غزة ـ «القدس العربي»: عملا بالمثل القائل «تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن» انفجر الخلاف على نحو أكبر مما هو عليه بين حركتي فتح وحماس، بعد أن صدر أمر قضائي من محكمة العدل العليا بإجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية دون قطاع غزة، لعدم قانونية الأوضاع الإدارية والقانونية في القطاع، الذي يخضع لسلطات حركة حماس، وما تلاه من قرار للحكومة أوقف بموجبه إجراء الانتخابات مؤقتا في الضفة، لحين يتم إجراؤها في كل مناطق الوطن، فتصاعد الخلاف بين الطرفين، بشكل أوحى أن التنافس بينهما كان سياسيا، وليس على مجالس خدماتية، بعدما عقد الجميع آمالا على أن تكون هذه الانتخابات مقدمة لتجديد الشرعيات بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بعد غياب دام أكثر من عشر سنوات.
بداية الأزمة التي كان الجميع يطمح أن لا تقع، لتزيد من حجم الخلاف المتفاقم بين طرفي الانقسام، فتح وحماس، كانت من خلال دعوة قضائية رفعها محامون أمام محكمة العدل العليا، طالبوا بوقف إجراء الانتخابات المحلية بشكل كامل، لعدم شمولها مدينة القدس، وبسبب الاحتجاج على «الشكل الإداري» في غزة، ولاعتراضهم على عدم وجود محاكم شرعية، فأمرت المحكمة في بداية الجلسات التي عقدتها لمناقشة الدعوى، بتجميد العملية الانتخابية للمجالس المحلية، قبل أن تأمر يوم الثالث من الشهر الجاري، بقبول نصف الدعوة، من خلال إقرار إجرائها في الضفة دون مدينة القدس، ووقفها في غزة، لعدم وجود شكل قانوني صحيح، خلافا لما توافقت عليه الفصائل الفلسطينية في «ميثاق الشرف» وبسبب اعتراض حركة فتح، الذي تلا قبول محاكم غزة الطعن على خمس قوائم انتخابية للحركة، بعد قبول لجنة الانتخابات الطعون على أربع قوائم أخرى.
محكمة العدل العليا، طالبت في قرارها الحكومة باتخاذ الخطوات اللازمة لإجراء الانتخابات في قطاع غزة، بعد تحسين البيئة القانونية، هو أمر يعتبر بعيد المنال في ظل استمرار الانقسام الذي كان الجميع يعتبر الانتخابات المحلية لبنته الأولى.
وبما يشير إلى إمكانية اتساع الأزمة، فإن وقوعها جاء في ظل جمود الاتصالات بين الطرفين، وعدم وجود أي وساطات للاتفاق على حل نقاط الخلاف بين المتخاصمين، من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية.
ففي الفترة السابقة نفت حركة حماس ما رددته حركة فتح، بوجود جهود قطرية من أجل جمع الطرفين على طاولة الحوار من جديد لتجاوز أزمة الانقسام، والاتفاق على حكومة وحدة جديدة، حيث بادرت حركة حماس فور صدور القرار القضائي، بالتحذير من انعكاساته على ملف المصالحة والوضع الفلسطيني بشكل كامل، بعدما رفضت القرار الذي انتقص من وضع المحاكم التي شكلتها بعد سيطرتها على غزة، وظلت قائمة بعد تشكيل حكومة التوافق الوطني.
وأكد الدكتور خليل الحية عضو المكتب السياسي لحركة حماس أن فشل الانتخابات المحلية يؤثر على مجريات المصالحة، ويثبت للجميع أن فتح لا تؤمن بالشراكة أو الانتخابات.
وفي تطورات الملف وفي خطوة فهم أن الهدف منها تخفيف الاحتقان، أعلن مجلس الوزراء، بالتشاور والتنسيق الكامل مع الرئيس محمود عباس، تأجيل إجراء انتخابات الهيئات المحلية في كافة أرجاء الوطن لمدة أربعة أشهر، على أن يتم العمل خلال هذه الفترة على توفير البيئة القانونية والقضائية الملائمة لضمان إجرائها في كافة المجالس المحلية الفلسطينية في يوم واحد.
وقرر المجلس تكليف وزير الحكم المحلي اتخاذ الإجراءات اللازمة للتنسيب لمجلس الوزراء بتعيين لجان لتسيير الأعمال في المجالس المحلية، نظرا لاستقالة عدد كبير من رؤساء وأعضاء مجالس الهيئات المحلية بهدف الترشح للانتخابات.
وقال مجلس الوزراء إن قراره هذا، جاء التزاما من الحكومة بالمصلحة العليا للشعب الفلسطيني ووحدته، وحرصا على تماسك بنيان المجتمع الفلسطيني ومستقبله، بما يليق بتضحيات الشعب والشهداء الأبرار والأسرى البواسل، وانطلاقا من إيماننا بوحدة الوطن والأرض والشعب، ودولتنا الفلسطينية الواحدة التي لا تقبل القسمة والتقسيم وعاصمتها القدس الشريف.
وتلا ذلك أن رحبت لجنة الانتخابات المركزية بقرار مجلس الوزراء بتأجيل الانتخابات المحلية في جميع المحافظات حفاظاً على وحدة الوطن.
واعتبرت أن القرار يأتي منسجماً مع توصياتها بتأجيل العملية برمتها مؤقتاً، بدلاً من استكمال إجرائها في الضفة الغربية فقط، والذي كان من شأنه تعميق الانقسام بين شطري الوطن ما يضر بالمصلحة العامة للشعب الفلسطيني.
وقالت اللجنة إنها تأمل أن يتم استئناف العملية الانتخابية في أقرب وقت ممكن في جميع الأراضي الفلسطينية وفي يوم واحد، بما يخدم طموحات ومصالح الشعب.
لكن رغم الطلب باستئناف العملية الانتخابية قريبا، أعلنت لجنة الانتخابات إلغاء كل الترتيبات السابقة التي قطعتها خلال التحضير، بما يعني أنها لو بدأت مجددا فستعود من نقطة الصفر، ودعت القوائم المتنافسة لتسلم المبالغ المالية التي دفعتها، وهو أمر جاء مخالفا لمطلب حماس بإجراء الانتخابات سريعا من حيث انتهت.
ولم تلتفت حماس بعد قرار المحكمة إلى قرار الحكومة الذي جاء من أجل التخفيف من حدة الأزمة، وشنت هجوما على خصمها السياسي فتح والقضاء الفلسطيني في الضفة الغربية.
وطالبت الحركة في اليوم التالي لقرار المحكمة، باستكمال عملية إجراء الانتخابات المحلية، من حيث توقفت الإجراءات.
وقال سامي أبو زهري، الناطق باسم الحركة أن حماس تؤكد رفضها لهذا القرار، لأن محكمة العدل العليا «غير مختصة بالطعون الانتخابية».
ورفضت الحركة أي مساس بشرعية المؤسسات القائمة في غزة، ونوهت إلى أن حديث حركة فتح عن الشرعيات يستدعي البحث أولاً في مدى شرعية الحكومة التي لم تعرض حسب القانون على المجلس التشريعي، ومدى شرعية الرئيس محمود عباس بعد انتهاء مدة ولايته القانونية، وهو ما من شأنه أن يفجر خلافا جديدا بين الطرفين، يقوم على أساس «الشرعية الحقيقية».
ورفضت الحركة كذلك الطعن ضد محاكم غزة، من ناحية وجود «فراغ قانوني» وأكدت في المؤتمر الصحافي أن المحاكم تعمل بشكل منتظم في القطاع، وأن نقابة المحامين وجميع أعضائها يترافعون يومياً أمام قضاة هذه المحاكم.
حماس كذلك زادت من انتقادها للمحكمة وحركة فتح، وأوضحت أن قبول المحكمة العليا استكمال العملية الانتخابية في الضفة بدون القدس رغم أن الحجة الرئيسية في الطعن على العملية الانتخابية كانت عدم إجرائها في مدينة القدس يؤكد أن هذه المحكمة «مسيسة» وأن ورقة القدس استخدمت كـ «ذريعة لتعطيل الانتخابات في غزة» وحملت خصمها فتح المسؤولية الكاملة عن هذه القرارات، واتهمتها بتوظيف «أدوات مسيسة وعدم احترامها للقوانين وتخصصات المحاكم وقرارات لجنة الانتخابات وميثاق الشرف الفصائلي».
وقالت أن ما جرى يثبت تهرب حركة فتح، من الاستحقاق الانتخابي، ومحاولة لتزوير إرادة الشارع الفلسطيني، مشددة على أنها لن تقبل باستمرار هذا التفرد والعبث في العملية الديمقراطية.
حركة فتح من جهتها أكدت على لسان عضو اللجنة المركزية الدكتور جمال محيسن بعد صدور القرار القضائي، على ضرورة إجراء انتخابات المجالس البلدية والمحلية في جميع أنحاء الوطن، تحت إشراف الحكومة ومؤسساتها الشرعية الرسمية وتحت سلطة القانون منعا لتكريس الانقسام.
وطالب القيادي البارز في حركة فتح في تصريحات نقلها موقع الحركة الإعلامي، تهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات وفق القانون الفلسطيني وسلطاته القضائية الرسمية لمنع تكريس الانقسام، وقال وهو يؤكد على قرار المحكمة العليا، بعدم شرعية القضاء في غزة، أنه يجب ترتيب الأوضاع الداخلية في المجتمع الفلسطيني لإجراء انتخابات كاملة في فلسطين، والوصول إلى اتفاق مع حماس لتكون هناك محكمة واحدة في الضفة والقطاع تابعة للشرعية الفلسطينية، وأن يكون المشرفون عليها من كل المستويات تابعين للسلطة والحكومة الفلسطينية.
وحمل محيسن حماس المسؤولية كاملة عن تعطيل الانتخابات، حال إصرارها على العمل في محاكمها وأجهزتها التي وصفها بـ «اللاشرعية».
وألقى الكرة في ملعب حماس، وقال أن قرار إنهاء الانقسام بيد قيادتها، وأنه يبدأ بالتراجع عن انقلابها عام 2007، معربا عن قناعته بأن الانتخابات البلدية قبل تراجع حماس عن انقلابها «ليست الحل لإنهاء الانقسام».
محيسن أعرب عن قناعته بفوز حركة فتح في الانتخابات في قطاع غزة لو أجريت، وقال «لولا عقبات حماس في قطاع غزة، ستكون غالبية الأصوات لحركة فتح». وأضاف» نعتقد أن حماس لا تريد فقدان السيطرة على البلديات ونراهم سعداء بعدم إجراء الانتخابات في القطاع».
والغريب في كم الاتهامات المتبادلة بين فتح وحماس، لا يوحي بأن الطرفين كانا يستعدان لخوض انتخابات بلدية للسلطات المحلية، هدفها الأول تقديم خدمات للمواطنين، بعيدا عن العمل السياسي، بما يشير إلى أنهما كانا يريدان من هذه الانتخابات ان تقدم الخدمات لجمهور الناخبين، لتكون جسرا لمرورهما من جديد لتحقيق نجاحات في الانتخابات التشريعية التي تحمل برامج سياسية مختلفة، وفي الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، خاصة وأن هذه الانتخابات التي استعد لها الطرفان جديا، كانت ستكون مقياسا لقوة الطرفين في الشارع.
والمعروف أن حركتي فتح وحماس كانتا تناقشان فقط إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، دون التطرق للانتخابات الخدماتية.
ولوحظ أن الطرفين استعدا لتجربة التنافس الانتخابي الذي يغيب منذ أكثر من عشر سنوات، من خلال الانتخابات البلدية الملغاة، باختيار مرشحين من الكفاءات، وباعتماد برامج خدماتية لجلب الناخبين، في مسعى لتحقيق فوز عريض، يكون مقياسا حقيقيا لمدى قوتها في الشارع، استعدادا للانتخابات السياسية.
يشار إلى أن آخر انتخابات شاركت فيها الحركتان كانت في العام 2006 حين أجريت الانتخابات التشريعية وقبلها بعام الانتخابات البلدية.
ولم تشارك حماس في الانتخابات البلدية التي أجريت في العام 2012، وشملت هيئات محلية في الضفة فقط دون غزة، حيث منعت الحركة إجراءها في غزة.
أشرف الهور