تونس: سفينة بلا ربان

حجم الخط
5

تجتاز تونس أزمة اجتماعية وسياسية مع بدء السنة الجديدة، بسبب تفعيل الزيادات المقررة في الأسعار، وستكون لهذه الأزمة ارتدادات وتداعيات كبيرة على النخبة القيادية وصورتها لدى الرأي العام. على مدى السنوات السبع التي مضت منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تآكلت صدقية الأحزاب، التي حلت محل حزبه المُنحل، والتي تتصارع للظفر بمواقع متقدمة في الحكم وفي الشبكات واللوبيات المالية المُتحكمة في اقتصاد البلد. يستوي في ذلك كوادر الحركة الإسلاموية وقيادات حزب «نداء تونس» وريث حزب بن علي، إضافة إلى طيف واسع من الأحزاب الأخرى التي تسير غالبيتها على خُطاهما. وبسبب الصراع المرير على الغنائم، يستعر بين حين وآخر الخلاف بين الحزبين الكبيرين في البرلمان (حزب «النداء» وحركة «النهضة») أسوة بما حدث أخيرا في أعقاب انتخابات برلمانية فرعية لاختيار نائب عن التونسيين المقيمين في ألمانيا. وتبادل الحزبان التهم بالتقصير والاخلال بالعهد، بعدما فاز بالمقعد مُرشح من خارجهما.
وعلى الرغم من الاتفاق على إجراء انتخابات بلدية في السادس من أيار/مايو المقبل، يبدو الأمر غير ثابت لأن الأحزاب لم تستعد تنظيميا حتى الآن لتلك الانتخابات، وهي في أدنى درجات الضعف السياسي والتنظيمي والرمزي. مع ذلك تُشكل الانتخابات البلدية استحقاقا ضروريا طال انتظاره، لما له من انعكاسات متوقعة على إصلاح الأوضاع المعيشية للمواطنين، إذ لم تُجر انتخابات بلدية منذ 2010 ما أدى إلى انهيار الخدمات وتدهور البيئة وانتشار الانتهاكات والتجاوزات بلا رقيب أو مُحاسب. وترتبط البلديات في المنظور الجديد، الذي كرسه دستور الجمهورية الثانية في 2014، بتشكيل مجالس محلية ستُنقل لها كثير من السلطات المركزية، لكن من غير المؤكد أن ينتهي البرلمان من مناقشة قانون المجالس المحلية والتصديق عليه في الفسحة التي ما زالت مُتاحة.
في مقابل ضبابية الوضع السياسي تبدو مؤشرات الاقتصاد مائلة إلى اللون الأحمر بسبب تعثُر الإنتاج وشح الاستثمار الداخلي والخارجي وارتفاع نسبة التضخم إلى حوالي 7 في المئة. وعلى سبيل المثال تراجع منتوج البلد من الفوسفات إلى النصف بين 2010 و2017 مع خسارة غالبية الزبائن بسبب تذبذب الإنتاج جراء الاعتصامات والاضرابات. وتلقى قطاع المنسوجات هو الآخر ضربة قوية مع نهاية العمل بنظام الحصص، الذي كان يمنح تونس أفضلية في الأسواق الأوروبية. وفي ظل المنافسة مع المُزودين الآخرين، خسر التونسيون غالبية الأسواق التقليدية، التي غنمتها الصين، ما أدى إلى قفل 300 مصنع في قصر هلال عاصمة المنسوجات التونسية، وتسريح 40 ألف عامل في السنوات الخمس الأخيرة. مع ذلك، ماىزالت 1672 مؤسسة في القطاع واقفة على أقدامها، وهي تُؤمن 160 ألف فرصة عمل، علما أن 85 في المئة من تلك المصانع مُصدرة بالكامل، ما يعني أن تغيير التوازنات التجارية داخل الاتحاد الأوروبي سينعكس سلبا في الصناعة التونسية.
ومع توسعة الاتحاد الأوروبي الذي منح حقوقا عدة للأعضاء الجدد، صارت بلدان أوروبا الوسطى والشرقية منافسا قويا للصادرات التونسية، ما يُضاعف من مصاعب التونسيين، لاسيما أن إنشاء منطقة مغاربية للتبادل الحر ما زالت مؤجلة إلى تاريخ غير مُحدد. وفي مثل هذه الأوضاع يكتشف التونسيون أنهم لا يملكون رؤية لموقع بلدهم ولا للدور الذي يمكن أن يلعبه في محيطه القريب والبعيد. وهناك حديث حول البحث عن فضاءات جغرافية جديدة وأسواق خارج أوروبا، لكن ليست هناك رؤية لمستقبل علاقات تونس مع بلدان المغرب العربي مثلا، ولا للفرص التجارية والاستثمارية المُتاحة في افريقيا ودول الخليج وإيران وتركيا، التي يمكن أن تكون جسرا نحو آسيا الوسطى.
مع إخفاق النخب السياسية في وضع رؤية متكاملة للمستقبل، تبرز مفارقة أخرى تتمثل في أن البلد العربي الأكثر تجانسا عرقيا ولغويا وثقافيا، تتقاتل نخبه رمزيا صباح مساء على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد وتحت قبة البرلمان، وأيضا في العالم الافتراضي. وأقل ما يمكن قوله عن هذا الوضع هو أن ربان السفينة غير متفقين على وجهتها، فكلٌ يسعى لسحبها إلى بوصلته.
وبين الدفع والشد ظل المركب يدور حول نفسه منذ سبع سنوات، ما أصاب المواطن بإحباط شديد، وجعله يحنُ من شدة الضجر إلى الزمن الماضي، ويُشيح بوجهه عن شعارات الديمقراطية ولا يتجاوب مع استحقاقاتها. في المُحصلة، وعدا حالات قليلة، لم يعد من «شغل» لليساري سوى مقارعة اليميني، ولا من هدف لليميني سوى محاربة اليساري، من دون التوصل إلى مشروع وطني جامع، ينهض بالبلد، أسوة بالمشروع الألماني أو الياباني أو الفرنسي، ما جعل تونس تتحول من أيقونة وأنموذج يُحتذى بهما في الانتقال الديمقراطي، إلى ساحة حرب أهلية، الكترونية وإعلامية. وأخطر مؤشر على نتائج هذه الحالة وضع اسم تونس على لائحة الملاذات الضريبية الآمنة، ما شكل ضربة موجعة للاستثمار ولسمعة البلد عموما.
وإذا كان بعض التونسيين ينتظر من بعض «الأصدقاء» في الاتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا وإيطاليا، العمل على إخراج اسم بلدهم من تلك اللائحة السوداء، فإن الحل الحقيقي يكمن في ضرب شبكات التجارة الموازية، وضبط عمليات التهريب المكثفة عبر الحدود، وتنشيط القاعدة الإنتاجية لإنعاش الصادرات، باعتباره الوسيلة الوحيدة لوقف انزلاق الدينار والحد من التضخم.

 تونس: سفينة بلا ربان
اخفاق النخب وارتفاع نسبة التضخم
رشيد خشانة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية