في مناطقهم من شمال الضفة الغربية حتى جنوبها، كما وكانت الكثير من العروض مخصصة لمخيمات اللاجئين تزامنا مع ذكريات أليمة تمر علينا مثل النكبة والنكسة».
الأفلام التي تعرض ليست بعيدة عن ثقافتنا، يحدثنا الديك، فانطلاقة السينما الجوالة كانت تعبر عن الإنتماء والثقافة والعلاقة التاريخية بقضيتنا وهويتنا كفلسطينيين، حتى أننا نعتقد بأننا نحمل فكرا مقاوما عندما نصل إلى جميع فئات الشعب في كل أماكن تواجده، خاصة عند نقاط التماس مع الإحتلال الإسرائيلي، حيث يتم حرمان شرائح واسعة من المجتمع من مشاهدة فيلم، والإستمتاع بالسينما.
مجانية العروض السينمائية، تأتي لجذب أكبر عدد ممكن من المواطنين الفلسطينيين، خاصة في مناطق الأرياف، في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها نسبة كبيرة من الأسر الفلسطينية، حيث يتراوح جمهورنا بين 150 إلى 300 شخص في بعض الأماكن للعرض الواحد و40 إلى 60 امرأة للعروض المخصصة للنساء.
الهدف الرئيسي لمشروع «السينما الجوالة» يكمن في إرساء «ثقافة سينمائية» لدى الجمهور الفلسطيني، لأن هذا النوع من الفن يشكل أحد أهم مقومات المواجهة ضد الإحتلال وسياساته التعسفية بحق المواطن الفلسطيني، وبعدم وجود هذه الثقافة أصبحت لدينا «أمية سينمائية» وفقرا شبه مطلق بمسلمات وتفاصيل هذا النوع من الفن.
المخرج يوسف الديك يرى بأن المشروع يسعى أيضاً إلى استخدام السينما كأداة جدية للتغيير في الواقع الفلسطيني، وتحديداً في إيجاد مساحة للفرح والتفريغ النفسي «لأطفال فلسطين» من خلال تقديم عروض سينمائية ذات مفاهيم تربوية جدية في مواجهة ما يتعرضون له يومياً على أيدي الإحتلال الإسرائيلي، إلى جانب التأكيد على الهوية الوطنية، وتقديم نماذج من أفلام المقاومة العالمية ضد الإستعمار.
ما يستخدمه فريق السينما الجوالة هو شاشة بيضاء بعرض مترين ونصف المتر، تعرض عليها أفلام 16 ملم ما يمكنهم من حملها بسهولة في سياراتهم أثناء تنقلهم بين المدن والقرى الفلسطينية، ومعظمها أفلام فلسطينية وحركات تحرر، أو ذات صلة بالثقافة الفلسطينية.
أكثر المشاكل التي تواجه هذه السينما تتمثل بوجود الحد الأدنى من المعدات لتقديم العروض، وصعوبة الحصول على أفلام سينمائية من المنتجين» العرب والأجانب بسبب أسعارها الباهظة، كما أن هناك شبه إنعدام للرعاية المحلية من القطاع الخاص لدعم الفكرة وإستثمارها إعلانيا، إلى جانب صعوبة التنقل بسبب الحواجز الإسرائيلية.
رسمياً في الضفة الغربية، لا لدار عرض سينمائي واحدة تتمثل في مسرح وسينما «القصبة» بينما في غزة لا وجود لدور سينما بالمطلق، ما يزيد أهمية فكرة السينما الجوالة التي ينفذها المخرج الديك في فلسطين.
بعد عودة الديك من مهرجان تورينتو للسينما، قال ان أكثر المناظر التي أحزنته وأفرحته في الوقت ذاته هو رؤية «طابور» من الناس يصل عددهم إلى 500 شخص يصطفون تحت المطر، لحجز بطاقاتهم، في إنتــظــار دخـــول السينما ومشاهدة العرض القادم، وهــو منـــظر فُقد في فلسطين منذ زمن.
أما عن المخرج يوسف الديك فهو من مواليد كفر نعمة في محافظة رام الله، ودرس الإخراج في الأردن والإنتاج والإخراج ضمن مؤسسة «الفينيق للثقافة والفنون»، وأخرج فيلمين روائيين «حالة» و»كفى»، وأعد عدداً كبيراً من الأفلام. الوثائقية والبرامج التلفزيونية.

فادي أبو سعدى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية