يُرجَحُ أن يكون قرار اللوبي اليهودي في الحزب الاشتراكي الفرنسي التخلي عن المرشح الرسمي للحزب بينوا هامون، وتأييد غريمه إيمانويل ماكرون، إشارة إلى أن أصوات الناخبين اليهود الفرنسيين ستميل لهذا الأخير. لكن هل هناك في المقابل تعبئة للأصوات العربية لصالح هامون، الذي ما انفك يُوجه رسائل إيجابية للعرب؟
يحمل اللوبي اليهودي في الحزب الاشتراكي الفرنسي اسم رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق اسحق رابين، وترأسه فلورانس دروري، التي سبق أن أدارت الحملات الاعلامية لكل من فرنسوا ميتران وجاك لانغ وسيغولين روايال. وهي ليست بعيدة عن مؤسسات الدولة الاسرائيلية، فزوجها ليس سوى سفير اسرائيل السابق لدى كل من بلجيكا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي.
وبحسب وسائل الإعلام الفرنسية برَرت دروري قرار الخروج عن الانضباط الحزبي بـ»مواقف المرشح هامون وأعضاء طاقمه من اسرائيل والعلمانية، وكذلك مواقفه المتعلقة بارتداء الحجاب». وهي تقصد بـ»أعضاء طاقمه» أساسا أليكسيس باشلاي، الناطق السابق باسم المرشح الاشتراكي، الذي عبّر عن مواقف اعتُبرت «قاسية» تجاه الدولة العبرية. غير أنه انسحب من حملة هامون منذ فترة. كما أن دروري تستهدف أيضا بعض نواب الحزب الاشتراكي، الذين أيدوا الحركة الداعية لمقاطعة اسرائيل واستصدار عقوبات بحقها، المعروفة في فرنسا باسم BDS وهي اختصارٌ للحملة الدولية لمقاطعة الدولة العبرية وتعطيل الاستثمار فيها وسنِ عقوبات في حقها.
مغازلة للناخبين ذوي الأصول الجزائرية
أكيدٌ أن تصريحات هامون بعد لقائه محمود عباس، التي قال فيها إنه سيعترف بالدولة الفلسطينية، إذا ما وصل إلى سدة الرئاسة، شكلت منطلقا لقرار الانسحاب، فاللوبي اليهودي في الحزب الاشتراكي يعتبر أن الدولة الفلسطينية ينبغي أن تكون محور مفاوضات مقبلة بين الفلسطينيين والدولة العبرية، وليست أمرا محسوما. أكثر من ذلك، شكلت زيارة هامون للجزائر، وإدلائه بتصريحات غير مألوفة في الماضي من السياسيين الفرنسيين، عنصرا إضافيا في تعبئة المتشددين بأطيافهم المختلفة ضده. وتعهد هامون خلال تلك الزيارة (التي اعتُبرت مغازلة للناخبين الفرنسيين من أصول جزائرية)، بالاعتذار للجزائر عن الحقبة الاستعمارية، مُبديا استعداده لتوسيع الاعتذار إلى شعوب المستعمرات السابقة. واعتبر أن الجراح المتعلقة بتلك الشعوب «التي استعمرتها فرنسا واضطهدتها، تُشكلُ عبئا يقتضي التعبير علنا عن الأسف باسم الجمهورية، والذي يمكن أن يرتقي إلى الاعتذار». وسمَى هامون بالتحديد الجزائر وتونس والمغرب، إلا أنه رفض بشكل قاطع ما ذهب إليه غريمُهُ ماكرون، الذي اعتبر الأعمال التي أتتها فرنسا في الجزائر جرائم حرب.
تعكس مواقف السياسيين اليساريين الشباب في فرنسا ذهنية جديدة مُتحررة من عُقد الحقبة الاستعمارية، وهو ما جعلهم لا يتعاطون مع الصفحات السوداء في تاريخ بلدهم بمنطق التبرير والمُكابرة والتعصُب، ربما لأنهم لم يضطلعوا بمسؤوليات سياسية خلال تلك الحقبة، إذ أن كُلا من هامون وماكرون وُلدا بعد نهاية حرب التحرير في الجزائر، وإن كان هذا المنطق لا ينطبق على مرشحي اليمين، وفي مقدمهم زعيمة «الجبهة الوطنية» مارين لوبان، المتمسكة بارتداء الإرث الاستعماري بوصفه أحد ركائز خطها المتشدد.
جيلٌ جديدٌ
في المقابل، يتوخى المرشحون اليساريون خطا صريحا وتلقائيا لا مكان فيه لمجاملة الأوساط العنصرية، وأفضل دليل على هذه الروحية الجديدة ما يمكن أن نقرأه على موقع هامون على «تويتر» من دعم للمنتخب الجزائري في 2009، إذ دوَن الشعار الشهير «وان تو ثري فيفا لالجيري» (1,2,3 Viva l’Algérie). لا بل ما كان من هامون عندما أطلق عليه خصومُهُ تهكُما اسم بلال، إلا أن قبل الأمر بصدر رحب، مؤكدا أنه فخور بحمل هذا الاسم. نحن إذن إزاء جيل جديد يرنو إلى الاقتراب من الجاليات العربية والإسلامية في فرنسا ومن بلدانهم الأصلية، لأنه بحاجة إلى دعمهم، إذ أن الفوارق بين المرشحين الثلاثة الذين يتصدرون حاليا استطلاعات الرأي ليست كبيرة. بهذا المعنى سيكون للناخبين الفرنسيين المتحدرين من أصول مغاربية وزن مُهمٌ في ترجيح كفة هذا المرشح أو ذاك.
وتتضارب التقديرات في شأن حجم الجالية ذات الأصول الجزائرية، ففيما يُشير بعضها إلى أن عدد الناخبين من أصول جزائرية بلغ 815 ألف ناخب في 2014، صرح السفير الفرنسي لدى الجزائر برنار إيميي أن العدد يُقاربُ سبعة ملايين، وهو رقمٌ يبدو مبالغا فيه، والأرجح أنه لا يتجاوز ثلاثة ملايين، ما يعني أن قسما كبيرا من ذوي الأصول الجزائرية غير مسجلين، على الرغم من كونهم يُقيمون في فرنسا منذ سنوات. ويُتوقع أن يكون عددهم زاد في السنوات الثلاث الأخيرة بالنظر لحصول مزيد من المهاجرين على الجنسية الفرنسية، خاصة أن غالبيتهم من الأطباء والمحامين ورجال الأعمال والأكاديميين. ويطرح هذا الموضوع معضلة الأجانب عموما في فرنسا، إذ يُقدرُ عددهم بـ15 مليون فرد، وهم ينتمون إداريا لفرنسا لكنهم لا ينتمون إليها ثقافيا بسبب صعوبات الاندماج.
اللوبي الأول نظريا
ما يعنينا من ذلك أن إمكانات اللوبي العربي تُؤهله لأن يكون هو الأول، نظريا، في فرنسا وأن يكون له تأثير نوعي في اتجاهات السياسة الفرنسية، أقلُه في المسألة الفلسطينية. لكن لا هو مُهيكل ولا هو يملك رؤية موحدة للموقع الذي يمكن أن يتبوأه في المجتمع الفرنسي، على عكس اللوبي اليهودي، الحاضر بقوة في الإعلام والمال والثقافة. والأدهى من ذلك أن هناك مناخا مُعطلا يشلُ أي عمل جماعي على صعيد الجالية المغاربية، جراء الصراع المغربي الجزائري على زعامة الجالية.
لم يعُد في الوقت مُتَسعٌ للخوض في هذه المسائل، فالانتخابات على الأبواب وبرامج المرشحين نهائية، لكن يمكن تشكيل تيار قوي يدعم المرشحين الثلاثة المؤيدين للقضايا العربية في الدور الأول (23 أبريل)، على أن يكون للصوت الفرنسي من أصول عربية وقعٌ خاصٌ في حسم المنافسة خلال الدور الثاني المُقرر في السابع من مايو المقبل. كما أن التنسيق بين ناشطي الجاليات المغاربية، واستطرادا الإسلامية، يمكن أن يُعطي أكله في الانتخابات البرلمانية المقررة لشهر يونيو المقبل، على الرغم من أنه لم يتم الاشتغال على هذا الملف في وقت مُبكر.
كاتب تونسي
رشيد خشانة