احتارت الصحف «الإسرائيلية» في وصف لقاء القمة بين نتنياهو وترامب، فمن تسميته بـ»قمة الأحلام»، كما أطلق عليه القيادي في حزب الليكود والوزير بلا وزارة، وأحد المقربين جدا من نتنياهو، تساحي هنيغبي، إلى قمة «الأمل»، كما سمته «معاريف» (الاثنين 13 فبراير) إلى اصطلاحات أخرى شبيهة، تتناقض مع الجوهر الفاشي للحليفين الصهيونيين الشيطانين.
نتنياهو وفي غزوة لواشنطن، بدا في غاية التفاؤل والعنجهية، التي انعكست من بين كلمات تصريحه الناطق بالغرور»أنا من سيوجه دفة المباحثات في واشنطن» (معاريف، يديعوت أحرونوت، الثلاثاء 14 فبراير). نتنياهو الذي يبدو كالطاووس في اختياله، يشعر بالسعادة في داخله، إن بانتزاع مكتسبات قد لا يتوقعها مراقب، من الرئيس الشعبوي والغرائبي دونالد ترامب، أو من حيث قوة تأثيره وتأثير كيانه واللوبي الصهيوني، والآخر الصهيو – مسيحي على القرار الأمريكي، كما تأثير ذلك وتداعياته الإيجابية على التهم الموجه إليه في القضايا 1000، 2000، 3000 في الكيان، سواء في التخفيف من حدة الاتهامات أولا، أو في حرف الأنظار عنها من قبل الإعلام الصهيوني، لصالح ما سيحققه من مكاسب لكيانه، من رئيس يتفاخر بصهره وحفيده اليهوديين، وحجم عشقه لـ»إسرائيل».
قبل أيام من زيارة نتنياهولأمريكا ولقائه ترامب، كشفت صحيفة «هآرتس» كواليس ما يدار في السر بين تل أبيب وواشنطن قبل الزيارة المرتقبة، وذكرت أن رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، يعقوب نيجل، قاما بزيارة سرية إلى واشنطن قبل أسبوعين، واجتمعا خلالها بكبار المستشارين لدى الرئيس الأمريكي الجديد، من أجل مواصلة تنسيق السياسة بين البلدين. كانت تلك هي المرة الثانية، التي يلتقى فيها كوهين ونيجل مع مستشاري ترامب منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية، حيث كانت الأولى في بداية شهر ديسمبر 2016 والثانية قبل عدة أيام من تسلم ترامب لمنصبه.
كما أوضحت الصحيفة، أن المحادثات التي أجراها كوهين ونيجل مع المسؤولين الأمريكيين، ركزت على الملف النووي الإيراني وكيفية مواجهة طموح طهران وتهديداتها، بالإضافة لمناقشة الوضع السوري بشكل خاص. كما تطرق الجانبان إلى الملف الإسرائيلي – الفلسطيني، وملف الاستيطان في الأراضى الفلسطينية المحتلة، وكيفية توسيع المستوطنات في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة.
نتنياهو وقبيل سفره إلى واشنطن، كان كمن يسافر ماشيا من قرية صغيرة إلى مدينة بعيدة، في بداية القرن التاسع عشر، يوصيه معارفه بطلبات لسلع كثيرة. مع اختلاف الطلبات، فهو وجد في حكومته، وفي صفوف اليمين الاستيطاني من يحرص على الظهور بالأكثر منه تطرفا، ويطلب منه أن يمتنع عن بحث «حل الدولتين» مع ترامب، وتجنّب ذكر «دولة فلسطين»، كما طالبه بذلك زعيم حزب البيت اليهودي العنصري الفاشي نفتالي بينيت، الذي توقّع أن «الأرض ستهتز» إذا تطرقا إلى موضوع الدولة الفلسطينية. كما ذكّرته وزيرة العدل ايليت شكيد، أن الحزب الجمهوري الامريكي كان قد شطب من برنامجه، البند الذي ينص على إقامة دولة فلسطينية، وأنه لا داعي للحكومة في «إسرائيل» أن تُدخل هذا البند في المفاوضات من جديد. نائبته في منصبه كوزير للخارجية، وهي الغاية في العنصرية والتطرف تسيبي حوطوبلي، دعته إلى تطبيق السيادة «الاسرائيلية» على الضفة الغربية، وإنه يمكن البدء بالمستوطنات المحيطة بالقدس، ومن ثم باقي المستوطنات، حيث هناك نصف مليون يهودي، يطالبون بتطبيق القانون «الاسرائيلي» عليهم، وليس قوانين الادارة المدنية والحكم العسكري، مثلما هو معمول به حاليا.
حرصَ نتنياهو على القول، بأنه سيسعى مع الرئيس ترامب إلى التأكيد على أهمية أمن «اسرائيل»، وتقوية العلاقات مع الولايات المتحدة، وتعزيز المصالح الوطنية الاخرى. هذا بالمفهوم العام، لكن رئيس الوزراء الصهيوني سيحرص، على إفهام مضيفه الأمريكي، بأن للكيان دورا محوريا في المنطقة، إن بالمزيد من تحريض ترامب على إلغاء الاتفاق النووي الموقع بين إيران وبين مجموعة دول 5+1، وعلى تبني الرؤية الإسرائيلية للصراع في سوريا، وعلى نقل السفارة الأمريكية في الكيان إلى القدس، وتأكيد تأييد الولايات المتحدة للاستيطان، وإلغاء حل الدولتين، كما إعطاء»إسرائيل»، الضوء الأخضر للتحرك في المنطقة العربية وعموما في الإقليم، إضافة إلى محاولة حماية الكيان سياسيا في الأمم المتحدة ومختلف الهيئات الدولية، وإلغاء قرار مجلس الأمن 2334 الأخير حول الاستيطان، كما تزويد امريكا لدولة لكيان بأحدث ما في الترسانة الامريكية من أسلحة.
لا نعتقد أن ترامب سيضع عراقيل حقيقية أمام طلبات نتنياهو بشكل عام، إلّا من حيث توقيت الاستجابة لكل طلب، وفقا لما يطلب منه الحاكم الفعلي للولايات المتحدة (الذي تحدثنا عنه في «القدس العربي»سابقا وهو المجمع الصناعي العسكري المالي). لهذا حاول نتنياهو وقبل أيام قليلة من زيارته الأمريكية، إلى خفض التوقعات من لقائه بالرئيس الأمريكي ترامب، إذ قال إنه من الخطأ الاعتقاد بأنه لن تكون هناك قيود على إسرائيل في ولاية الرئيس ترامب، وبذلك فإنه يحفظ خط الرجعة على أي استجابة غير فورية لواحدٍ من الطلبات.
على صعيد آخر، كشف النقاب مؤخرا عن أن السكرتير العام الجديد للأمم المتحدة انطونيو غوتريس،عرض على الوزيرة «الإسرائيلية» السابقة، النائبة المعارضة حاليا تسيبي ليفني، أن تتولى منصبا بمستوى نائبة للسكرتيرالعام، في إطار صفقة لقبول تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فيّاض مبعوثا للأمم المتحدة في ليبيا. وقد لمح رئيس حكومة الاحتلال إلى احتمال قبوله لصفقة كهذه.
جاءت فكرة تعيين ليفني في المنصب كحل للازمة الدبلوماسية التي نشبت في نهاية الاسبوع الماضي، بعدما أحبطت سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هيلي، تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق فياض في منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا. وحسب الصفقة المتبلورة، يتم تعيين ليفني في منصب نائب السكرتير العام للأمم المتحدة، إذا ما سحبت الولايات المتحدة اعتراضها على تعيين فياض. وكان غوتريس قد توجه في الاسبوع الماضي برسالة إلى كل أعضاء مجلس الأمن في الأمم المتحدة، أبلغهم فيها عن نيته تعيين فياض مبعوثا خاصا إلى ليبيا. وحسب أنظمة الامم المتحدة، فان التعيين مشروط بالإجماع لاعضاء مجلس الأمن. غير أن التعيين أثار معارضة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على حد سواء، كون فياض هو مندوب فلسطين.
من الجدير ذكره، أن جهات عدة في العالم، فلسطينية واخرى مناصرة للقضية الفلسطينية تلاحق ليفني قضائيا، على جرائم الحرب التي اقترفتها الحكومات التي شغلت فيها مناصب متعددة. وفي حال تم تعيينها في منصب كهذا، فإن هذا يعني غيابها الكلي عن الحلبة السياسية «الإسرائيلية» ومعها حزبها ككل.
ولأن المسألة (على تواضع المنصب المراد أن يشغله فياض) اخذت بُعداً غير مسبوق، من خلال التركيز على كفاءة وخبرة سلام فياض، والإهمال عن قصد وربما عن عدم دراية، بأبعاد التكتيك السياسي الجديد، الذي افتتحته ادارة ترامب، الذي يُراد من خلاله إقناع العالم بأهمية تلميع دولة الكيان دبلوماسيا، كي تجد لنفسها مكانا مرموقا ورفيعا لدى المنظمة الدولية. جملة القول، إن معادلة فياض – تسيبني، هي أكثر من محتملة التنفيذ.
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد