القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تزال صفحات الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 16 مايو/أيار مشتعلة بالمقالات والتعليقات العنيفة، دفاعا عن صلاح الدين الأيوبي، ضد الهجوم الذي شنه عليه الدكتور يوسف زيدان، ووصفه له بأنه أحقر شخصية في التاريخ الإسلامي.
كما لا تزال مشتعلة أيضا بسبب حديث وكيل وزارة الأوقاف السابق الدكتور الشيخ سالم عبد الجليل، الذي كفّر فيه أشقاءنا المسيحيين. كما كان هناك اهتمام واضح جدا من الأغلبية بالتعليمات الصارمة التي أعطاها الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة والجيش والشرطة والمحافظين، باسترداد أراضي الدولة المنهوبة، في ظرف أيام، وكان في قمة غضبه.
وبدأ الناس ينتظرون الإعلان عن أسماء الذين اغتصبوا الأراضي.
وفي الوقت نفسه واصلت الأغلبية الاهتمام بامتحانات الشهادة الاعدادية، والاستعدادات للثانوية العامة في الشهر المقبل، وكذلك وعود الحكومة بتوفير كل السلع في شهر رمضان.
لدرجة أن الرسام في «الأخبار» هاني شمس أخبرنا أمس أنه كان يسير في أحد الشوارع فشاهد رجلا يقول لصديقه: هانتقابل فين في رمضان؟ فقال له: أكيد في موائد الرحمن. وحدث اهتمام أيضا بالرسالة التي بعث بها مجلس الدولة إلى الرئيس، يخبره فيها اختياره المستشار يحيى الدكروري، النائب الأول لرئيس المجلس رئيسا له خلفا للمستشار محمد مسعود، الذي ستنتهي مدته في التاسع عشر من شهر يوليو/تمـــــوز المقبل، وانتظار رد فعل الرئيس على ذلك. وكذلك الأزمة في النادي الأهلي وإعلان المدير الفني للكرة حسام البدري أنه قرر عدم الرحيل عن النادي . وإلى ما لدينا من أخبار أخرى..
«المواطنون وحقوقهم»
ونبدأ بردود الأفعال على قول الرئيس السيسي إن مصر مش طابونة، ولابد من استعادة أراضي الدولة، حيث خصصت «الأهرام» تعليقها في الصفحة الثالثة لهذا الموضوع وقالت تحت عنوان «هيبة الدولة»: «لقد تحملت الدولة مليارات الجنيهات من أجل إصلاح البنية الأساسية والمرافق، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من صعوبات جمة، ومع ذلك رأينا بعض الجهات والأفراد يسارعون إلى نهب الأراضي، ولم يراعوا حرمة هذه الأراضي، ولم يخطر على بالهم أن الجهات الرقابية ستقف لهم بالمرصاد، وأنه سيتم إبلاغ الرئيس بالمخالفات، وأن الرئيس سيسارع إلى وضع موعد نهائي لإنهاء هذه التعديات، موعد لم يكن أشهرا أو سنوات، وإنما أيام قلائل، وفي هذا رسالة بالغة القوة لكل من تسول له نفسه بالتفكير في إعادة ما كانت عليه أراضي المصريين قبل سنوات، أي مستباحة ومباحة للبعض، بلا وجه حق. ولعل من الرسائل المهمة التي أطلقها الرئيس في تلك الاحتفالية، أنه لم يقسم باسترداد الأراضي من المتعدين لإعادة هيبة الدولة فقط، ولكنه أضاف كلمة في غاية الأهمية عندما قال إنه سيتم حل هذه المشكلة على مستوى مصر بالكامل خلال شهر، حتى تستعيد الدولة والمواطنون حقوقهم، وما نتوقف عنده هنا هو كلمة «المواطنون وحقوقهم» فهذه الأراضي كما أسلفنا هي ملك شعب مصر وأجياله المقبلة».
حقوق الغلابة
وفي «الأخبار» قال نقيب الصحافيين الأسبق جلال عارف في عموده اليومي «في الصميم» في الصفحة الأخيرة: «ما إن بدأ العمل في مشروع المليون ونصف المليون فدان، حتى بدأت تظهر حالات «وضع اليد» غير القانونية، ولعل هذا ما لفت الأنظار إلى عصابات «وضع اليد»، حيث الأمر كما قال الرئيس السيسي «ناس مش لاقية تاكل، وناس تمد إيديها بعشرة آلاف أو عشرين ألف فدان، وحيث كان القرار الحاسم: ولا فدان واحد دون وجه حق. وكان التوجيه أن يتم استرداد الأراضي المنهوبة قبل نهاية الشهر، وما نرجوه هو أن يكون القرار عاما وأن يشمل كل أنحاء مصر، وأن ينهي ظاهرة «نهب أرض مصر بوضع اليد» إلى الأبد، وأن يكون العمل في استصلاح أي أرض بموافقة مسبقة، وأن نتخلص تماما من عصابات الاستيلاء على أرض الدولة بالقوة، وبفساد محترف وبمصالحات تقوم على الاعتراف بحقوق لصوص الأراضي وإهدار «حقوق الغلابة» في هذا الوطن. الكارثة الآن أنهم يتصورون أن الدولة بسبب الظروف الاقتصادية ستخضع لشروطهم، وستحول «وضع اليد» إلى وضع شرعي لمئات الألوف من الأفدنة، التي تم الاستيلاء عليها بالقوة، والتي يمكن – بالفساد فقط – تحويلها إلى أرض تم إصلاحها زورا وبهتانا، فلنضع النهاية لكل هذا النهب غير المشروع لأراضي الدولة ولحقوق الغلابة».
«علم ولم يبلغ»
ونظل داخل مؤسسة أخبار اليوم ومع مجلة «آخر ساعة» التي قال رئيس تحريرها محمد عبد الحافظ: «ويجب أن لا تكتفي الدولة باسترداد الأراضي فقط، بل يجب أن تتم محاسبة من تكسب من وراء الأراضي، طوال فترة وضع اليد. وأن تسترد الدولة كل ما تم جنيه من أرباح خلال فترة الاستيلاء، وأن يتم الكشف عن كل الأسماء التي بحوزتها أراض أو أملاك أخرى تم الاستيلاء عليها بدون وجه حق. كما يجب الكشف أيضا عن أسماء المسؤولين الذين سهلوا عمليات الاستيلاء، أو سكتوا وغضوا البصر عن هذه الأراضي المستولى عليها، وأن يطبق عليهم، أقصد المسؤولين، حاليين كانوا أم سابقين، مبدأ علم ولم يبلغ، وقد يكون فتح هذا الملف هو المدخل الرئيسي لكشف فساد المحليات، الذي يتسبب دائما في كل الكوارث التي تحدث وهذا التكليف الرئاسي يجب أن ينفذه المحافظون ليس فقط على الذين وضعوا أيديهم على الأراضي الزراعية أو الصحراوية، أو أراضي البناء، لكنه من وجهة نظري يجب أن يمتد إلى المقاهي والمحلات ومعارض السيارات، التي وضعت أيديها على الأرصفة في كل شوارع مصر، وحرموا المشاة من السير آمنين على الرصيف، وأجبروهم على السير وسط السيارات في الشارع مربوطة بسلاسل ليحجزوا أماكن الانتظار لسياراتهم، وعلى أصحاب المراكب الذين احتلوا الكورنيش في كل المحافظات، وحظروا على المواطنين الغلابة، والأسر البسيطة أن تستمتع بالنيل».
معالجة الدولة مشكوك فيها
وفي صحيفة «المقال» شكك محمد زكي الشيمي في مقاله في الصفحة الأولى، في قدرة الدولة على تنفيذ تعليمات الرئيس وقال: «وإذا كان سعي الدولة لاسترداد أملاكها أو تقنين أوضاع واضعي اليد عليها، في مقابل سدادهم ثمنها، هو في النهاية جهد ضروري ومهم، إلا أن طريقة الدولة في معالجته مشكوك في مدي فاعليتها ومصداقيتها، لأنها لم تظهر لغة الحسم إلا في وقت متأخر للغاية. الرئيس السيسي أعطى واضعي اليد مهلة حتي نهاية هذا الشهر، وهناك تقارير مختلفة ترى أن مساحة الأراضي التي فيها تعديات على أملاك الدولة، تصل إلى 2 مليون فدان في المحافظات المختلفة، ورغم أن لجنة استرداد أراضي الدولة تعمل على هذا الملف منذ عامين، فإن ما تم التقدم بطلب تقنينه لا يغطي المساحات ككل أساسا، لخلاف أن الشروط التي وضعتها الدولة للتقنين لا تنطبق على كثير من الطلبات المقدمة، أو لا تنطبق على مساحات واسعة منها. كما أن فلسفة التصالح التي تسيطر على المنظومة، سواء أكانت في مخالفات البناء أو في التعديات ووضع اليد، يمكن التشكيك في جدواها، باعتبار أنها تشجع على اختراق القانون في انتظار التقنين في ما بعد، فلو أن الحكومة استطاعت بالفعل جدلا بسط سيطرتها على كل تلك المساحات التي لم يتم توفيق اوضاعها في نهاية هذا الشهر فهل هي قادرة على الحفاظ على ذلك الوضع واستمراره مستقبلا؟».
صلاح الدين الأيوبي
وإلى المعركة الناشبة دفاعا عن صلاح الدين الأيوبي، بعد أن هاجمه بعنف الدكتور يوسف زيدان، وقال عنه إنه أحقر شخصية في التاريخ الإنساني، وإنه عمل على قطع نسل الفاطميين في مصر، بإبعاد الرجال عن زوجاتهم، وفي حقيقة الأمر فهذه القضية قديمة في مصر وعمرها حوالي عشرين عاما، وكانت الحملة على صلاح الدين قد بدأها أحد أبرز الشيعة في مصر، وهو أستاذ المسالك البولية في جامعة المنصورة، الدكتور أحمد راسم النفيس، وذلك في مقالات كانت تنشرها مجلة «البداية» الأسبوعية، التي كان يصدرها حزب الوفد كل يوم اثنين ورأس تحريرها وقتها الدكتور وحيد عبد المجيد عندما كان عضوا في الهيئة العليا لحزب الوفد. هذه مقدمة قبل أن نقرأ في «الأسبوع» مقال الكاتبة نفيسة عبد الفتاح يوم الاثنين في الصفحة العاشرة وقولها: «ليست القضية أن الدكتور يوسف زيدان سب قائدا ورمزا له في قلوب الكثيرين مكانة عظيمة، فالقائد صلاح الدين الأيوبي لم يرتبط اسمه فقط بفيلم أخرجه يوسف شاهين، وإنما ارتبط اسمه بواحدة من اعظم المعارك، التي تم خوضها باسم الدين في التاريخ وهي معركة حطين، التي تم فيها استرداد القدس من أيدي الصليبيين الذين خاضوا حملات بدأت بدوافع دينية وانتهت بغير ذلك. ليست القضية أن مفكرا قام بمهاجمة بطل يمثل جزءا من ذاكرة الفخر لأمة تنمحي لديها الذاكرة يوما بعد يوم، أو أن صلاح الدين الأيوبي كزعيم وبطل حصد إنصافا من مستشرقين كثيرين، قبل أن ينصفه مؤرخون عرب. القضية أكبر من ذلك بكثير قصة صلاح الدين الأيوبي مع إنهاء الدولة الفاطمية والقضاء على التشيع في مصر، تركت ضغينة في نفوس بعض من يعتنقون المذهب الشيعي، حتى أن أشهر كتب المؤرخين في العصر الحديث، وهو كتاب المؤرخ اللبناني حسن الأمين ابن المرجع الشيعي محسن الأمين، ذكر أن صلاح الدين بعد معركة حطين وقع صلحا مع الصليبيين، ومنحهم بموجبة الساحل الممتد من حيفا حتى صور، مع أنه كان يمكنه متابعة القتال والتخلص منهم نهائيا. وقد أثار كتاب الأمين وقت صدوره، غضبا شديدا وانهالت الردود والتفنيدات التي تؤكد عدم صحة ما جاء به، واتهمه البعض بالطائفية، إضافة إلى اتهامات أخرى. وتضمن الكتاب إلصاقا بكل النقائض بصلاح الدين الأيوبي، ولم تخرج المقولات التي رددها الدكتور يوسف زيدان عما جاء في هذا الكتاب، ليصبح علينا أن نهيل التراب على معركة حطين، وأن نغفل أقوال مستشرقين بحثوا كثيرا في حقيقة هذا القائد، بل قدم معاصرون له من أعدائه رؤيتهم التي لا تخلو من إعجاب وتقدير».
صراع مذهبي ديني
وإلى «دستور» الاثنين ودراسة قيمة للدكتور محمود خليل، أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة لفت الانتباه إلى أن صراع صلاح الدين لم يكن ضد الشيعة كمذهب، إنما هو صراع نفوذ سياسي قال: «فجأة خرج صلاح الدين الأيوبي من رحم الكتب إلى شاشات الفضائيات، وأصبح موضوعا للجدل، بعد الطرح الذي قدمه الدكتور يوسف زيدان في حواره مع الإعلامي عمرو أديب، وقدم فيه رؤيته حول القائد المسلم الشهير، الذي أبلى بلاء حسنا في رد الهجمة الصليبية على ديار المسلمين. الاتهامات الأساسية التي دار حولها كلام زيدان تركزت على الدور الذي قام به الأيوبي، في إزالة المذهب الشيعي من مصر، بعد زوال الدولة الفاطمية، وبنى زيدان نقده على أمرين أولهما: ما وصفه بالجرائم الإنسانية التي ارتكبها صلاح الدين ضد الشيعة. وثانيهما: قطع النسل الفاطمي، أو بعبارة أخرى إحداث قطيعة معرفية بين الجيل الذي عاصر مرحلة التشيع الفاطمي، والمراحل التالية، في ظني أن زيدان جانبه التوفيق في أمرين وهو يصم صلاح الدين يوسف بن أيوب بـ»الحقارة» على ما فعل في الفاطميين، أولهما إهدار السياق الذي حكم المواجهات التي خاضها صلاح الدين، ضد بقايا العصر الفاطمي الذي كان مؤذنا بالزوال منذ عصر الخليفة المستنصر ووزيره بدر الجمالي. وثانيهما العبور على بقايا «ثقافة التشيع» التي تظهر في جنبات العقل المصري حتى يوم الناس، هذا الأمر الذي يؤشر إلى أن صراع صلاح الدين لم يكن مجرد صراع مع مذهب ديني، قدر ما كان صراعا على حكم طغى فيه الوجه السياسي على الوجه الديني. وعكس رغبة من جانب ملوك بنى أيوب للتدثر بالخلافة السنية العباسية، لأهداف سياسية. قتل صلاح الدين من الشيعة الكثير، لكنهم أيضا، كانوا حريصين على قتله، وحاولوا ذلك ولم يفلحوا. صادر كتب الشيعة واستبعد قضاتهم، ليس من منطلق معاداة المذهب، بل من منظور حاكم يريد أن ينشئ دولة قوية على أساس أيديولوجي مختلف، يستطيع أن يجعلها منصة انطلاق في مواجهته التاريخية للصليبيين، في وقت كان يستعين فيه الشيعة من أنصار الدولة الفاطمية بالصليبيين، من أجل القضاء على صلاح الدين واسترداد الحكم، حتى لو أدى ذلك إلى احتلال البلاد عقب الإعلان الرسمي عن عودة مصر إلى المذهب السني (567 هـ) بعد أكثر من قرنين من التشيع، وترحيب المصريين بالأمر لم تتوقف مؤامرات من تبقى من الشيعة ضد صلاح الدين، وكان أبرز هذه المؤامرات «مؤامرة سنة 569 هـ» التي قادتها جماعة ممن أرادوا الوثوب على ملك صلاح الدين من أصحاب الخلفاء العلويين، وسبب ذلك – كما يحكي ابن الأثير- «أن جماعة من شيعة العلويين وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم من السودان وحاشية القصر ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية، ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد، فإذا قصدوا البلاد فإن خرج صلاح الدين إليهم بنفسه ثاروا هم في القاهرة ومصر وأعادوا الدولة العلوية، وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عنه، فلا يبقى له مقام مقابل الفرنج، وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به وأخذوه أخذا باليد، لعدم وجود الناصر له والمساعد». تؤشر هذه القصة إلى أن الشيعة العلويين لم يتركوا بابا إلا طرقوه من أجل القضاء على صلاح الدين، وبلغ بهم الأمر حد الاستعانة بالعدو، بدون اكتراث بخيانة الأمة من أجل الوصول إلى الحكم، اتصل المتآمرون بالفرنجة وبذلوا لهم المال، بل الأرض أيضا مقابل دعم مؤامرتهم ضد صلاح الدين، ولم يحبط هذه المؤامرة الكبرى سوى اختلاف الشركاء على المناصب، قبل أن يصلوا إلى الحكم فعلم أمرهم أحد الوعاظ «ابن نجية» فأبلغ به صلاح الدين فقبض على المتآمرين وأمر بصلبهم، لم يجد المتآمرون الشيعة ضد صلاح الدين أي مساندة شعبية، بعد أن نجح الملك الناصر في إرضاء المصريين وتحسين أحوالهم المعيشية، بعد سنين طويلة عانوا فيها المجاعات، وكان أشدها عليهم «المجاعة المستنصرية». وبرز في هذا السياق القرار الذي اتخذه صلاح الدين بإسقاط المكوس والضرائب عن أهل مصر».
سلبيات وإيجابيات
وأمس الثلاثاء وفي الصفحة الحادية عشرة من «الوطن» دافع الداعية الإسلامي ناجح إبراهيم في مقال له عن صلاح الدين استنادا إلى شهادات المؤرخين الأجانب عنه قال: «يقول المؤرخ البريطاني هاملتون جب، يشكل عهد صلاح الدين أكثر من مجرد حادثة عابرة في تاريخ الحروب الصليبية، فهو يمثل إحدى تلك اللحظات النادرة والمثيرة في التاريخ البشري.
أما المؤرخ إدوارد جيبون فيمتدحه قائلا: كان متواضعا لا يعرف البذخ ولا يرتدي إلا العباءة المصنوعة من الصوف الخشن، ولم يعرف إلا الماء شربا، وكان متدينا قولا وفعلا. أما المؤرخ الفرنسي كلود فيرى، أن صلاح الدين كان الشخصية الشعبية الأكثر تقديرا لدى عامة المسلمين، خلال عصر الحروب الصليبية. المؤرخ البيزنطى نيكتاس خونياتس الذي شاهد بأم عينيه سقوط القدس في يد الصليبيين، وما فعلوه بهذه المدينة العريقة من سلب ونهب وهتك أعراض نسائها، حتى راهبات الأديرة لم يسلمن من هذا الفعل الفظيع هذا المؤرخ، حين يتحدث عن صلاح الدين ودخوله على رأس المسلمين القدس، تختلف نبرته وتعتدل لهجته ويقول، «المسلمون أكثر رحمة من الصليبيين، فعندما استعادوا بيت المقدس عاملوا اللاتين بلطف ورقة وحافظوا على حريمهم، ولم ينتهكوه ولم يدنسوا على الإطلاق قبر المسيح، وحرصوا على عدم دفن موتاهم بجواره.
ويقول عنه المؤرخ الإنكليزي رونيسمان لم يكن صلاح الدين مثل ملوك الصليبيين، لم يتراجع عن كلمته مطلقا مع أي شخص، بغض النظر عن ديانته وكان دائما مجاملا كريما رحيما، حينما يكون منتصرا، وكان قاضيا عادلا متساهلا.
هكذا اعترف الغرب بفروسية وشجاعة صلاح الدين، وأن أخلاقه تفوق أخلاق فرسان أوروبا، الذين قتلوا آلاف النساء والأطفال المسلمين وغدروا بهم، بعد تسليم المدن بشرط عدم التعرض للأهالي، وسلبوا قوافل الحجيج وقتلوهم، ولكن في بلادنا الحزينة، ما زال البعض يستمتع بالتبول في بئر زمزم بين الحين والآخر، طلبا للشهرة والجوائز، لم نتخيل يوما أن يقال «المسجد الأقصى في الطائف وليس في القدس»، أو أن يسب صلاح الدين سبا مقذعا لا يتفوهه العلماء، المسجد الأقصى وهم وصلاح الدين خرافة، والبخاري أكذوبة وتاريخنا مزور، حتى الذي عشناه وكابدناه، يريدون تزويره، لو أن حاكما عربيا اليوم أنجز واحدا في المئة مما أنجزه صلاح الدين لحولناه إلى قديس.
صلاح الدين لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان حاكما زاهدا ورعا لم يعش في القصور، ولا مات عن المليارات كأصغر حكام العرب، فهو لم يترك أي أموال أو قصور أو ضياع يملكها، رغم أنه كان يحكم إمبراطورية تمتد من مصر والشام والحجاز واليمن.
وهل يتصور صاحبنا أن الدولة الفاطمية دخلت مصر بأغصان الزيتون، لقد دخلتها بجيوش جرارة وقتلت من أهلها وجيشها الكثير، واستلبت حكمها عنوة وفرضت المذهب الإسماعيلي الشيعي بالحديد والنار. الفاطميون دخلوا مصر بالقوة وصلاح الدين لم يفعل. صلاح الدين أراد أن يقيم دولة تتوافق مع السواد الأعظم للمسلمين، ولذلك قاوم كل محاولات الانقلاب المسلح عليه في وقت حرج، يحارب فيه الصليبيون التمرد المسلح لا يواجه إلا بالسلاح، لا مزاح في بناء الدول وكان لا بد من تطهير الجبهة الداخلية، قبل التفرغ لتوحيد مصر والشام لمحاربة الصليبيين وتحرير القدس.
صلاح الدين لم يحرق مكتبة القصر، وإنما أزال منها كل الكتب التي كانت تنضح الغلو والتطرف ضد الصحابة، وتمجد مذهب الإسماعيلية، وهو مذهب الحشاشين المعروفين بالغدر والخيانة والاغتيال. حقائق التاريخ تقول: تقييم أي حاكم يخضع لمعطيات عصره وزمانه وبحسناته وسلبياته، وحسنات صلاح الدين كالنهر الجارف».
طاس الخضة
وإذا كان ناجح استشهد بالمؤرخين الأجانب، فإن أنور عبد اللطيف «الأهرام» في مقال له أمس الثلاثاء في الصفحة العاشرة عنوانه «شيخ العروبة وأدب الخلاف مع الناصر صلاح الدين» استشهد بمحاضرة للباحث المحقق أحمد زكي باشا، الذي مرّت أول على ميلاده مئة وخمسون سنة، عن صلاح الدين قال عنه: «يوسف نجم الدين أيوب الشهير بالناصر صلاح الدين، التي أُهدي نصها اليوم للدكتور يوسف زيدان، ليتعلم من «شيخ العروبة» كيف يتعامل مع تاريخ أمته باحترام، حتى لو لم يقتنع به، كانت محاضرة أحمد زكي باشا عن طاس الخضة المنسوب إلى صلاح الدين الموجود حتى الآن في ريف مصر، ويشاع عنه أنه يشفي من لدغ الحية والعقرب والحمى، ويزيل إصابة العين وإذا حملته العانس تزوجت، ويخفف جميع الأمراض إلا المـــــــوت، وقد غصـــت القاعة نفسها بالحاضرين من العلماء والأدباء «يتقدمهم صاحب الدولة كبير الوزراء رشدي باشا بمناسبة عثور العلامة المحقق على هذا الطاس في الكنيسة القبطية المعلقة في مصر العتيقة، ولم يقل الباشا العالم عن صلاح الدين، ما قاله يوسف زيدان إنه «من أحقر الشخصيات في التاريخ» لكن العالم والبحاثة الحقيقي قال: «هي طاس من النحاس مثقوب الجوانب، والذين تتوافر عندهم يتكرمون بها على الناس تخفيفا لأوجاعهم» وحرصا منه على ألا يجرح مشاعر المؤمنين به، قدم تفسيرا علميا مؤداه «أن أكسيد المعدن الناتج عن صدأ المفاتيح الذي يغمره الماء، هو الذي يؤثر على المرضى المتعاطين لهذا الدواء العجيب»، لكن «الباشا المحاضر» تحدث عن القيمة التاريخية للطاس الذى استعاره من الكنيسة المعلقة، واستطاع أن يفك بعض رموز الكتابات المنقوشة عليه وهى «بسم الله الرحمن الرحيم مكررة خمس مرات على رؤوس الآيات القرآنية الثماني «وقد فسر العلامة سر وجود هذا الطاس الذي يرجع إلى عصر صلاح الدين الأيوبي في الكنيسة فقال: إذا عدنا إلى سيرة هذا القائد المظفر نجد أنه كان يظهر نحو الأوروبيين الكثير من العطف، دون أن يميز بين مذهب ودين في حسن المعاملة والمساواة، لأنه كان عارفا بأصول دينه متبعا أحكامه يحمى جميع الذين يخالفونه في العقيدة، ولم يكن يتخذ اختلاف العقائد سببا لاضطهاد الذين لا يؤمنون بالله، بل كان يحكم بالعدل بين جميع الناس، بدون ميل أو انحراف لذلك أحب القبط هذا الملك العظيم الذي حماهم ورعاهم وعرفوا بظله أيام السعادة والهناء، وأي دليل على ذلك أكثر من وضع صورته إلى جانب آنيتهم المقدسة؟ كما استشهد العلامة أحمد زكي في محاضرته بكتاب روسي نشر صورة لصلاح الدين جاء بها من أحد الأديرة القبطية، كما أن صلاح الدين ترك لنا عملات عليها صورته، وفى المتحف الإنكليزى نماذج منها وقد كتب عليها «قسيم أمير المؤمنين» وكان هذا اللقب يطلق على حكام مصر باعتبارهم كانوا يتقاسمون السلطة مع خليــفة المسلمين، وكان الأوروبيون يعتبرون صلاح الدين طبيبا يداوي أعداءه ويبعث بأطبائه إلى معسكراتهم لمعالجة مرضاهم، وأن نسب الطاس لصلاح الدين تتسق مع هذه النظرة.
والطريف أن أهم الانتقادات التي وجهت لمحاضرة العلامة أحمد زكي باشا عن صلاح الدين والتي نشرتها «الأهرام» 3 إبريل/نيسان عام 1916 وجمعها الدكتور يونان لبيب رزق في كتابه «الأهرام ديوان الحياة المعاصرة» تركزت حول اثنين ـ من الذين شملهم يوسف زيدان بشتائمه ـ هل هو الظاهر ركن الدين بيبرس المملوكي؟ أم صلاح الدين الأيوبي الذي شاع أن لقبه كان «محيي دولة أمير المؤمنين» وهي العبارة الموجودة حتى الآن على أحد أسوارالقلعة التي أمر بإنشائها في المحروسة «مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين».
كما أن هذا اللقب أيضا موجود ضمن نص على جدران مدرسة بالقدس الشريف يقول «هذه المدرسة المباركة وقفها مولانا الملك الناصر صلاح الدين والدنيا، سلطان الإسلام والمسلمين المظفر يوسف ابن أيوب ابن شادي محيي دولة أمير المؤمنين أعز الله أنصاره وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة»، رغم أنف يوسف زيدان وكل المنتفعين بالهجوم على محرر القدس الوحيد».
تكفير المسيحيين
وإلى معركة تكفير أشقائنا المسيحيين التي أطلقها وكيل وزارة الأوقاف السابق الدكتور الشيخ سالم عبد الجليل، حيث قام خالد رزق في «الأخبار» يوم الاثنين بالدفاع عنه ضد مهاجميه في بابه «مشوار» بقوله عنه: «وكأنما كان شعبنا الطيب بحاجة إلى الكلام الذي قاله فضيلة الشيخ سالم عبد الجليل، ليدركوا ما هو معروف بالضرورة لدى كل مسلم وكل مسيحي، طبيعي من أن الانتماء لأي من الديانتين يفرض على صاحب الانتماء للدين الواحد منهما ـ بالأقل ـ الاعتقاد بأن صاحب المعتقد الآخر مآله النار، وهو ما يعني ببساطة أن الآخر هو وبالحتمية الدينية كافر يستوي في ذلك الحال أكان هذا الآخر مسلما أم مسيحيا. أتصور أن الأزمة التي أثيرت بعد تفسير الشيخ سالم عبد الجليل لآية من آيات القرآن، والموقف الذي اتخذته وزارة الأوقاف بمنعه من الخطابة ومطالبته بالاعتذار، هي أزمة افتعلها من لا يفكرون بالأساس فكيف يطلب من رجل دين أن يتراجع عن تفسير آية، وأن يبدل في ما يعتقد بأنه حكم الله رب العالمين، ولماذا في الأساس إذا كان الرجل لم يقل بغير ما بين أيدينا من الكتاب؟ ولماذا وأنت أن سألت أي قس وأي مسيحي، هل يعترف بالإسلام وبنبي الإسلام لأجابك بكلمة واحدة أنه لا يعترف أبدا، فالذي قاله الشيخ ليس تهمة وسبقه إليه وبكلام عكسي نيافة الأنبا مرقس، في حوار تلفزيوني جمعه والشيخ الحبيب علي الجفري، إذ قال نصا بكفر المسلمين، وهو ما يعني بأننا أمام إقرارات دينية متبادلة من رجال الدين وأخيرا نحن بحاجة لأن نتخلي عن حساسيتنا ولأن نبتعد عن النفاق فبذلك وحده نؤمن مجتمعنا وسلامنا الاجتماعي، والصحيح أننا، نحن المصريين» وبعد أن اكتشفنا فجأة أننا كفار جميعا علينا أن نتعايش فقط كبشر كمواطنين نشكل مجتمعا واحدا لبلد واحد ليس لنا غيره وليحتفظ كل بدينه، وبما يعتقد لنفسه يمارس طقوسه وشعائره كما يشاء طالما هو يحترم حق الآخر بالاعتقاد».
شركاء متساوون
لكن ما قاله خالد خالفه فيه في «الأهرام» محمد إبراهيم الدسوقي في اليوم نفسه بقوله في مقال له عنوانه «إنها الحماقة»: «تربى المصريون الطبيعيون الذين لم يخضعوا لعمليات غسيل دماغ على أن المسلمين والمسيحيين يشكلان جناحي الوطن، وأنهما شركاء متساوون في الحقوق والواجبات دون نقصان أو تمييز، فكيف يستقيم الحال وأنت تكفر شريكك الذي أصدرت فرمانا أميريا بإلغائه وإسقاطه من الحسبة كلية، ألن يختل الميزان دون شك سيختل وبشدة ولن يجدي لإعادته لوضعه السليم بيان اعتذار وتبرير لا يُقدم ولا يُؤخر، فالطلقة خرجت من المسدس ولن ترتد إليه، والضرر واقع لا محالة إن كنت ترى في المسيحية كفرا، فأنت تعطي مشروعية لاستهداف معتنقيها واستباحة دور عبادتهم وبيوتهم وأموالهم، وهو ما يدعو إليه حرفيا تنظيم «داعش» الإرهابي، وبقية التنظيمات الإجرامية الأخرى، التي تستسهل تكفير الآخر بلا وازع ولا رادع، بمَن فيهم الذين ينطقون بالشهادتين، وقد يترتب على ذلك أن عامة الناس غير المتفقهين في الدين والجهلاء والأميين سيتعاطفون مع دعوات «داعش» ومعاملة المسيحيين بخشونة وصلف، وهو ما سيزيد من الاحتقانات المجتمعية بلا مبرر وتضاؤل الثقة المتبادلة ولكي ترمم الثقوب الحادثة في جدار الوحدة الوطنية جراء هذه الأفعال الرعناء يلزمك وقت وجهد ومثابرة».
حسنين كروم