حجر المياه الآسنة

حجم الخط
5

 

ذات يوم، حين افتُضحت فظائع سجن «أبو غريب»، خاطب مواطنيه الأمريكيين بهذه النبرة، القاسية القارسة التي قُدت من صقيع الحقيقة: ليس ما فعله أبناؤكم، في ذلك المعتقل العراقي، جديدا علينا أيها السادة! عودوا إلى تاريخ، بل تواريخ، علاقتكم بالشعوب ما وراء المحيط، واهنأوا بالا… لا جديد تحت الشمس! ولا تعللوا النفس بآمال كاذبة من النوع الذي يزين لكم أن الأوغاد الذين ارتكبوا تلك الفظائع، نساء ورجالا، ليسوا إلا حفنة شاذة لا تمثل الجيش الأمريكي، ولا الأخلاق الأمريكية، ولا «الحلم الأمريكي». ثمة نظام كامل متكامل يقف خلف ما جرى ويجري في العراق من أهوال، وذلك النظام هو المتهم الأول.
هذه هي نبرة الصحافي الكندي ـ الأمريكي إريك مارغوليس، الذي اعتاد التغريد خارج السرب، وإحداث «الصدمات العلاجية»، إذا جاز استخدام هذا التعبير بالطبع، عن طريق إثقال الضمير الأمريكي بالمزيد من المعلومات والتفاصيل التي ينبغي أن تهز جلمود الصخر:
ـ أنماط التعذيب التي استُخدمت في «أبو غريب»، وسواه من السجون والمعتقلات، اقترحها مستشارون إسرائيليون تحديدا، واستوحوا في تصميمها تقنيات التعذيب ذاتها التي تعتمدها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. والمرء، في هذا السياق، يتذكر صورة امتنعت «واشنطن بوست» عن نشرها، حينذاك، رغم أنها لم تكن تنطوي على أي نمط من أنماط التعذيب: جندي أمريكي يقف أمام زنزانات «أبو غريب»، وقد شمر عن ساعده، متفاخرا بالوشم الذي يمثل… نجمة داود والعلم الإسرائيلي!
ـ أنماط التعذيب هذه، خصوصا تلك التي تتخذ وجهة جنسية، تستهدف إنزال أشد العقوبات النفسية بالسجين المسلم تحديدا، خصوصا حين يُجبر على الكفر أو الارتداد عن عقيدته و «الاهتداء القسري» إلى ديانة أخرى.
ـ هي أنماط لا تسعى إلى انتزاع المعلومات بقدر ما تستهدف في الجوهر تحطيم إرادة المعتقل، عن طريق إهانته جنسيا ومعنويا. وهي لا تُمارس في العراق فحسب، بل أيضا في قواعد وسجون عسكرية أمريكية في دييغو غارسيا وأفغانستان ومصر وأمكنة أخرى، فضلا عن غوانتانامو بالطبع.
هذه محض عينة على صوت مارغوليس؛ الصارخ، غالبا، في برية محاصرة عن سابق قصد؛ الخارج على عماء الرأي العام السائد، بوثائق وبراهين وحقائق؛ ومنتهِك أنماط الإجماع الشعبي، أو الشعبوي بالأحرى، حول قناعات تبدو للوهلة الأولى راسخة رسوخ الجبال، قبيل تفكيكها وتسفيهها وتقويضها. ويحدث مرارا (كما في أمثلة هذه الأيام، حين يرد الإرهاب إلى جذور مسكوت عنها، أو يربط بين الجهاد الراهن الرجيم وتلك «الصناعة الجهادية» التي رعتها الولايات المتحدة والسعودية في أفغانستان أيام السوفييت، وكان الجهادي فيها «مقاتلا من أجل الحرية»…)؛ أن يكون تغريد مارغوليس أقرب إلى سيرورة الجَرْح المتعمد لمشاعر السواد الأعظم من قرائه.
ثم ألا يكفيه نشازا، بالقياس إلى الإجماع الأمريكي العريق، أنه ناقد دائم للسياسات الإسرائيلية، وموقفه حازم وأخلاقي من حيث تأييد حقوق الفلسطينيين، وشجاعته مدهشة حين يصف العنف الإسرائيلي بما يليق بفاشيته من مفردات وصفات؟ وكيف لا يكون طريدا من السرب، إذا كان يعتبر أن خيارات قمع الفلسطينيين، منذ إسحق رابين وحتى بنيامين نتنياهو، إنما تعيد إنتاج سياسات فرنسا أثناء «معركة الجزائر» في الخمسينيات، وسياسات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في فييتنام أثناء أطوار تنفيذ «برنامج العنقاء» السري، اللذَين تضمنا ممارسة التعذيب وقتل المدنيين بأعداد كبيرة، واستهدفا فرض حلول سياسية عن طريق سفك الدماء؟
إلى هذا وذاك، لا يخفي مارغوليس تعاطفه مع المسلمين والعرب، وللمرء أن يتخيل ما يمكن أن يجلبه عليه ذلك الانحياز من غضب وغيظ وتشكيك وتشنيع. وفي أيامنا هذه بالذات، حين يتعاظم التأثيم الجماعي لهاتين الفئتين، وينفلت من كل عقال؛ تبدو مواقف الرجل مثل حجر ثقيل يسقط على مياه آسنة في مستنقعات الرأي العام السائد، في الولايات المتحدة والغرب عموما. ذلك لأن هذه الأيام لا تحتمل الكثير من الانشقاق عن المألوف، ليس فقط لأن مكارثية غير مباشرة أخذت تتوالد مجددا، وتترسخ رويدا رويدا، فحسب؛ بل لأن ما يُسمى «المشاعر الوطنية» لا تسمح بالكثير من الاختلاف، أو تتسامح عند الاختلاف.
مارغوليس منخرط الآن في كشف الأستار عن التواطؤ الأمريكي ـ السعودي القديم، بوصفه حاضنة الإرهاب الراهن؛ في مناسبة ضغوطات البيت الأبيض على الكونغرس لحجب تقرير مفصل يفضح خفايا هذا الملف. وللمرء، إذاً، أن ينتظر من مارغوليس مزيدا من جولات التفكيك والهتك والتفضيح، في قيعان المياه الآسنة!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية