القاهرة ـ «القدس العربي» واصلت الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 17 مارس/آذار نشر التحقيقات والتصريحات والأخبار عن المؤتمر الاقتصادي العالمي لدعم الاقتصاد المصري في شرم الشيخ، رغم انتهائه، والإشارة إلى المشاريع التي تم الاتفاق عليها وآثارها وما حققته مصر من نجاح سياسي واقتصادي، وتصريحات رجال الأعمال المصريين الذين شاركوا في المؤتمر وبعض ما قدموه.
وقد أشار زميلنا في «الوطن» علاء الغطريفي يوم الاثنين إلى رصد ناصف ساويرس مبلغ عشرين مليون دولار وديعة تخصص لإلحاق شبان مصريين في جامعة شيكاغو في أمريكا، بينما أعلن الدكتور أحمد زويل في صحف أمس، في المؤتمر الصحافي الذي عقده في مدينة زويل العلمية، تبرع سميح ساويريس بمبلغ مئة مليون جنيه للمدينة التي سيتكلف إنشاؤها مليارا ونصف المليار جنيه.
وأشارت الصحف إلى حضور وزير الدفاع الفريق أول صدقي صبحي المناورة التكتيكية بالذخيرة الحية في سيناء، كما واصلت طائرات الآباتشي مهاجمة أحد أوكار الإرهابيين وقتلت تسعة. وأصدرت محكمة جنايات القاهرة حكما في قضية غرفة عمليات رابعة العدوية، بإحالة أوراق المرشد العام للإخوان الدكتور محمد بديع وثلاثة عشر من قيادات الجماعة للمفتي، وتحديد جلسة بتاريخ الحادي عشر من شهر إبريل/نيسان المقبل للنطق بالحكم. ومعروف أنه تتم محاكمة واحد وخمسين من الإخوان في هذه القضية، كما أحالت جنايات المنصورة أوراق ثمانية من الإخوان للمفتي في قضايا إرهاب وقتل، وحددت جلسة بتاريخ الثامن عشر من مايو/أيار المقبل للنطق بالحكم وواصلت محكمة جنايات القاهرة نظر قضية اتهام الرئيس الأسبق محمد مرسي وآخرين بالتخابر. وإلى بعض مما عندنا….
لم تعد شرم الشيخ منتجع مبارك وعائلته
بداية تقريرنا لهذا اليوم خبر من زميلنا الرسام في «الأخبار» عدد أمس الأربعاء، أحمد عبد النعيم بأنه شاهد رجلا بائسا يقول لأولاده الذين سألوه عن المؤتمر:
– لا يا حبايبي ما شاركتش في المؤتمر الاقتصادي عايز أدي فرصة لرجال الأعمال تاكل عيش. أما زميلتنا الجميلة في «الأخبار» عبلة الرويني فإنها في عمودها اليومي «نهار» أبدت سعادتها لسبب آخر قالت عنه: «لم تعد شرم الشيخ مجرد منتجع لمبارك وأولاده وصديقه حسين سالم، نفضت الصور القديمة والعادات السيئة للماضي مع الاعتذار للشاعر محمد خير لاستخدام عنوان ديوانه في الإشارة لمبارك وعائلته، تخلصت شرم الشيخ من الهواء الثقيل واستعادت رونقها وجمالها لتمنح المصريين الكثير من الفرح والكثير من الأمل».
محلب حكومته سكرتارية للرئيس
أما زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير «المقال» فكان قد سارع يوم الاثنين واقترح على الرئيس ما يلي: «محصلة اليوم التالي للمؤتمر هو صعود شعبية السيسي إلى الذروة، هل ستدفعه هذه الشعبية إلى أن يخطو بعيدا عن الاقتصاد، لأول مرة بالحيوية والحماسة والتركيز ذاته؟ خصوصا أن الصورة باتت واضحة للغاية، على الأقل بالنسبة إليّ. فالحكومة أو بالأحرى حكومة محلب، هي حكومة سكرتارية للرئيس وهي سعيدة بذلك، والرئيس ارتاح لهذا ،وهنا النقطة الأخطر، أن الرئيس يملك سلطة تشريعية تكاد تكون مطلقة ويملك حكومة سكرتارية طيعة وفوق هذا يملك شعبية هائلة، أليست هذه هي اللحظة الفارقة لو أراد أن يفعلها؟ الثورة الدينية وإصلاح التعليم لن يكون الوضع هكذا مع نهاية العام، سيأتي برلمان وستتغير الحكومة وستكون ابنة بارة وصلاحياتها في الدستور، وأظن أن الشعبية ستظل كما هي، فالرئيس السيسي محبوب عن حق وبعمق من المصريين، لماذا يتردد في استخدام بل وفي استغلال هذه الشعبية وتلك السلطة في تنوير عقول المصريين ومواجهة الظلام والتخلف والتطرف؟ والتعليم في حاجة ماسة إلى هذه القوانين، والثورة الدينية في حاجة ملحة كي تنفجر. الخطر الحقيقي في أن تبقى شعبية الرئيس حبيسة قلوب الناس، والأخطر أن يحاول الرئيس الحفاظ على شعبيته فيتوقف عن استثمارها لصالح من منحوه هذه الشعبية».
لكن الرئيس رد على طلب عيسى في اليوم نفسه بالرفض، وعقد اجتماعا وزاريا وطلب تشكيل مجموعة عمل لمتابعة تنفيذ المشروعات والاتفاقات، مع اختصار الوقت للتنفيذ، وإحداث ثورة في العمل الإداري لمنع تعطيل العمل ولم يطالب بثورة دينية.
القضاء على ثقافة الكراهية نهاية للإرهاب
أما الآن فنبدأ بالمعارك الأهم التي تكاد تنحصر في التيار الديني بكل أطيافه، من إخوان مسلمين وسلفيين إلى الأزهر، «وداعش» وفكره واستغلال أحاديث نبوية شريفة وتشكيك البعض في صحة هذه الأحاديث، وكتب التراث وما فيها والمطالبة بتنقيتها مما فيها من دعوات أو مواقف تحرض على كراهية الآخر واستخدام العنف لدرجة الذبح والحرق. ونبدأ من «المصري اليوم» عدد يوم الخميس، التي نشرت في بابها «السكوت ممنوع» الخاص برسائل القراء ويشرف عليه زميلنا حاتم فودة، رسالة من المحامي في مدينة أسيوط سامح لطفي هابيل قال فيها: «نشأنا في العالم العربي على كراهية اليهود والإسرائيليين شاهدناهم في أفلامنا ومسلسلاتنا التلفزيونية بأشكالهم القبيحة وأنوفهم المعقوفة، يتكلمون من أنوفهم بخنقة قبيحة، ولم نسمع أو نشاهد أي خبر سار عن يهودي في العالم، رغم أن العديد من كبار العلماء الذين قدموا للبشرية إنجازات عظيمة كانوا من اليهود في مجال الطب والعلوم والفيزياء والهندسة. إن أولى خطوات نبذ الكراهية هي المعرفة والتواصل مع الآخر. والغريب، وعلى سبيل المثال، أن العرب المسلمين لا يعرفون شيئا عن الدين المسيحي، إلا ما ندر، وما ذكر في القرآن الكريم عن السيدة مريم وعن عيسى عليه السلام، ولم يعرفوا أو يحاولوا أن يفهموا معنى الصيام وكيفيته لدى المسيحيين، ولماذا يختلف عن صيام المسلمين.
القضاء على ثقافة الكراهية يبدأ من الأم في المنزل، ثم المدرس في المدرسة، ثم الخطاب الديني والإعلامي، إذا قضينا على ثقافة الكراهية فسيكون ذلك نهاية الإرهاب».
سمير تناغو: تنقية كتب التراث نوع من العبث
وفي العدد نفسه شارك الدكتور سمير تناغو الأستاذ في كلية الحقوق في جامعة الإسكندرية بمقال في قضية تنقية كتب التراث جاء فيه: «إن محاولة تنقية كتب التراث نوع من العبث لا يجوز، فكتب التراث جزء من التاريخ ولا يجوز أبدا إعادة كتابة التاريخ، وكل محاولة لتغيير أو تجميل التاريخ هي بكل بساطة ووضوح تزوير ولا يليق، ومن غير المقبول أن نطالب الأزهر بتزوير التاريخ أو تزوير كتب التراث. والأجدر بالاتباع هو ما يقوم به فعلا الأزهر، وكذلك دار الإفتاء في إصدار وثائق وبيانات هي في مجموعها تجديد للخطاب الديني ونواة لفكر ديني جديد.
إقرأ أولا وثيقة الأزهر الصادرة في يونيو/حزيران 2011 التي تقول إن «المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، فقد أخذت وثيقة الأزهر بما قاله الدكتور السنهوري بأن المقصود بالشريعة الإسلامية ليس الأحكام وإنما المبادئ الكلية التي لا خلاف عليها بين الفقهاء». وانحازت وثيقة الأزهر كذلك لمبدأ الدولة المدنية بقولها «بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب»، وهي بهذا تنسف مبدأ الحاكمية وأن الله هو الحاكم وينوب عنه في الحكم رجال الدين أو أحدهم، وهو الفقيه أو الحاكم أو الخليفة وكون الأمة مصدر السلطات هو معيار الدولة المدنية. والأزهر في غير حاجة إلى تفسير بعض ما جاء في كتب التراث ويكفيه الرجوع إلى الآيات القرآنية، خاصة ما جاء منها في الفترة المكية عن حرية العقيدة «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»
و«لا إكراه في الدين» و»لكم دينكم ولي دين» و «جادلهم بالتي هي أحسن» و«لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي إليك لأقتلك».
عباس شومان: الأزهر قام
فعلا بتنقية بعض كتب التراث
ولو تركنا «المصري اليوم» إلى مجلة «المصور» سنجدها تنشر حديثا مع الدكتور الشيخ عباس شومان الأستاذ في جامعة الأزهر ووكيله ورئيس المكتب الفني لشيخ الأزهر، أجراه معه زميلنا طه فرغلي قال فيه خلافا لرأي الدكتور سمير تناغو، إن الأزهر فعلا قام بتنقية بعض كتب التراث التي يتم تدريسها وقال عن اللجنة التي شكلها الأزهر لذلك: «اللجنة أيضا انتهت من مراجعة كتب التربية الإسلامية المقررة على مراحل التعليم العام «الابتدائية والإعدادية والثانوية»، وأعدت تقريرا مفصلا عن جميع المقررات وتم تسليمه إلى وزارة التربية والتعليم، وهي الآن أيضا قيد الطباعة لتكون بين أيدي الطلاب بداية العام المقبل.
إن الأزهر لن يقبل بحالة التربص من قبل من يربط بين أفعال «داعش» الإجرامية وبين التراث الإسلامي ومناهج الأزهر التعليمية، خاصة أن المؤسسة الأزهرية أدت دورها في تنقية المناهج وكتب التراث التي تدرس في مراحل التعليم المختلفة. إن هناك عدة أسئلة تحتاج إلى أجوبة من هؤلاء الذين يتهمون الأزهر بأن المتطرفين خرجوا من عباءته. مناهج الأزهر يدرسها طلاب الأزهر منذ عشرة قرون ونصف القرن تقريبا فكم داعشيا خرّجت؟ وهل التقيتم بالدواعش وأخبروكم أنهم يعشقون مناهج الأزهر، لكنهم قرروا مخالفة علمائه؟ وهل استطاعت مناهج الأزهر أن تفعل مفعول السحر فتجذب إليها المرتزقة ممن لا يتحدث بعضهم وربما أكثرهم العربية، التي تدرس بها مناهج الأزهر، في الوقت الذي لم تؤثر في الذين درسوها بتعمق وتجعل منهم دواعش بعد هذا العمر الذي أفنوه في ربوع الأزهر؟ وإذا كانت مناهج الأزهر هكذا فلماذا استقر لدى القاصي والداني من قديم الزمان حمى الوسطية والاعتدال».
شيخ الأزهر يدعو الشباب لقراءة كتاب حسن الهضيبي
والله صحيح كلام الشيخ عباس شومان عن الأوروبيين والآسيويين الذين لا يعرفون العربية ولم يدرسوا في الأزهر وانضموا إلى «داعش». ولكن يوم السبت تعرض شيخ الأزهر نفسه إلى هجوم عنيف من الطبيب خالد منتصر في عموده اليومي في جريدة «الوطن» (خارج النص) بسبب ما قاله في حديثه الأسبوعي يوم الجمعة الماضي على الفضائية المصرية.. فقال وهو ينظر شررا إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والشيخ عباس شومان أيضا: «قال فضيلة شيخ الأزهر في حديثه الأسبوعي للفضائية المصرية: «إن الأزهر لا يتحمل وحده مسؤولية ظهور الجماعات الإرهابية». وأنا أوافقه وكان من الممكن أن أقول إن الأزهر يتحمل المسؤولية الأكبر. شاهدنا وما زلنا نشاهد أن نسبة لا يستهان بها من الخريجين، نتيجة للمناهج التي تدرس هناك، أصبحوا وقودا لجماعات التطرف والإرهاب، بدلا من أن يكونوا درعا وحصنا ووقاية. لكن ما أدهشني في فضيلة الإمام الأكبر، هو دعوته التي وجهها إلى الشباب لقراءة كتاب مرشد الإخوان السابق المستشار حسن الهضيبي «دعاة لا قضاة»، لمكافحة تلك الأفكار الإرهابية ودحض فكرة الحاكمية! هل لم يجد شيخ الأزهر أفضل من مرشد الإخوان لكي يأخذ بيدنا من فخ التطرف؟ لماذا لم ينصحنا بقراءة كتاب لمستشار آخر أفضل ألف مرة وأكثر استنارة ألف مرة من الهضيبي وهو المستشار محمد سعيد العشماوي وكتبه من أفضل الكتب التي نقضت ونقدت فكرة الحاكمية ومعنى الشريعة والربا وخلافه. أنا مندهش يا فضيلة الإمام فهذه ليست أول مرة تطالبنا وتنصحنا بقراءة كتاب لشخص إخواني، ففضيلتكم من قبل وفي أحد أعداد مجلة «الأزهر» قلت عن سيد قطب إنه أفضل من كتب عن العدالة الاجتماعية. حين أنصح شابا بقراءة كتاب عن العدالة الاجتماعية بقلم كاتب مصري، سأذكر أسماء من فترة سيد قطب نفسها، الذي تعتبره فضيلتك الجهبذ في هذا المجال وأتساءل أين فتحي رضوان وأحمد حسين وعباس محمود العقاد وكتاباتهم عن العدالة الاجتماعية؟» .
كتاب «دعاة لا قضاة» رد على نشوء تيار تكفيري
والإمام الأكبر يقصد المستشار أحمد حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان ووالد المرشد السادس لجماعة محمد المأمون الهضيبي وكتابه الذي وضعه في السجن «دعاة لا قضاة»، عندما سمعت قيادات الجماعة في السجن عن نشوء تيار تكفيري بين بعض المساجين. كما حذروا الإخوان الآخرين بالابتعاد عن سيد قطب في السجن وعدم الالتقاء معه بعد أن عرض عليهم أفكاره التي ضمنها في كتابه «معالم في الطريق»، الذي أتمه عام 1964 وهو في السجن، وأرسله إلى مكتبة وهبة في القاهرة فطبعته وطرحته في الأسواق، وتم عرضه في إذاعة القرآن الكريم وقتها وفي بعض المجلات وهو لا يزال في السجن، قبل أن يأمر خالد الذكر بالعفو عنه وإسقاط باقي التهم المحكوم بها عليه. وكان المرشد السابع خفيف الظل محمد مهدي عاطف المحبوس حاليا على ذمة عدة قضايا، قد أكد في ذكرياته التي نشرتها جريدة «الحرية والعدالة» قبل الإطاحة بالإخوان أنه صدرت تعليمات إليهم بالابتعاد عن سيد قطب والشيخ الغزالي، والذي أشار إليه خالد هو المرحوم الداعية والفقيه وعضو مكتب الإرشاد الأسبق لجماعة الإخوان هو الشيخ محمد الغزالي، الذي كان ضمن جناح في الجماعة غير راض عن اختيار أحمد حسن الهضيبي مرشدا ثانيا خلفا لحسن البنا، الذي تم اغتياله في الثاني عشر من شهر فبراير/شباط عام 1949 بواسطة الملك والحكومة، ردا على اغتيال الجماعة رئيس مجلس الوزراء ورئيس حزب الهيئة السعدية محمود فهمي النقراشي في العشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول سنة 1948. وقام الشيخ الغزالي ومعه عبد الرحمن السني رئيس الجهاز الخاص، بمهاجمة مقر الجماعة الرئيسي في حي الحلمية في القاهرة واحتلاله، وعزل الهضيبي عام 1953، لكن ذلك لم يستمر سوى يومين، وتم إخلاء المبنى وعودة الهضيبي. وشن الغزالي هجمات عديدة على الهضيبي.
الهضيبي يرد على سيد قطب وأبي الأعلى المودودي
والحقيقة أنا لم استمع لحديث الإمام الأكبر ولا أعرف إن كان قد ذكر كتاب الهضيبي في مجال رده على الإخوان، الذين يدعون للعنف أم ماذا، ولكنني قرأت ما كتبه يوم الأحد في «المصريون» الأسبوعية المستقلة والموالية للتيار الديني زميلنا فتحي مجدي عن هذا الحديث بقوله: «نصح الشباب بقراءة كتاب «دعاة لا قضاة» لحسن الهضيبي المرشد الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين، الذي يرد فيه ردا مفصلا ومفحما على أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، اللذين وصفهما بأنهما من أصحاب العقول المتفتحة، التي ضربت في مجال الثقافة بسهم وافر، لكنه أخذ عليهما وقوعهما في سقطات عجيبة. وقال الطيب: «أتعجب من عقول ضربت في مجال الثقافة بسهم وافر أمثال المودودي وسيد قطب ومع ذلك، وقعوا في هذه السقطات وهذا الفهم لو صدر من شاب مغلق لأعذرناه لكن لا أدري كيف سمحت هذه العقول المتفتحة لنفيها أن تقع في هذا المأزق المظلم؟». إن الفقهاء قالوا: إن الحاكمية نوعان الأول: الحاكمية الإلهية الكونية، وتعني القوانين الطبيعية وهي مطلقة لله سبحانه وتعالى، لا يشاركه فيها أحد مثل قوانين شروق الشمس وغروبها ودور الإنسان فيها يقتصر على اكتشافها، ولا يستطيع أن يعدل فيها أو يتحكم فيها. أما النوع الثاني فهو ما يسمى بالحاكمية التشريعية التي تعني إنزال القوانين الشرعية للإنسان عن طريق الوحي، وهذه كما قال العلماء « فوض الله تعالى البشر بأن يقوموا بدور كبير فيها، وإنشاء قوانين جديدة لم تكن موجودة. لو فرضنا القوانين بحجة الحاكمية لعرضنا حياة الناس للفوضى والسرقة، كما أن في رفضها هدم الحديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».
«داعش» تعتبر مجتمعاتنا جاهلية
ويوم الأحد ساهم صديقنا الأستاذ في جامعة أسيوط الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد السابق الذي خرج من الجماعة بمقال في «المصري اليوم» قال فيه: «من الأحاديث الشهيرة التي يعتمد عليها دعاة العنف والإرهاب الحديث الذي جاء في مسند الإمام أحمد عن ابن عمر «رضي الله عنه» أن النبي «صلى الله عليه وسلم « قال: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له.. وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم». هذا الحديث بغض النظر عن الكلام الكثير الذي قيل في سنده إلا أن متنه «أي نصه ومضمونه» يتناقض بل يتصادم مع الكثير من الآيات القرآنية المكية والمدنية، وهو ما يجعلنا نرده ونتوقف عن قبوله والرضا به. إذا كانت كتب التراث مليئة بفكر قتال أهل الكفر لمجرد علة الكفر، رغم مخالفتها وعدم اتفاقها مع المحكم من الآيات في كتاب الله، فكيف بمن يتعامل مع نصوص القرآن والسنة، من دون أن تتوافر له الأدوات اللازمة لذلك فيقع في أخطاء وخطايا كبيرة في الفهم والتطبيق، تصل إلى استحلال الكثير من الدماء؟ أنظر إلى جماعات التكفير والعنف والإرهاب (داعش، والقاعدة، ومن لف لفهما) وما تقوم به من ممارسات.. هذه الجماعات تنظر إلى أنظمة الحكم العربية ومؤسساتها، من جيش وشرطة وقضاء وإعلام، على أنها كافرة، وتعتبر مجتمعاتها- كما كان يصفها سيد قطب منذ أكثر من خمسين عاما- مجتمعات جاهلية.. نحن فى الواقع أمام جماعات تريد فرض سيطرتها بالسلاح على مجتمعاتنا وإخضاعها قسرا لفكرها، وإلا فالقتال والموت والفناء.. وهذا يلقي على أهل الفكر الصحيح والفهم السليم تبعة كبيرة ومسؤولية ضخمة في توضيح وتبيان أوجه الخطل والخلل في ما وقع فيه هؤلاء، فقد أصبحنا بالنسبة لهم كفاراً وأعداء، ولم تعد المسألة خلافا فكريا أو سياسيا، بل أضحت حرب وجود..
وللأسف، هذا الفكر ينتشر كما النار في الهشيم، ويجد له أنصارا لدى الكثيرين من الشباب الذين لا يملكون علما، ولا فهما، ولا فقها.. ومن ثم فإن تحصين شبابنا من الوقوع في براثن هذا الفكر هو واجب الوقت، حتى لا يُستدرجوا للانضمام والقتال في صف هذه الجماعات..».
الثورة أطلقت التصريحات المتناقضة من عقالها
وعلى رأي المثل الشعبي «جبنا في سيرة القط جاء ينط»، فما أن ذكر صديقنا الدكتور حبيب جماعات التكفير والعنف والإرهاب حتى كان عبود الزمر عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية جاهزا للقول في يوم الأحد أيضا في «المصريون»: «كانت تصريحات المعارضين في عهد مبارك تتم بحساب دقيق مخافة الاضطهاد أو السجن، إلا النزر اليسير منهم، فقد عرضوا بالنظام بلا سقف محدد، ولكن بعد الثورة انطلقت التصريحات على أشدها فليس هناك من رقيب أمني أو محاسب قانوني ولهذا كان هناك من التصريحات المتناقضة التي ظهرت في أعقاب التغيرات السياسية الحادة فنسي هؤلاء أن كل ما فيه مسجل عليهم بالصوت والصورة. ومما يلفت النظر أن بعض التصريحات التي صدرت من قيادات جماعات أو كيانات وقوى سياسية تسببت لهم في مشكلات كبرى لم تكن متوقعة. ومن أبرز هذه التصريحات ما أعلنته جماعة الإخوان المسلمين من أنها لن تقدم مرشحا رئاسيا ولن تسعى إلى أكثر من ثلث المقاعد البرلمانية، وبالتأكيد كانت الجماعة في غنى عن مثل هذه التصريحات، ولكنها قيدت نفسها بذلك فصار الناس ينتظرون منها الوفاء بما ألزمت به نفسها، بل استعمل الخصوم هذه التصريحات الصوتية لكبار الإخوان في إثبات خلفهم للوعود، وبالتالي كيف يقودون دولة وهم لا يحترمون كلمتهم. ومما أخذ على وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسي أنه صرح بعدم طموحه للسلطة، إلا أنه تعرض لضغوط من مؤيديه أدت إلى ترشيحه لنفسه لموقع الرئاسة، فدخل في مرمي النقد والتجريح، وكنت أتمنى أن تبقى القوات المسلحة خارج المعادلة، بوجودها مشرفا عاما على العملية السياسية إلى جوار الشرطة والقضاء، الأمر الذي كان سيجنب البلاد كثيرا من المشكلات. وعلى الرغم من أن الصراع بين الحكومة الراهنة ومعارضيها لم يحل حتى الآن إلا أنني أستطيع القول بأن المشكلة في طريقها إلى الحل عاجلا أو أجلا بوساطة إقليمية أو دولية وبعدها سنبدأ جميعا صفحة جديدة من الحوار والعمل الجاد، كما يجب علينا أن نراعي المصداقية والشفافية ونعالج سلبيات المرحلة الماضية مع إعلاء شأن الوطن والمواطن».
ماهر فرغلي: الجيش المصري هم جنود طاغوت
وقد أثار عبود غيظ صاحبنا من التيار الإسلامي ماهر فرغلي فقال عنه يوم الاثنين في جريدة «المقال» اليومية المستقلة: «الزمر جعل نافذته على الإعلام هي مقالاته غير الدورية في إحدى الصحف المقربة منه، التي نجح فيها أن يقدم نفسه على أنه ممثل لكل الجماعات الإسلامية، وأنه رمز لكل الحركات الإسلامية أو غير الدينية، بل أجاز لنفسه أن ينتقد جماعة الإخوان مطالبا في الوقت ذاته بالسماح لهم بالعودة إلى ساحة العمل السياسي. وبينما دعا عبود إلى التصالح فإن صاحبنا محمد أبو سمرة الأمين العام للحزب الإسلامي الذراع السياسية لجماعة الجهاد، جاء يكحلها فأعماها، عندما وصف الجيش المصري بأنه جيش طاغوت، فقد نشرت له يوم الاثنين جريدة «الوطن» اليومية المستقلة حديثا أجراه معه زميلنا سعيد حجازي قال فيه عن الهجوم على مجلة شارلي إيبدو أيضا: «نحن كتنظيم جهاد نرى أن من يسب الرسول «صلى الله عليه وسلم» حكمه القتل، إرضاء لله ورسوله فمن يتعدى على الرسول «صلى الله عليه وسلم « بالسب فدمه مهدر، وتلك ليست فتوى، بل إنها حديث للرسول فأهدر الرسول الكريم دم امرأة تلقي الشعر في سبه وأهدر دم شخص آخر وقال عنه الرسول «صلى الله عليه وسلم « «من يقتله فله الجنة «، فقد أذى الله ورسوله». فالحكم الشرعي إهدار دم من يسب النبي. ومبايعة تنظيم الجهاد لـ«داعش» لم يحدث، فالجهاد في مصر بعيد عن الموضوع.
الجيش المصري هم جنود طاغوت وهو أمر حقيقي لأنهم جنود رجل لا يحكم بما أنزل الله، فهم ليسوا جنود الإسلام، وهو جيش كافر، ورغم ذلك أي فتوى تجيز قتلهم نرفضها ونرفض قتل الجنود، فهم مصريون ونرفض تعميم حرمة دخول الجيش المصري أو إهدار الدماء. وتنظيم أنصار بيت المقدس جزء من «داعش». الآن وفي ما مضى كنا نقول عن عناصر بيت المقدس إنهم أصحاب فكر ضال ومنحرف وفقا لما قاله الدكتور أيمن الظواهري، لكن الآن نحن متوقعون عند إبداء الرأي فيهم فنحن نؤيد «داعش « في قتال الأمريكان لكن نرفض قتالهم للفرق الإسلامية».
في انتظار إختراق الإنسداد السياسي
أما في «الشروق» فكان مقال الكاتب فهمي هويدي عن أزمة الإنسداد السياسي.. ومما جاء فيه: «… لست بحاجة لأن أستفيض في عرض العنف الذي تمارسه السلطة من زاويتين، الأولى تتمثل في التعويل على الأمن في التعامل مع مختلف مظاهر الحراك الاجتماعي، الأمر الذي أغلق الأبواب أمام الحلول السياسية. والحاصل مع الجامعات والمظاهرات السلمية والشباب الذين عارضوا المحاكمات العسكرية، خير شاهد على أن التفكير السياسي ليس مطروحا، وأن الحلول الأمنية وحدها المعتمدة. كما يتمثل عنف السلطة أيضا في سلسلة القوانين والإجراءات المقيدة للحريات، بدءا من قانون التظــــاهر وانتهاء بقانون الكيانات الإرهابية ومرورا بتعديل قانون تنظيم الجامعــــات الذي أطــــلق يد الأمن في فصل الأساتذة، إلى جانب قانون محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. ولا تسأل عن مشروع قانون الاستغناء عن الشـــهود في القضايا المنظورة.
في تقديم أحدث كتبه «جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر» ذكر المستشار طارق البشري «إننا خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير، عشنا في مصر طوارئ ثابتة، اعتاد عليها جهاز إدارة الدولة، وتشكلت في إطارها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته.. بمعنى أنه «ثقافته» الإدارية وبحكم تجاربه وخبراته لم يعد يستطيع الحكم ولا ممارسة مهام عمله في التعامل مع المواطنين إلا في ظل ما تنتجه «حالة الطوارئ» من سلطات وقدرات غير مقيدة، أي في إطار سلطات طليقة من القيود. وخلص المستشار البشري من ذلك إلى أن إمكانية الحكم وإدارته في مصر لم تعد تنفصل عن خبرة الاستبداد ومعارفه وعادات تعامله. وهو ما يمثل أحد أبرز مشكلات مصر في الوقت الراهن.
ربما تصور البعض أنه يمكن تجاهل كل ما سبق من أشواك وألغام، محتجا في ذلك بأن العوامل التي ذكرتها يمكن امتصاصها والسيطرة عليها بإجراءات السلطة وقبضتها القوية. وهي حجة تردنا إلى جوهر المشكلة، لأن اختزان الأحزان وكتمان الغضب يخدع الناظرين. وهذا الاختزان ذاته هو الذي نحذر منه، لأنه لا يعني سوى تأجيل الإنفجار وترحيله إلى غدٍ مجهول، والعاقل من عالج أسباب الإنفجار وليس من أججه. ووحده الإختراق السياسي كفيل بتحقيق ذلك. ولا تسألني عن طبيعة الاختراق المطلوب، لأن الأمر يحتاج إلى حوار سياسي قبل الدخول في أي تفاصيل، وهذا القرار لم يتوفر بعد».
نُريد من مجلس الوزراء
كتاباً مفصلاً موثقاً بدقائق الاتفاقيات
وأخيرا مع مقال الكاتب أنور الهواري في «المصري اليوم» عدد يوم الثلاثاء عن زفاف المليارات: « فرحتُ- مثل كل المصريين- بانعقاد المؤتمر الاقتصادي، فقد ضمن لنا العبور من عنق الزجاجة، وضمن لنا حضوراً على خريطة الاستثمار في العالم، مثلما ضمن لنا تأييداً واعترافاً سياسياً من الدنيا كلها تقريباً. المؤكد هو: المبالغ التي رصدتها كل من السعودية والإمارات والكويت وعُمان. والمستعجل هو: مشروعات الطاقة وتوليد الكهرباء. وكل ما دون ذلك هو اتفاقات واتفاقيات نرجو أن تتم، وإن كنا لا نعلم عنها إلا القليل، في غيبة الحكومة المُنتخبة، وفي غيبة البرلمان، وفي غيبة دراسات الجدوى المعلنة، وفي غيبة تدفق المعلومات، وفي غيبة الصحافة النقدية، وفي غيبة الحوار المجتمعي، وفي غيبة الحد الأدنى من الوضوح والشفافية. الطريقة التي تُعرض بها الاتفاقيات حول المشروعات الاستثمارية طريقة غير موضوعية وغير دقيقة، تعتمد على منهج التبشير بالخير العميم، من دون التحذير من العواقب ومن دون الالتفات إلى الالتزامات والمخاطر، فقد سبق أن غرقت مصر- إلى شوشتها- في الديون الأجنبية مرتين، وتعرضت للنهب الأجنبي مرتين، الأولى في عهد الخديوي إسماعيل، والثانية في عهد الرئيس السادات، وفي كلتا المرتين كانت نوايا الرجلين حسنة، تستهدف بناء البلد، وتُحسن الظن بالخبرة الأجنبية، وبالاستشارة الأجنبية، وبالشركات الأجنبية، وبيوت المال الأجنبية… زفافُ المليارات شيء يسعدنا جميعاً، لكن سداد هذه المليارات- في وقت السداد- في أجل قصير أو بعيد، سوف يشقينا جميعاً، نحن لا نعرف، ولا نجد من يقول لنا- من السادة المسؤولين- كيف ومن أين سندبر الموارد اللازمة لسداد هذه الديون… السرعة في الإنجاز شيءٌ عظيم، لكن الاستعجال طول عمره- في ثقافتنا- من عمل الشيطان، لا نريد تنمية مستعجلة من الوارد أن تتكربس خطاها ويتعثر مداها، بل نريد تنمية مستدامة نراها فنفهمها، ونفهمها فننجزها، ندرسها ونتفق عليها، لا نفرح بها اليوم ثم نشقى بها باقي الأيام. نعم نجحنا في عقد المؤتمر الاقتصادي، لكن- حتى هذه اللحظة- لم ننجح في أن تكون عندنا رؤية اقتصادية… خلاصة الكلام: نريد أن يكون المؤتمر الاقتصادي فاتحة خير وليس نهاية الخير، فاتحة حوار داخلي في ما بيننا مثلما كان فاتحة حوار بيننا وبين العالم. الثقة في إخلاص الحكام، وهم- بالفعل- مخلصون، لا تتعارض مع حق الشعوب في المعرفة، والمؤكد أننا لا نعرف أي شيء جاد عن تفاصيل المؤتمر الاقتصادي. نُريد من مجلس الوزراء كتاباً مفصلاً موثقاً بدقائق الاتفاقيات، لتعرض على الشعب، لأنه هو من سيدفع ما يترتب عليها من التزامات».
حسنين كروم