«القدس العربي» ـ منهل باريش: انتشرت الشرطة العسكرية الروسية في عدة مناطق غرب وجنوب منطقة «درع الفرات»، وأقامت حاجزا ثابتا في بلدة تل رفعت تنفيذا لخطة مناطق «خفض التصعيد» في سوريا، التي وقعت في أستانة 5 بين روسيا وإيران وتركيا.
وأشار مصدر محلي، رفض ذكر اسمه، لـ «القدس العربي»، أن القوات الروسية «انتشرت في ثلاث بلدات، تل رفعت، مرعناز ومنغ»، مضيفاً أن «حاملة جند للشرطة العسكرية الروسية تتجول بين تل رفعت باتجاه الشرق حتى تصل السموقة وتل جيجان وتل مضيق في ريف الباب الغربي بشكل يومي». وهذه هي المنطقة التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» و«جيش الثوار» التابع لقوات سوريا الديمقراطية، «قسد».
رئيس المكتب السياسي في لواء المعتصم، مصطفى سيجري، نفى في اتصال مع «القدس العربي» أن يكون الانتشار الروسي «ضمن اتفاق خفض التصعيد»، واصفا اياه أنه «جاء بهدف خلط الأوراق وهم (الروس) من عطل التفويض الأمريكي لنا، وقسد هي من أدخلتهم من أجل التهرب من الرغبة الأمريكية بتسليم تل رفعت وباقي المناطق المجاورة إلى الجيش الحر».
واعتبر الناطق الرسمي في الجبهة الشمالية، المقدم محمد حمادين، أن الانتشار الروسي جاء «بعد الاشتباكات والقصف المتبادل بين فصائل الجيش الحر والميليشيات الكردية، حيث تكررت حوادث قصف الميليشيات على جبرين ومارع». ونوه إلى عدم صحة الأخبار القائلة بعودة المدنيين إلى تل رفعت ووصفها بـ«الشائعات التي يطلقها الروس في سياق حربهم الإعلامية والنفسية حول نهاية الحرب».
في سياق منفصل، أعلنت موسكو إحداث مركز مصالحة جديد في مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية شمال غرب سوريا، وجاءت الخطوة بمبادرة من مركز المصالحة الوطنية التابع للقاعدة الجوية الروسية في مطار حميميم، والتي يديرها الجنرال ألكسندر فيازنيكزف.
إلى ذلك، أعلن نائب قائد القوات الروسية العاملة في سوريا، الجنرال أليكسي كييم، «تحديد المناطق الأكثر احتياجا للمساعدات الطبية وأنواع الأدوية المطلوبة»، وأشار إلى أن اللجنة «تفقدت حالة المدارس وأكدت أن المنطقة بحاجة إلى بناء 25 مدرسة وترميم 18 أخرى في منطقة عفرين».
زيادة التواجد العسكري في منطقة عفرين حاليا أصبحت واضحة على صعيد القوات الخاصة التي استقرت في منطقة كفر جنة، أو على طريق حلب عفرين، واليوم تتوسع على كامل القرى والبلدات الـ11 التي سيطرت عليها «قسد» وطردت منها فصائل المعارضة، منتصف شباط (فبراير) عام 2016.
ويذكر أن أولى عمليات التدخل الروسي إلى جانب «قسد» كانت بعد سيطرة فصائل الجيش الحر المنضوية في «درع الفرات» على مدينة الباب، والرغبة التركية المعلنة بالتقدم إلى منبج وتأمين منطقة غرب نهر الفرات وصولا إلى عزاز، وعزل مناطق سيطرة «وحدات الحماية» عن بعضها. وهذا ما دفع «قسد» إلى استجرار تدخل القوات الروسية كوحدات فصل بينها وبين فصائل «درع الفرات» في الحدود الإدارية الغربية لمنبج.
قبول «وحدات حماية الشعب» انتشار الشرطة العسكرية الروسية في تل رفعت ودير جمال وحربل، يأتي في سياق تمسكها بكل المناطق التي انتزعتها من الجيش الحر وتنظيم «الدولة»، وعدم تســـليم أي منـــها لفــصـــائل الجيش الحر في منطــــقة «درع الفرات». ويتــــعزز هذا التمـــسك بســـبب اعلان تركـــيا الأخير عن عملية مرتقـــبة على منطقة عفرين.
«الوحدات» الكردية التي تدرك التهديد الروسي على مصالحها فضلت اللعب مع روسيا خارج الرغبة الأمريكية، فهي رفضت سابقا العرض الذي قدمه التحالف الدولي عندما فوض «لواء المعتصم» بتسلّم البلدات وتأمينها عسكرياً وضبط حدود الجبهات بين الجانبين. ولجوؤها اليوم إلى موسكو يعني تكرس القناعة لدى قيادة الوحدات أن الاهتمام الأمريكي بالشراكة معها ينحصر في منطقة شرق نهر الفرات، وأن وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون، غير مهتمة بما يحصل في منطقة عفرين. وهو ما يدفع بعض قادة «الوحدات» إلى التهديد بوقف معركة الرقة ضد تنظيم «الدولة» بين الحين والآخر، مع كل تهديد تركي بالتدخل في محيط عفرين أو إدلب.
من جانبها فإن روسيا، التي تفاهمت مع أمريكا على تقسيم مناطق النفوذ والسيطرة، تتسلل شيئا فشيئا إلى منطقة عفرين. فبعد اتخاذ قواتها الخاصة مركزا لها في بلدة «كفر جنة» على الطريق بين اعزاز وعفرين، نشرت عدة نقاط في الجانب الشرقي لحدود عفرين ودخلت مطار منغ، ثم نشرت أكثر من سبعين عسكريا من أفراد الشرطة العسكرية في البلدات الـ11 «العربية». كذلك قامت بافتتاح مركز مصالحة على غرار مراكز حمص ودرعا وحلب ودمشق، رغم كون عفرين خارج مناطق سيطرة النظام، وهو مؤشر إلى جهود روسيا الحثيثة لربط عفرين بسلطة حكومة النظام.
الخطير في الأمر هو طلب موسكو إقامة قاعدة عسكرية في «جبل الأحلام» المطل على بلدة الباسوطة جنوب عفرين، بهدف زيادة النفوذ الروسي على مشارف عفرين وتأمين أي خط بديل مستقبلي يمكن أن تتفاهم عليه موسكو مع أنقرة للوصول الى إدلب لأسباب عسكرية أو انسانية. فتركيا، التي أوقفت إدخال البضائع من معبر باب الهوى إلى إدلب، من أجل حرمان «جبهة النصرة» من عائدات المعبر على البضائع التجارية، لن تتركه يذهب لصالح الحزب الذي تعتبره إرهابيا. فهي ستفضل فتح معبر يمر عبر مناطق سيطرة النظام برعاية الشرطة العسكرية الروسية وصولا إلى دارة عزة عبر نبل والزهراء. أو ستقوم بفتح طريق مباشر عبر مناطق سيطرة النظام من تل رفعت إلى ماير وحيان وبيانون وصولا إلى عندان ومناطق سيطرة حركة نور الدين الزنكي، وهو الخيار الأكثر واقعية وانسجاما مع التوجه التركي الحالي بدعم الحكومة المؤقتة التي تتبع للائتلاف الوطني المعارض، والتي تدعمها الزنكي أيضاً.
أخطأت «وحدات الحماية» في تكريس الدور الروسي عبر إدخال القوات الروسية خوفا من تمدد النفوذ التركي إلى جوارها، فتسليم البلدات إلى فصيل مدعوم من البنتاغون وبضمانته كان سيخفف من حالة الاحتقان العربية ـ الكردية في المنطقة، ويبدي حسن نية كبيرة تجاه تركيا. فعودة نحو مئة ألف مهجر إلى تل رفعت وباقي القرى كان سيلاقي صدى طيبا، ضُيّع بقرار تحكمه الإيديولوجيا وليس السياسة والمصلحة. وهذا سوف يرتب آثارا كبيرة على الجانبين، سيستفيد منها النظام وراعيه الروسي فقط، إضافة إلى كونه بوابة تدخل روسي كبير في عفرين، في المستقبل القريب.