الفلسطينيون تفرقهم السياسة وتجمعهم الآلام

حجم الخط
2

غزة – «القدس العربي»: لم يكن أحد يتوقع أن تكون ذكرى استشهاد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مكانا لاشتعال جديد في فتيل أزمة الخلافات الداخلية بين حركتي فتح وحماس، خاصة وأن هذا الرجل الذي يعتبر «رمزا للوحدة الوطنية» لا يختلف عليه الفلسطينيون. وكانت العلاقة المتوترة بين الطرفين في طريقها لإيجاد حل يوقف مسلسل التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات ويبحث أكثر في ملفات الخلاف المؤجلة وذلك على هامش احتفالات فتح بذكرى عرفات. لكن تلك العلاقات ربما تدخل في نفق معتم يأتي على مستقبل المصالحة الفلسطينية المضطربة، بسبب التفجيرات التي طالت منازل قادة الصف الأول في فتح بقطاع غزة، بعد أن حملت حركة حماس مسؤولية ذلك.
شكل العلاقة المستقبلية للمصالحة الفلسطينية المتأرجحة، التي تقف فوق كومة من البارود، قد يشعل فتيله في أي لحظة، لا أحد يعرف إلى أين ستؤول أمورها في الأيام المقبلة، فبخلاف الاتفاق على حكومة توافق شكلية (لا تدير قطاع غزة)، لم تتمكن حركتا فتح وحماس من إيجاد حل لملفات المصالحة الأخرى، فمثلا لم يتم الاتفاق على عقد جلسة لتفعيل المؤسسة التشريعية المعطلة منذ سبع سنوات، ولم بتم تحديد موعد لإجراء الانتخابات العامة (الرئاسية والتشريعية)، ولم ينته الطرفان من توحيد المؤسسات ولا من ملف الحريات العامة.
ما كان مأمولا بحسب ما ورد «القدس العربي» من معلومات عبر مصادر واسعة الاطلاع على ملف المصالحة الداخلية أن يبحث وفد رفيع من حركة فتح كان سيصل قطاع غزة من الضفة الغربية، يضم أعضاء بارزون من اللجنة المركزية لفتح، بينهم عزام الأحمد رئيس ملف المصالحة، تفعيل المجلس التشريعي، والاتفاق على الشكل المناسب لعقد أولى جلساته بعد السنوات السبع العجاف، فكان من المفترض أن يتم عقد جلسة لرؤساء الكتل على رأسها كتلتا فتح وحماس، بالإضافة إلى وقف حلقات «التراشق الإعلامي» بين الطرفين، وقد وصلت في أيامها الأخيرة إلى حد التشكيك في الشرعيات، وتحميل مسئوليات دمار غزة وتعطيل الإعمار.
وفد حكومة التوافق الذي كان سيصل إلى قطاع غزة مع بداية الأسبوع ليستمر لعدة أيام تدوم حتى يوم مهرجان إحياء الذكرى العاشرة للرئيس ياسر عرفات، بما في ذلك عقد جلسة للمجلــــس الوزاري الفلسطيني، كان هو الآخر سيبحث كيفية التنسيق بين الوزارات بقسميها الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك إيجاد حلول لمشاكل غزة (نفقات الوزارات ومشاكل الكهرباء والموظفين) التي ستمثل حسب ما أعلن 70٪ من جدول أعمال جلسة الحكومة.
لكن كل ذلك تبخر مترافقا مع ذكرى عرفات الرجل الخالد في ضمير الفلسطينيين الذي يعتبر رمزا للوحدة، ففي زمنه لم يكن ثمة طريق للاقتتال الداخلي، ولم يكن بين الضفة وغزة حائل سوى الاحتلال الإسرائيلي. لكن الخلافات تفاقمت بشكل أكبر بين الضفة وغزة، ومستقبل المصالحة يتأرجح، فالتفجيرات الليلية التي استهدفت منازل قادة الصف الأول في حركة فتح بقطاع غزة أعادت الأمور إلى ما كانت عليه، وربما بشكل أسوأ، خاصة وأنها ترافقت مع الترتيبات التي يقوم بها قادة فتح لإحياء الذكرى.
التفجيرات هذه التي هزت أرجاء مدينة غزة ومناطق الشمال، ووقعت في أوقات ليست متباعدة، ألغت زيارة وفد حركة فتح من الضفة، والغت اجتماع الكتل البرلمانية، الأمر الذي من شأنه أن يديم تعطيل المجلس التشريعي، كما ألغت زيارة حكومة التوافق برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، وبذلك تتوقف الجهود الرامية لحل أزمات غزة، التي تشهد قطاعاتها الصحية أزمات كبيرة تهدد حياة المرضى.
حركة فتح، على لسان أكثر من مسؤول وعلى الفور، حملت حركة حماس المسؤولية الكاملة عما حدث، باعتبار أن حماس هي من يمسك بزمام الأمن في غزة، في ما رفض قادة حماس هذه الاتهامات. وكان أن اتفق مسؤول الأمن الأول في القطاع اللواء صلاح أبو شرخ، في وقت سابق، مع القيادي الفتحاوي هشام عبد الرازق على أن تتولى قوات أمنية من غزة وأفرادها من حماس مسؤولية تأمين المهرجان. وعقدت حركة فتح اجتماعا طارئا لها في مدينة رام الله ترأسه الرئيس محمود عباس، في أعقاب الحادث الذي وصفته بالعمل بالإجرامي، وحملت حماس المسؤولية، ورأت أن الهدف من التفجير هو وقف إحياء الذكرى العاشرة لاستشهاد القائد المؤسس ياسر عرفات.
وقال عزام الأحمد في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع إن الكل كان يتطلع للاستماع إلى أخبار سارة تجاه تحقيق المصالحة دون أن يعفي حماس من المسؤولية، مرجعا ذلك إلى «صدور تصريحات تبعث على التوتر من قبل بعض قادتها بحق الرئيس محمود عباس، وبحق حركة فتح»، فالرجل قال إن لدى حركته معلومات حول منفذي التفجيرات.
حركة حماس منذ البداية نفت علاقتها ورفضت الزج باسمها ورأى بأن ما يكال لحركته من تهم هدفه التملص من المصالحة وحجة لتملص الحكومة من مسؤولياتها.
من جعته قال خليل الحية القيادي في حركة حماس إن الحركة لو لم تكن تريد المهرجان لما وافقت في البداية، مشيدا بالرئيس عرفات الذي قال إنه ليس شخصا عاديا ويعتبر رمزا من رموز الشعب، مشددا على ضرورة إقامة هذا المهرجان.
وزارة الداخلية في غزة التي تدير قواتها الأمنية حركة حماس أعلنت منذ وقوع التفجيرات عن تشكيل لجنة تحقيق، وأدانت الحادثة. وقال الناطق باسمها في مؤتمر صحافي أنهم لن يسمحوا بـ «عودة الصراعات الداخلية والفوضى والفلتان لقطاع غزة»، في إشارة فهمت على أنها تحمل اتهامات تقول إن خلافات فتح الداخلية (بين تيار الرئيس عباس وتيار القيادي المفصول محمد دحلان) هي من يقف وراء التفجيرات، خاصة عندما استخدم مصطلح «صراعات».
على العموم لم يكن أحد من كل الأطراف مستفيدا من تخريب المهرجان، ومن وقف استمرار الحركتين فتح وحماس من السير في طريق المصالحة، سوى الاحتلال الإسرائيلي المتهم الرئيس بدم الرئيس الراحل ياسر عرفات، فإسرائيل وحدها الخاسر من المصالحة وتطبيقها بالكامل، ومشاريع إسرائيل مستقبلها الفشل الذريع في ظل اكتمال أركان المصالحة (الحكومة والانتخابات وتوحيد المؤسسات).
إسرائيل بذلك تكون قد انتصرت في الجولة الحالية من معركة القدس، فالخلافات الداخلية تمنع المتخاصمين من التخندق في صف الدفاع عن المدينة المقدسة، التي يستبيحها قطعان المستوطنين بشكل يومي، وقد يكون ذلك بداية إلى جولة استفراد جديدة تشنها إسرائيل ضد غزة أو الضفة في مرحلة لاحقة.

المحطات الكبرى في مسيرة ياسر عرفات

اب/اغسطس 1929: مولد محمد ياسر عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني في القاهرة. انضم عندما كان في السابعة عشرة الى المجموعات المسلحة الفلسطينية وشارك في حرب العام 1948 التي تلت الاعلان عن دولة اسرائيل، ثم عاد الى العاصمة المصرية لدراسة الهندسة المدنية 1950-1956) لكنه اضطر الى مغادرتها لاسباب سياسية.
1959 : اسس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في الكويت قبل ان تستقر مجموعته في الاردن في 1964. وبدأ الكفاح المسلح ضد اسرائيل في الاول من كانون الثاني/يناير 1965.
حزيران/يونيو 1967: الحرب العربية الاسرائيلية. عرفات يعاود الظهور بعد ان عاش سنتين في السرية باسم «ابو عمار».
شباط/فبراير 1969: انتخاب عرفات رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تاسست في القدس العام 1964.
ايلول/سبتمبر 1970: ابعد من الاردن بعد مواجهات دامية عرفت ب»ايلول الاسود» بين مقاتلين فلسطينيين والجيش الاردني. وانتقل بعدها ياسر عرفات الى لبنان حيث حاصرته اسرائيل صيف 1982 فانتقل بعدها لمدة 12 عاما الى تونس حيث قصفت اسرائيل مقره في تشرين الاول/اكتوبر 1985.
تشرين الثاني/نوفمبر 1974: منظمة التحرير الفلسطينية تحصل على صفة مراقب في الامم المتحدة. وقال عرفات حينها عبارته الشهيرة في خطاب في الامم المتحدة «ان المسدس في يدي وغصن الزيتون في اليد الاخرى، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي».
تشرين الثاني/نوفمبر 1988: المؤتمر الوطني الفلسطيني يعلن في الجزائر بشكل رمزي قيام الدولة الفلسطينية بزعامة عرفات.
ايار/مايو 1989: عرفات يعلن ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية «كادوك» بالفرنسية اي «عفى عليه الزمن». وكان الميثاق ينص على ان «الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين».
1991:عرفات يواجه العزلة الدبلوماسية وقطع المساعدات المالية من قبل الدول الخليجية بعد اعلان منظمة التحرير دعم العراق ابان حرب الخليج الثانية.
كانون الثاني/يناير 1992: عرفات يعلن زواجه من الفتاة المسيحية سهى الطويل (28 عاما) بعد ان كان اقترن بها سرا صيف العام 1990 وقد انجبت له ابنته زهوة في 1995.
ايلول/سبتمبر 1993: مصافحة في البيت الابيض مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين اثناء توقيع اعلان المبادىء الذي تم التفاوض بشأنه سرا في اوسلو، لاقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية اصبحت تعرف لاحقا بالسلطة الوطنية الفلسطينية.
تموز/يوليو 1994: عودة مظفرة لعرفات الى الاراضي الفلسطينية بعد 27 عاما في المنفى. وشكل في غزة حكومة ذاتية، السلطة الفلسطينية، انتخب رئيسها في كانون الثاني/يناير 1996.
تشرين الاول/اكتوبر حاز عرفات جائزة نوبل السلام مع اسحق رابين (اغتيل في تشرين الثاني/نوفمبر 1995) وشيمون بيريز.
تموز/يوليو 2000: فشل اجتماعات كامب ديفيد بين عرفات ورئيس وزراء اسرائيل ايهود باراك بسبب القدس. والانتفاضة الثانية تندلع في ايلول/سبتمبر العام ذاته.
كانون الاول/ديسمبر 2001: اثر سلسلة هجمات انتحارية فلسطينية حاصرت اسرائيل عرفات في مقره العام في المقاطعة في رام الله بالضفة الغربية.
اذار/مارس 2002: اسرائيل تشن هجوما كبيرا على الضفة الغربية وتدمر الجزء الاكبر من مقر قيادة عرفات.
شباط/فبراير 2003: عرفات يوافق على منصب رئيس للوزراء في السلطة الفلسطينية اثر ضغوط دولية.
تشرين الاول/اكتوبر 2004: تدهور مفاجىء في صحته يدفع عرفات الى مغادرة رام الله الى باريس حيث دخل مستشفى بيرسي في كلامار.
تشرين الثاني/نوفمبر 2004: اعلنت وفاته عن 75 عاما بعد غيبوبة استمرت اياما عدة. واسباب وفاته لم تتوضح مطلقا. وفي 17 الشهر ذاته، باريس تنفي ضمنا فرضية اصابته بتسمم اثر شائعات تتهم اسرائيل بذلك.
تموز/يوليو 2012: ارملته ترفع شكوى ضد مجهول بقتله امام النيابة العامة في نانتير التي فتحت تحقيقا قضائيا. وفحصت مختبرات في فرنسا وسويسرا وروسيا عينات من رفات عرفات في 27 تشرين الثاني/نوفمبر العام ذاته.وفي 2013، استبعد الفرنسيون والروس وجود تسمم بمادة البولونيوم خلافا للسويسريين.

أشرف الهور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية