البشر يخافون مثل بقية الكائنات، عندما تتعرض حياتها لعمليات الإفناء بسبب الحروب أو مختلف الظواهر الطبيعية. الخوف بهذا المعنى ليس سمة جبن، لكنه رغبة في الاستمرار، بالتشبث بقوة بالحياة. الفنان العظيم كثيرا ما يتخطى هذه العتبة، عتبة الخوف، بدون أن يعني ذلك أنه سوبرمان فوق الغرائز البشرية، من أجل الاستمرار ومواصلة القيام بخياراته الحياتية التي كثيرا ما تكون قاسية. ويجد نفسه في عمق مغامرة ليس هو من يديرها دائما.
يمنحنا تاريخ البشرية مساحات مكتوبة ومعاشة لهؤلاء الناس الذين شكلوا استثناء بشريا، نحتاج دوما إلى أن نقترب منها لتبصرها وقراءتها وأخذ العبرة منها، والاستفادة منها لمواجهة مستحيلات عصرنا الصعب. لهذا نفترض دائما سؤالا هاربا، لكنه شديد الأهمية.
من هو الكاتب العظيم أو الاستثناء؟ هل هو من يحتل المنابر في كل تظاهرة ويقدم ذاته بوصفها الذات المنقذة، أو يقضي وقته في الشتم واستغلال الفرص لتصيد أي شيء لكي يبني عليه عالما وهميا يحسسه بأنه موجود وأنه النبي الجديد الذي لم ينتبه له عصره. عصر شديد البلادة لأنه لم يفهم أبدا عبقريته العظيمة التي ستشع نورا على العالم وتقود البشرية نحو السلام النهائي؟ أم أن الاستثناء شيء آخر بعيد كل البعد عن هذا.
أي أن الاستثناء هو في الشخص الذي استطاع أن يتخطى معوقات الذات المريضة، باتجاه ذات مشتركة هدفها الأسمى أن يتغير العالم باتجاه ما هو أفضل وأكثر إنسانية.
ويتخطى أيضا حواجز الزمن التي تقف ضد مشروعه النبيل والعالي. ويصل إلينا بصورة جميلة تدفع بنا، على الرغم من الشرطيات القاسية للعصر، كالصعوبات الاقتصادية والحروب، ألى أن نحب الحياة بوصفها القيمة المتعالية. فهو مثل برومثيوس، الذي يعمل بصمت إلى اليوم الذي يتمكن فيه من سرقة الشعلة ووضعها بين أيدينا، ولا يطالبنا بأي شيء، ولا حتى بقراءة منتجه. نحن من يذهب نحوه، إذ لا يمكن مقاومة جاذبيته.
حالة الاستثناء ليست مزاجا مريضا أو هوسا شخصيا، ولكنها محصلة لتجربة إنسانية قوية.
لا يفرضها الأفراد كما يشتهون كأنها لباس أنيق ينزعونه ويرتدونه كما يريدون، لكن التاريخ البشري نفسه هو الذي يختار من يشاء، وفقا لآلية عميقة وغامضة ومعقدة جدا، تصنع الأبطال وتصنع العظماء وتدفع بعينة قليلة نحو الواجهة. هكذا كان الأمر مع سقراط وهو يدافع عن فكره، ويقبل بالموت مسموما مقابل الحفاظ على المعرفة الفلسفية في عز عنفوانها وتألقها.
هكذا حدث للحلاج الذي أحرق مقابل الدفاع عن قيم العدالة والحكامة، ورفض سلطان الهيمنة والتخفي وراء الدين. هكذا كان الأمر أيضا بسيرفنتيس الذي دافع عما رآه عادلا. فوقف في صف المهجرين من الموريسكيين، أيام الركونكيستا أو الاستعادة. وتحمل مضايقات وتهديدات محاكم التفتيش المقدس التي ظلت وراءه حتى كادت تقوده إلى المحرقة، لولا حصوله في الوقت المناسب على وثيقة نقاء الدم التي كانت شرطا لإثبات الانتساب إلى المسيحية الكاثوليكية. لم ينج من هذا أيضا فيلسوف عالمي كبير بقامة ابن رشد الذي وقف مترحما على رماد كتبه التي أحرقها المتطرفون والجهلة، وسدنة خدام الأنظمة البائسة والظالمة.
هكذا كان بابن المقفع الذي اختار نقد الحاكم بالاستناد إلى لغة الحيوان، وتحمل موتا بشعا لا يقل عنفا عما يبدعه «تنظيم الدولة» (داعش) كل يوم، وكأن الزمن البشري لم يتحرك إلا قليلا. فقد مزق تمزيقا بشعا وشوي لحمه أمام عينيه وأجبره القتلة على أكله. شاعر عظيم كغارسيا لوركا دفع الثمن غاليا في عزّ الحرب الأهلية الإسبانية، فقد منح البشرية قصائد للحياة والفجر والحب والطيور، مقابل قاذفات القنابل الفرانكوية. هكذا كان أيضا مع روزا ليكسمبورغ في مواجهة الحرب العالمية الأولى التي رفضتها وقاومتها حتى الموت. هي نفسها الحرب التي جاءت بالنازية الهتلرية. لم تستسلم روزا في عالم كانت غالبيته عمياء، في ظل الهيمنة القومية الضيقة والمعادية لكل من ليس هي. أصرت على أن هناك حياة أخرى غير الحرب القاتلة. رصاصة في الرأس كانت كافية بنزع الحياة من روزا لوكسمبورغ، لكنها لم تقتل المثل الأعلى لمجتمع بلا حروب. وبقيت كتاباتها حية. من هنا فالكاتب الاستثنائي هو الذي يحقق منجزين كبيرين. الأول أن يقرأ المجتمع في حركيته الخلاقة وليس في الوضع الستاتيكي الذي لن يقود إلا إلى المزيد من التشاؤم. الثاني أن يمتلك القدرة الفنية العالية التي تسمح له بأن ينجز نصا ينتمي في النهاية إلى الحقل الأدبي وليس إلى شيء آخر. أي امتلاك القدرة على التواجد في صلب التاريخ وتحولاته، وفي عمق الفعل الثقافي والفني والإبداعي. لنا في زمننا مثال الثورات العربية، أو بمعنى أدق الانتفاضات الشعبية، التي جاءت كحلم رومانسي لتغيير أوضاع تعفنت إلى أقصى الدرجات، وحولت الإنسان العربي إلى كائن تائه، يعيش داخل طاحونة لا يرى من ورائها أي أمل في الحياة، وفّرت إمكانات جديدة للحلم من أجل التغيير قبل ان يتم إجهاضها ومصادرتها وتحويلها عن مسارها الأساس في شكل حروب أهلية مدمرة وهالكة. ظل الاستثناء غائبا فيها، يدور داخل طاحونتها بحثا عن السبل الأجدى. لم تصل إلى منتهى حركيتها التي انطلقت منها. هذه الأوضاع أجبرت الكاتب على ضرورة تحديد موقفه وموقعه من كل ما كان يدور حوله. والذي يدور من حوله غير قار ومتحرك بعنف. كان من الصعب عليه أن يجد المسلك الصحيح في عالم كانت طرقاته غير معبدة وشديدة الخطورة والغموض. ظروف معقدة مثل هذه هي أيضا ما يصنع الاستثناء في عالم ينشأ ويتفكك باستمرار. لكن لابد أن يأتي يوم يولد فيه هذا النموذج الذي يجعل من زمنه فرصته ليقول الحقيقة الغائبة التي تنير الطريق. ولا تهم بعدها المصائر. فالمثال أو الاستثناء مرتبط عضويا بالتراجيديا القاسية.
واسيني الأعرج