أثارت الأديبة الفاضلة غادة السمان في مقالتها الأخيرة في «القدس العربي» شجوناً وأحزاناً سياسية عربية، ما كان ينبغي لها أن تكون إلا في زمن رديء.
تركّز موضوع مقالتها، حول رفض اللبنانيين للوجود السوري في لبنان. وإذا كنّا نعيش في هذا اللازمن العربي، حيث يجري حصار دولة عربية (على الرغم من اعتراضي على سياسات كثيرة لها)، وتفتح الأبواب الرسمية العربية أمام دولة الكيان الصهيوني، التي هي أولى بالحصار من الدولة العربية المعنية، يصبح كلّ شيء مفهوما.
نسأل، من الذي يتأذى من حصار تلك الدولة، أليس المواطنون العاديون، وبشكل أساسي أيضاً، العاملون فيها من العرب؟ إن جازت المقاربة، دعونا نقارن بين القيود الرسمية العربية على بعضها بعضا، وبين التسهيلات البينية الكبيرة لدول الاتحاد الأوروبي مع بعضها بعضا! ألا تبدو صورة عالمنا العربي فاقعة السواد بالنسبة للتجمعات الجيوسياسية على صعيد قارات العالم؟ مع أنه من المفترض أن تكون الصورة معكوسة تماماً. هذا في ظل اللغة الواحدة، والثقافة والتاريخ والأصول الواحدة، والديانة الموحدّة، وما شئته من عوامل أخرى أيضاً.
للعلم، كانت المنطقة العربية في عهدٍ قريبٍ مضى، تُقسم إلى مناطق جغرافية، بلاد الشام، الرافدين، شبه الجزيرة العربية، بلاد النيل والمغرب العربي، ثم كانت اتفاقية سايكس بيكو، ومن ثم اختُرعت عنوة الدولة القطرية العربية، وأبقيت عوامل خلافية بينها لتؤجج الصراعات، وصولا إلى الحروب الدموية البينية، التي شهدنا منها الكثير في المدى التاريخي القريب. ينسى أعرابنا (ولا أقول عربنا) الأهداف التي جرى من أجلها زرع الكيان الصهيوني في قلب الجغرافيا العربية، من أجل منع كافة أشكال التكامل العربي.
المفترض المنطقي لهذه الحالة، هو تعميق أشكال التنسيق والتكامل العربي، ومواجهة الحالة الإسرائيلية، التي يتفشى ورمها السرطاني الخبيث، أضعاف أضعاف امتداد خريطة الجغرافيا العربية. تطوّر الأمر إلى خلق الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، وأصبحت مجالا حيوياً للتناقض التناحري الدموي بين الدول العربية، ومنه انتقلت إلى النسيج الاجتماعي لشعب الدولة الواحدة، من أجل تفتيتها.
لقد بدأنا نشهد انفصالا لمناطق عربية، من جنوب السودان إلى احتمال انفصال إقليم كردستان (ومعه مدينة كركوك، كأكبر حقل نفط عراقي) عن جسد الوطن الأم. هذا مع احتمال تقسيم حقيقي لسوريا. معروف أن هناك مشكلة حقيقية في منطقة دارفور في السودان. كما تتحدث الأنباء عن احتمال تقسيم ليبيا إلى ثلاث ولايات. فما بالك بوضع اليمن؟ والحبل على الجرّار! ومع عدم إنكار دور «نظرية المؤامرة» في الذي يحصل، لكنها تبقى الشمّاعة التي نعلّق عليها أمراضنا وتقصيراتنا، وهي بالفعل محاولة إيجاد مبررات للفشل والعجز عن مواجهة الحدث، إن في توقعه أو في الحدّ من تأثيراته أو إفشاله. لعل أخطر ما وصل إليه الحال العربي، هو نجاح ضرب مفاهيم جمعية عربية أصيلة، على المستويين الوطني والقومي، مفاهيم كالوحدة، التضامن، الأهداف والمصالح المشتركة، الأخوّة ، تحرير فلسطين وغيرها. أصبحنا ندور في فلك السياسات العبثية، في اللايقين، في اللاجدوى، تحولت الكراهية إلى بغيضة عمياء، على مستوى مكونات الشعب الواحد في الدولة الواحدة! فكيف بها لا تنتقل بالطبع إلى الأخ العربي في الدولة العربية المجاورة؟
علّموا جيلنا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، معاني الأخوة والتضامن العربي وإيجابيات أخرى كثيرة، فمثلاً ما زال كاتب هذه السطور يذكر حديثا للفاروق عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» يقول: «ويلك يا عمر لو أن بغلة تعثرت في العراق لسئل عنها عمر، لما لم تُمهّد لها الطريق». ومخاطبة هارون الرشيد لغيمة رآها قائلا، «إذهبي أينما شئت، فخراجك لي». كنّا نبدأ يومنا الدراسي بنشيد «قسما بالنازلات الماحقات، والدماء الزاكيات الطاهرات.. وصولاً إلى: وعقدنا العزمَ أن تحيا الجزائر، فاشهدوا». كان ذلك إبان الثورة الجزائرية، كان القرش (عشرة فلوس) المعطى للابن من أهله الفقراء أيامها ،عزيزا عليه، ولكنه وبكل طيب خاطر يتبرع به أسبوعياً لنصرة ثورة إخوتنا الجزائريين، تحولت الجميلات الثلاث جميلة بو حيرد، جميلة بو عزّة وجميلة بو باشا إلى أسطرة نضالية عربية إنسانية. لهذا آمنّا آنذاك، وما نزال نؤمن بتحرير الوطن الفلسطيني رغم كل تراجعات الحاضر.
وبالعودة إلى ما قالته الفاضلة غادة السمان، وما أثارته بكلماتها القليلة من شجون وأحزن في واقع عالمنا العربي الحالي، هجرة الفلسطيني الممتدة منذ سبعة عقود، التي ما تزال حتى هذه اللحظة، وطبيعة النظرة إليه من أهله وإخوته العرب. المعاناة في مطارات العالم، لعدم قبول دولة دخوله إليها. المعاناة في مخيمات اللجوء، التي تفتقد إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية. طرد الفلسطينيين إلى الصحراء، كما حدث مع إخوتنا وأهلنا على الحدود المصرية الليبية، والحدود العراقية الأردنية، يعانون حرّ النهار وبرد الليل. منع الفلسطينيين من العمل في 72 مهنة في لبنان، ورغم حمل الفلسطيني في بعض الدول العربية لوثيقة سفر من هذه الدولة أو تلك، هو بحاجة إلى سمة دخول إليها، رغم أنها هي التي أصدرت الوثيقة.. كما معاناة العراقيين والسوريين. هذا هو واقعنا العربي للأسف.
بالفعل، نحن أمة أصبحت تشدّ أنظار العالم، بما تنتجه من أزمات، دون إظهار أية بوادر حقيقية لحلّها، لم يكن تنظيم «داعش» وحليفاته من المنظمات الإرهابية لتتمدد بمثل الحجم الذي نشهده، لولا وجود البيئة الحاضنة، ولولا التربية الخاطئة، إن في المناهج الدراسية أو في الدروس الدينية وفي الجوامع، ولولا الدعم الكبير من البعض العربي له. إن تدخلت الدول العربية في بلد عربي يعاني صراعات، فإنما تتدخل لا لحلّ الصراعات في هذا البلد، بل لتغذيتها. يعرف القارئ الكريم المعنى المقصود من هذا الرأي! ونتحدّى أن يواجه أحد هذه المسألة بحقائق معاكسة.
التشاؤل تلك الكلمة المأخوذة من المبدع الفلسطيني إميل حبيبي في «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» التي تعرف باختصاربـ»المتشائل» تلك الرواية الساخرة، التي تدور أحداثها حول سعيد أبي النحس المتشائل، وهو فلسطيني من عرب الداخل، في فترة الحكم العسكري الذي فرضته دولة الكيان الصهيوني على شعبنا الفلسطيني العربي الكنعاني اليبوسي في المنطقة المحتلة عام 1948. صوّر حبيبي بهذه الكلمة الجديدة حالة الاغتراب التي يعيشها أهلنا هناك، كلمة التشاؤل، التي تحمل معنيي التفاؤل والتشاؤم مندمجين. فإن حصل مكروه للمتشائل، فإنه يحمد الله على عدم حصول مكروه أكبر، أو كما شُرِحت الرواية: «خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي: من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبض روحي في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل». أقول هذا ردّا على تعليق الأخ العزيزخليل أبو رزق، المتابع الدائم لما أكتب، على مقالتي السابقة في «القدس العربي»، وقد فهم منها، أنني متشائل. إنني يا أخ خليل في هذه المرحلة متشائل، تحيتي ومحبتي لك ولكلّ القرّاء الأفاضل. ما زلت أؤمن تماماً بأن ما نمر به من معاناة ، لن يدوم، وأننا نحن من سيغير وجه المنطقة، متمثلاٍ المقولة الشكسبيرية «العبرة يالخواتيم».
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد