■ مجرد خواطر وتفكير بصوت عال ومعلومات وتساؤلات اتشاطرها معكم في محاولة فكفكة «لغز زوبعة الفيفا». وأبدأ ببعض الحقائق التي يجب ان تؤخذ في الحسبان:
الحقيقة الأولى: لا يختلف اثنان على ان الفساد مستشر في هذه المؤسسة الكروية الأعظم في العالم.
الحقيقة الثانية: ان حملة الاعتقالات تحت غطاء الفساد، التي طالت ما لا يقل عن 14 من كبار مسؤولي اتحاد الكرة الدولي «الفيفا» من بينهم نائبان للرئيس و3 أعضاء في المجلس التنفيذي، نفذتها أيدي رجال امن سويسريين بأمر خاص من النائب العام الامريكي، وبإشراف مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي «إف بي اي».
الحقيقة الثالثة: إن عمليات الاعتقال جاءت كما يزعمون، بعد أربع سنوات من التحقيق قادتها وكالات تطبيق القانون الامريكية!!! في قضايا رشى تقدر بحوالي 100 مليون دولار، وفساد اداري وغسيل أموال إلى آخره.
الحقيقة الرابعة: أمر الفساد واستشرائه في مؤسسات الفيفا لم يكن وليد اللحظة ولم يبدأ قبل أربع سنوات وإنه كان موجودا ويجري الحديث عنه منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ولم يكتشفها المحققون الأمريكيون في الايام الاخيرة.
القضية الخامسة: التحقيق في قضايا الفساد في الفيفا إذا سلمنا بما قالوا، جاءت مباشرة بعد فوز روسيا الاتحادية باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2018 وفوز دولة قطر باستضافة البطولة لعام 2022. وسيجري فحص كيفية الوصول الى هذين القرارين في تحقيق منفصل. وهناك تلميحات تكاد تكون مباشرة، إلى أن الأطراف المعنية لجأت لأساليب غير قانونية بمعنى اتهامها بدفع رشى.
الحقيقة السادسة: إن الولايات المتحدة وبريطانيا قادتا وتقودان الحملة، الأولى قضائيا والثانية إعلاميا. الأولى خسرت امام قطر في استضافة بطولة العالم لعام 2022، والثانية هزمتها روسيا في استضافة الاولمبياد لعام 2018». فلا الأولى، التي تفرض كما العادة، نفسها شرطيا على العالم ومحاربا شرسا للفساد رغم ان تاريخ سياسييها يحكي غير ذلك، غفرت للقطريين هزيمتها، ولا الثانية وهي الامبراطورية التي غابت شمسها منذ عشرات العقود من السنين ولا تريد الاعتراف بهذه الحقيقة، قادرة على هضم الهزيمة على أيدي الروس. لم توفر بريطانيا جهدا في حملتها وتدخل حتى وزيرا الخارجية فيليب هاموند والثقافة جون وايتينغديل، وطالبا بإجراء إصلاحات فورية وتغيير في قيادة الفيفا لأن التطورات الاخيرة!، أثبتت انها فاسدة حتى العظم. بينما سمح رئيس البرلمان جون بيركو بمناقشة القضية في مجلس العموم. ودعا الاتحاد الانكليزي الى اجراء تغييرات جذرية في المؤسسة بما فيها تغيير للقيادة. وأصر رئيس اتحاد الكرة الانجليزي غريغ دايك على استقالة بلاتر، مؤكدا انه لا يمكن إجراء اي إصلاحات حقيقية بوجوده على رأس الهرم. ودعا الى استقالته ايضا مقدم برنامج كرة القدم قائد المنتخب الانجليزي في التسعينات غاري لينكر.
الحقيقة السابعة: الرئيس الروسي فلادمير بوتن يتهم واشنطن بالتلاعب في شؤون الفيفا في محاولة لسحب استضافة روسيا لبطولة كأس العالم لعام 2018 ويستغرب ان يأتي التحقيق بناء على طلب من النائب العام الامريكي، بما يخالف الاعراف في الولايات المتحدة على حد قوله، في جرائم لا يتورط فيها مواطنون امريكيون. واعتبر ما جرى محاولة أخرى لمنع انتخاب بلاتر. وهذا هو الشعور نفسه الذي تحمله الدول الصغيرة، وترى في قضية الفساد «غير ذي صلة» وتشتم فيها رائحة لمؤامرة امريكية.
الحقيقة الثامنة: ان مشروع قرار فلسطيني لتعليق عضوية اسرائيل في الاتحاد الكروي الدولي، كان مطروحا على جدول أعمال مؤتمر الفيفا، لأسباب عدة منها إجراءات الاحتلال الاسرائيلي ضد لاعبي الكرة الفلسطينية سواء في الضفة الغربية او قطاع غزة، من قتل وجرح واعتقال وتقييد الحركة والمنع من السفر اضافة بالطبع الى تدمير الملاعب والاعتداء على مقر الاتحاد إضافة إلى وجود خمس أندية تمثل المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة، في الدوري الاسرائيلي بما يتناقض ويتعارض مع القانون الدولي. وبالمناسبة فان بلاتر قدم الكثير والكثير جدا لكرة القدم الفلسطينية وزار الاراضي الفلسطينية 3 مرات في غضون سنوات قليلة.
الحقيقة التاسعة: إن اسرائيل من جانبها كانت قلقة بل مرعوبة من احتمالات تعليق عضويتها ليس لأنها ستحرم من المنافسات، فالأوروبيون سيوفرون لها هذه المنافسات خاصة وأنها تلعب في إطار اتحاد الكرة الاوروبي «اليويفا»، بل لأن إسرائيل ترى في ذلك نجاحا جديدا للفلسطينيين على طريق فرض العزلة والمقاطعة عليها في الوكالات والمؤسسات والمحافل الدولية، أو نزع شرعيتها كما تقول. ولهذا مارست الضغوط عل اليويفا للتدخل لافشال المخطط الفسطيني.
الحقيقة العاشرة: تصاعد الضغوط على بلاتر الذي حمل المسؤولية عن الفساد وان لم يكن حتى الان من المتهمين بالتورط فيها الى الاستقالة الفورية وعدم الترشح للرئاسة لفترة اخرى.
الحقيقة الحادية عشرة: الشركات الدولية الكبرى الراعية لبطولات الفيفا هددت بسحب رعايتها المالية ان لم تتم إصلاحات فورية لمواجهة الفساد. ومن هذه الشركات بطاقات الإئتمان «فيزا» وشركتا المعدات الرياضية «نايك» و «آديداس» وشركة السيارات «كيا» وسلسة مطاعم «ماكدونالد» وغيرها وغيرها.
الحقيقة الثانية عشرة: اليويفا يطالب بتأجيل المؤتمر لستة أشهر ويهدد بمقاطعته إن لم يتحقق ذلك، رغم معرفته المسبقة بعدم قدرته على الحصول على ثلثي الأصوات اللازمة، ليس هذا فحسب بل انه لم يكن يضمن التأييد من كامل أعضائه خاصة الأوروبيين الشرقيين وحتى إسبانية وفرنسا.
الحقيقة الثالثة عشرة: بلاتر السويسري الجنسية رغم حملة الاعتقالات والاتهامات بالفساد والتهديدات بفتح ملف فساد والمطالبات خاصة من بريطانيا، أصر على عقد المؤتمر في موعده وعلى الترشح للرئاسة.
الحقيقة الرابعة عشر: بلاتر يفوز على منافسه الوحيد الأمير علي بن الحسين رئيس اتحاد الكرة الأردني بالرئاسة ليستقيل بعد 4 ايام بالتمام والكمال دون أن يقدم اي تفسيرات او توضيحات بشأن القرار المفاجئ ولكنه سيزاول عمله حتى انعقاد مؤتمر جديد ربما في نهاية العام او مطلع العام المقبل.
تساؤلات واستنتاجات
لماذا يأتي قرار التدخل في فساد قائم منذ اكثر من ربع قرن، قبل 48 ساعة فقط من موعد المؤتمر الذي كان أهم بنود جدول أعماله التصويت على تعليق عضوية اسرائيل وانتخاب رئيس جديد؟ وما علاقة القضاء الامريكي بكل هذا حتى يصدر النائب العام مذكرات اعتقال بحق أشخاص ليسوا مواطنين امريكيين ويعملون في بلدان تبعد الاف الأميال ولا تشملها سلطة القضاء الامريكية. ولماذا يفتح مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» التحقيق في قضية تخص رياضة لا تحظى بشعبية وهي أصلا حديثة نسبيا على الشعب الامريكي.
اي تحرك امركي على هذا المستوى لا يمكن ان يكون بريئا… خاصة إذا كان داعمه الرئيسي بريطانيا فحرب العراق والتزييف والتزوير الذي حصل في الوثائق لا يزال حديث العهد في الاذهان ولا يمكن نسيانه. ولا يمكن الا ان تنظر بعين الشك الى اي تحرك لهذا الثنائي التآمري الشيطاني.
واخيرا أرى ان هذه الزوبعة هي سياسية بامتياز مغلفة بالفساد… وثلاثية الأهداف… أولها ابعاد خطر العزلة عن الطفل المدلل اسرائيل بإسقاط مشروع القرار الفلسطيني وهذا ما حصل. الثاني محاولة سحب بطولة 2018 من روسيا وإن كان الامر صعبا نسبيا لا لشيء وإنما لامر يتعلق بالوضع في أوكرانيا والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي او على الأقل الدول الرئيسية في الاتحاد. والثالث وهو ما تسعى اليه بريطانيا وهو سحب بطولة 2022 من قطر.
وأختم بسؤال هل جاءت استقالة بلاتر في إطار صفقة يكون فيها شاهد ملك في قضية الفساد تجنبه التحقيق وربما الاتهام والاعتقال؟ مجرد سؤال.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح