الله ـ «القدس العربي»: لم يكن مستغرباً كما ظن البعض بخصوص انتقال ثقل أو مركز الهبة الشعبية الفلسطينية الحالية من القدس المحتلة إلى محافظة الخليل كاملة. والسبب الرئيسي في ذلك أن البلدة القديمة في مدينة الخليل تعاني كما البلدة القديمة في القدس وأكثر. فقد أغلقتها سلطات الاحتلال وأغلقت السوق القديم فيها لحماية المستوطنين اليهود.
والحال لا يختلف فيما يتعلق بالحرم الإبراهيمي الشريف فهو سبق المسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة فيما يتعلق بالتقسيم الزماني والمكاني. وأصبحت سلطات الاحتلال تغلق الحرم في وجه المسلمين لعدة أيام في الأعياد اليهودية. كما أن لليهود أماكن خاصة داخله. فيما يمنع رفع الأذان عشرات المرات كل شهر.
ومعروف أن الخليل هي أكبر المحافظات الفلسطينية مساحةً. كما من حيث عدد السكان. والأهم أنها تعتبر مركزاً ضخماً للتجارة الفلسطينية وبالتالي أحد أعمدة الاقتصاد الفلسطيني. لكن الظلم الذي تعيشه المحافظة وأهلها كان السبب الطبيعي لانتقال ثقل الهبة الشعبية من العاصمة إلى عاصمة أخرى دفاعاً عن القدس والمسجد الأقصى والدم الفلسطيني المستباح من قبل الاحتلال والمستوطنين اليهود.
كما أن وجود مستوطنة «كريات أربع» وسط الخليل المحتلة وفي محيطها البؤر الاستيطانية الأكثر تطرفاً وممارسات المستوطنين اليهود المتطرفين تجاه أهل البلدة القديمة من الخليل على وجه الخصوص فجر هذا الغضب. كما استغلت إسرائيل ذلك وأخذ جنودها ومستوطنوها يمارسون هواية استباحة الدماء الفلسطينية ونفذوا الكثير من الإعدامات الميدانية التي كانت بمثابة الزيت الذي صُب على النار.
وقدمت الخليل المحتلة جنوب الضفة الغربية الكثير من التضحيات والدماء من أبنائها خلال الانتفاضتين الأولى والثانية. وكانت نداً على الدوام وكثيراً ما قارعت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين اليهود. وبحسب من قابلتهم «القدس العربي» فإنهم يعتقدون أن الاحتلال ومستوطنيه كانوا يبيتون هذا الرد والإعدامات عقاباً للخليل وأهلها على صمودهم ودعمهم للقدس والهبة الشعبية مثلها مثل باقي المحافظات الفلسطينية. واستشهد العديد من أبنائها وبناتها وبعضهم لا زالت إسرائيل تحتجز جثامينهم في سقط مئات الجرحى ومئات آخرون في سجون الاحتلال الإسرائيلي. واستخدم المقاومون فيها ذات الأساليب التي اشتهرت في القدس المحتلة مثل الطعن بالسكاكين أو الدهس بالسيارات.
وقد زار البلدة القديمة في الخليل قبل أيام نيكولاي ميلادينوف وهو المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط وأكد أن حالة الاحتقان والعصبية وعدم وجود الأمل والغضب الذي شاهده في البلدة القديمة من الخليل يجب تغييره. ويعتقد المبعوث الأممي وجود جيل بأكمله فقد الأمل في السلام وفي حل الدولتين. وأضاف: علينا مسؤولية اعادة الأمل للفلسطينيين من خلال العمل مع جميع السلطات على التخفيف من العنف الراهن ومن المهم أن يكون جميع القادة والمجتمع حذرين في أقوالهم.
وعقد ميلادينوف مؤتمرا صحافيا في مقر محافظة الخليل قال فيه «هذه أول مرة أزور فيها مدينة الخليل والبلدة القديمة ورأيت حالة الاحتقان والعصبية في البلدة القديمة وفي المقابل رأيت الحيوية في الخليل والمحافظة فالخليل هي قلب الاقتصاد الفلسطيني». الجميع له الحق أن يعيش حياة آمنة ويجب عليه ألا يشعر بالخوف ويجب احترام الديانات كلها وعلى الجميع أن يدفن موتاه بحرية والدعوة للهدوء ليس كافياً.
وطالب ميلادينوف بوجوب تغيير السياسات على أرض الواقع لتقوية حل الدولتين وضمان تأسيس دولة فلسطينية حرة وفق معايير حقوق الانسان والعمل في المنطقة لخلق الدعم الهام للسلام. علينا أن نعيد الأمل للناس بحل الدولتين ولا يمكن لأي أحد أن يقنعني بأن الجانبين معنيان أن يعيشا في حرب دائمة».
ورغم تأكيد المبعوث الأممي أنه حينما مر عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية في البلدة القديمة من الخليل وصله شعور 1٪ مما يعيشه الشعب في الخليل «الذين يمرون يومياً عبر تلك الحواجز وفي جميع حالات القتل التي حدثت يجب التحقيق فيها وتقديم مرتكبيها للعدالة».
من جهته وصف محافظ الخليل كامل حميد ان ما تشهده البلدة القديمة من حالة التوتر والغضب هي نتاج للانتهاكات والاعتداءات وسلسلة الاعدامات التي تقوم بها سلطات الاحتلال والمستوطنون في المنطقة. وهي ما أثارت حالة من الرعب والخوف الهادفة لاستكمال المخططات الاستيطانية بتهجير أهلنا من البلدة القديمة وتحويلها الى حي يهودي واستكمال المخطط لتحويل المسجد الاسلامي «الحرم الابراهيمي» الى كنيس يهودي وإغلاق شارع الشهداء والسهلة وإغلاق المئات من المحال التجارية».
ويمارس الاحتلال التمييز العنصري في البلدة القديمة وشارع الشهداء وتل ارميدة لحماية 400 مستوطن حولوا حياة ما يزيد عن 200 ألف مواطن الى جحيم ووضعت الاطفال في حالة من التوتر والعصبية الدائمة. مما أدى إلى ولادة جيل غاضب على الاحتلال في البلدة القديمة لا يشاهد إلا بنادق الاحتلال وهجمات المستوطنين.
وقد امتاز عدوان الاحتلال الإسرائيلي على مدينة الخليل بأنه استهدف كل الفئات وليس فئة واحدة أو موقعاً جغرافياً بعينه. فعدد الإعدامات التي تمت في البلدة القديمة تم مثلها على مفترق «بيت عينون» في الخليل وعلى مدخل قرية سعير. وذات الأمر فيما يتعلق بمفترق عتصيون جنوب بيت لحم في الطريق إلى الخليل. أما على الصعيد التجاري فإن إغلاق شارع الشهداء وحده داخل البلدة القديمة كلف الخليل وأهلها ملايين الدولارات خسائر مستمرة كونها مركز السياحة الرئيسي المرتبط بزيارة الحرم الإبراهيمي الشريف وشراء التحفيات من متاجر البلدة القديمة.
وعلى الصعيد الإعلامي استهدف قوات الاحتلال الإسرائيلي الإذاعة المحلية الأولى في الخليل المحتلة «منبر الحرية» وهاجمتها ليلاً وأوقفت بثها قبل أن تصادر كل محتوياتها التقنية وتقوم بعملية تخريب ممنهج للأسلاك الممدودة داخل جدران المبنى.
فادي أبو سعدى