القاهرة ـ «القدس العربي» : عكست الصحف المصرية الحكومية والخاصة الصادرة يومي السبت والأحد، بأمانة شديدة وحرية كاملة أبرز الأحداث وأهمها، خاصة الساخنة والخطيرة منها.
ووجدت وجهات نظر مختلفة أماكن لها على صفحاتها، بل شارك الرئيس السيسي في إحداها وكان طرفا رئيسا فيها، وهو قانون الخدمة المدنية، الذي أصدره بمشروع قانون كان يخول له الدستور ذلك، في حالة عدم وجود مجلس نيابي، أو إذا كان المجلس في إجازة ودفع حادث طارئ يتطلب من رئيس الجمهورية إصدار مشروع بقانون، إلى أن بتشكل المجلس، أو إذا كان قائما حتى يعود للانعقاد ومناقشة مشروعات القوانين وإقرارها ورفضها أو تعديلها.
وكان الرئيسان السابق المستشار عدلي منصور والسيسي قد أصدرا ثلاثمئة وأربعين مشروعا بقوانين. وينص الدستور على أنه بعد تشكيل مجلس النواب لابد في ظرف خمسة عشر يوما أن يناقش هذه القوانين ويقرها أو يرفضها أو يطلب تعديلها، وإذا لم يفعل يتم حله لمخالفته الدستور، ولذلك شكل المجلس تسع عشرة لجنة نوعية ووزع على كل منها القوانين الخاصة بها لسرعة الانتهاء منها، وهو ما حدث، إلا أن لجنة القوى العاملة رفضت إقرار مشروع قانون الخدمة المدنية، وكان من نصيب السيسي لا عدلي منصور، ووافقت أغلبية المجلس على ما انتهت إليه اللجنة وأصبحت الحكومة في مأزق حقيقي لأنها وضعت ميزانيتها على أساس القانون، من حيث مرتبات العاملين فيها، وبما أن القانون سقط فلابد من وقـــــف صرف المرتبات إلى أن يتم صدور قانون آخر، لكنها تلافيا لهذا المأزق أعلنت أنها ستصرف مرتبات يناير/كانون الثاني على النظام الملغي إلى أن يتم إعداد قانون جديد بواسطة المجلس، أو تعديل القانون السابق. وكانت المفاجأة الثانية هي في تقبل السيسي هذه الهزيمة لكنه حذر من خطورة عدم تطوير الجهاز الإداري للدولة.
وقال صراحة في الكلمة المرتجلة بعد كلمته المكتوبة يوم السبت بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة: «أنا واحد منكم ائتمنتموه ليأخذ باله على الوطن وأحاول أن أقوم بذلك واسأل: هل جميعنا نأخذ بالنا ومنتبهين فهذه بلدنا جميعا، ويجب أن نمد جميعا أيدينا. وتابع: لا أتدخل في أعمال البرلمان، رغم أن البعض سيقوم بتأويل كلامي، ولكنّ هناك أمرا مهما عندما يعرض قانون للإصلاح – في إشارة لقانون الخدمة المدنية – ويرى نواب الشعب أنه يجب ألا يتم إقراره، يجب أن نعلم أن الإصلاح والتقدم لن يتم بسهولة، فنحن يجب أن نراعي حق الأجيال القادمة في مستقبل جيد، وهذه أمانة، وقبل أن تقول الكلمة يجب أن تدرسها جيدا». مشيراً إلى ثلاث نقاط تحدث عنها في هذا الأمر وهي، «أن لدينا سبعة ملايين موظف نحتاج منهم إلى مليون فقط وسنحافظ عليهم جميعاً حفاظا على أسرهم، كما قلت إنه لن يقل دخل أحد والزيادات المفترضة محسوبة، والعالم كله ظروفه الاقتصادية صعبة، ونحن أيضا وأقول واتمنى عدم تأويل كلامي، فالشعوب تحيا بالإخلاص والأمانة والشرف والتصدي والتضحية والصبر والجلد، وأرجو ألا يتصور أحد أنني انتقد أحدا فأنتم حملتموني المسؤولية ولن أقدر على شيء وحدي، والأمر ليس يسيرا أو سهلا فنحن تسعون مليونا وهناك ناس من داخلنا تحاول تدميرنا وإيذاءنا».
كذلك خيمت أجواء من الحزن والقلق بسبب العمليات الإرهابية، خاصة التي وقعت في شمال سيناء ضد نقطة العتلاوي التابعة للشرطة، وقتل سبعة، منهم ثلاثة ضباط، من دون تصد للمهاجمين، وكان واضحا وجود تقصير وهو ما كشف عنه قرار وزير الداخلية بنقل مدير الأمن وقائد قوات الأمن المركزي، ثم وقع حادث تفجير الشقة في شارع حسن عثمان في الهرم التي استأجرها عدد من أعضاء «بيت المقدس»، بحجة أنها لشركة كومبيوتر، وكانوا أعضاء في خلية مكونة من أربعين فردا في الجيزة تم التوصل إليها بعد القبض على من شاركوا في اغتيال مدير مرور الجيزة وسائقه، فارشدوا إلى قائد الخلية، وهو مالك مزرعة، فداهموها واعتقلوه فأرشد بدوره عن مكان المجموعة في شارع حسن عثمان، ولما أحسوا بقدوم الشرطة للدور الرابع فجر أحدهم نفسه فدمر سقفي الشقتين وتأثرت الأدوار الخامس والثالث والثاني، وكان من ضحايا الانفجار عدد من السكان ورجال الشرطة، وأثناء تكريم السيسي في احتفال عيد الشرطة لأسر الشهداء احتضن ابن أحدهم وبكي وقال: «وحياة رب العباد لن نترككم ونقول للشعب لا تضيعوا هذا الدم هدر». ومن بين الموضوعات التي أثارت الاهتمام ظهور كميات كبيرة من الأسماك النافقة في النيل عند كفر الشيخ، ما أدى إلى إحجام الكثيرين عن شراء السمك، ونتائج مباريات كرة القدم، واحتفالات ثورة يناير وتوعد الشرطة من ينزل إلى الميادين. وإلى شيء من أشياء لدينا.
ثورة يناير
ونبدأ بأبرز ما نشر عن ثورة يناير/كانون الثاني، حيث انقسمت إلى عدة أقسام تداخلت في ما بينها، واختلفت حول أسباب قيامها، هل أن الثورة التي أطاحت بمبارك اندلعت بسبب مؤامرة أمريكية وشاركت فيها منظمات داخلية، أم هي ثورة أصيلة؟ وأيضا ما انتهت إليه من نتائج، بسيطرة الإخوان عليها ثم الإطاحة بهم بثورة الثلاثين من يونيو/حزيران عام 2013، وهل أن ثورة يونيو كانت استمرارا وتصحيحا لها؟ أم ردة عنها والعودة لنظام مبارك؟ وبدا النقاش مبكرا يوم الجمعة في جريدة «الوطن» زميلنا محمد الدسوقي في عموده اليومي «عموما»، حيث قدم اقتراحات للحكومة بأن تطبق القوانين التي سبق لقيادات من الإخوان تقديمها عندما كانوا في الحكم، ومنها كما ذكرنا حتى لا ننسي أو تنسى الحكومة: «قدّم حزب الحرية والعدالة ممثلاً في رأس حربته البرلماني صبحي صالح مشروع قانون متكاملاً لمجلس الشورى، وحارب بقوة من أجل إقرار هذا القانون وتطبيقه على المظاهرات والاعتصامات، وتنص مواد هذا القانون وتحديداً المادة 11 منه على أن الشرطة لها كل الحق في فض المظاهرة في حالة قطع الطريق، سواء بشكل ثابت أو متحرك، ونتج عنها تقييد حركة المرور. ونصت على أنه لا يترتب على أي نص من نصوص هذا القانون تقييد ما للشرطة في الحق في تفريق كل احتشاد أو تجمهر من شأنه أن يجعل الأمن العام في خطر، بينما نصت المادة 25 على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن 30 ألف جنيه، ولا تزيد على مئة ألف جنيه لكل من فعل أو حرض أو ساعد على مخالفة أحكام هذا القانون، وقدم القيادي الإخواني والمتحدث باسمها محمود غزلان حلاً لأزمة اعتصامي رابعة والنهضة قبل الأزمة بشهور طويلة، ويتلخص الحل الذي قدمه «غزلان» في الآتي، طبقاً لما ورد على لسانه في تصريحات تلفزيونية: اقترح محمود غزلان أن يتم منح أعضاء المجلس العسكري حصانة ضد المساءلة عن أحداث واشتباكات محمد محمود والتعامل الأمني المفرط مع اعتصام التحرير وقال، إن ضحايا الاشتباكات من مصابين وشهداء يمكن تعويضهم عن طريق دفع الدية، وطبقاً لخطة غزلان يمكن منح المجلس العسكري الحصانة والبدء في فض اعتصام رابعة بالقوة مع الوعد بتعويض جميع الشهداء والمصابين بنظام الدية».
سعيد الروبي:
أتمنى الحرية للمحبوسين ظلما
أما صاحبنا القيادي في جمعية الدعوة السلفية الدكتور سعيد الروبي فقد تمنى في يوم الجمعة أيضا في مقاله في جريدة «الفتح» لسان حال الجمعية وحزب النور عدة أمنيات بمناسبة ذكرى ثورة يناير هي: «أتمنى أن لا تراق قطرة دم واحدة في هذا اليوم أو قبله ولا بعده، وأن يصطلح المصريون بعضهم مع بعض، وان يصطلح المسلمون كلهم بعضهم مع بعض. أتمني أن تتحسن الحالة الدينية والإيمانية لكل المسلمين أكثر وأكثر. أتمنى أن تتوقف المعارك الإعلامية في أجهزة الإعلام والحملات الهجومية المستمرة. أتمنى أن تخفض الأسعار وتتحسن الخدمات وتقل أو تنعدم أو تختفي المعاناة على أوسع نطاق. أتمنى أن تحل قضية سد النهضة الإثيوبي في أسرع وقت لأنها سبب قلق عند قطاعات واسعة من المصريين. أتمنى أن يشعر كل مواطن بوجود مجلس النواب شعورا يخفف عنه معاناته. أتمنى أن يختفي الشعور بالسخط المنتشر بيننا حاليا ويحل محله الشعور بالرضى والقناعة. أتمنى أن تتوقف معاناة أهل الشام وأهل العراق وكل أهلنا في شتي بقاع الأرض. أتمنى أن يحصل الشباب على فرص عمل مريحة بمرتبات معقولة بدلا من العطالة والبطالة والتفكير المستمر في السفر. أتمنى الحرية للمحبوسين ظلما أتمنى اختفاء مشاعر الغيظ والكراهية والبغض من صدور المصريين لتحل محلها مشاعر الراحة».
حزب «النور» يدعو
المواطنين لعدم النزول
ومشكلة صاحبنا سعيد الروبي أن طيبته الشديدة دفعته لأن يتمنى تحقيق كل هذه الأمنيات بعد ثلاثة أيام فقط لا غير من كتابتها، أي اليوم الاثنين الموافق ذكرى الثورة، رغم علمه أنه يوم أجازة رسمية، أما رئيس حزب «النور» الدكتور يونس مخيون فقد أصدر بيانا باسم الحزب رفض فيه دعوات النزول للتظاهر في هذا اليوم، وقال نقلا عن زميلنا في «الفتح» محمد بدر: «الحزب يرفض دعوات التظاهرات في 25 يناير/كانون الثاني، كما يدعو المواطنين لعدم النزول وعدم الاستجابة لهذه الدعوات، مرجعًا ذلك لأسباب منها أن الوضع في مصر لا يحتمل، بالإضافة إلى تعرض مصر لمخاطر ومؤامرات داخلية وخارجية، وحاجتها لحالة من الاستقرار. وأن مثل هذه الفعاليات غالبا ما تستغل من جهات معينة لإثارة الفوضى والعنف، وينتج عنها كثير من الصدامات التي تؤول إلى إراقة الدماء وسقوط ضحايا ومصابين. مؤكدا على ضرورة تجنب آثار هذه الفعاليات التي تؤدي إلى إعطاء صورة سلبية للعالم الخارجي بعدم استقرار مصر، بما يؤدي إلى هروب الاستثمار، ما يكون له أثر سلبي على الفقراء وهم أكثر الفئات تضررًا من مثل هذه الفعاليات. هذه التظاهرات تعود بكثير من المشاكل على الشعب المصري ولا يكون لها أي نتائج على الأرض، بل تؤدي إلى حدوث انقسام مجتمعي ومزيد من التخريب والدمار. موضحًا أن معظم الفعاليات السابقة رأينا أنه ينتج عنها كثير من القتلى والجرحى. هناك طرق أخرى يمكن أن يسلكها من يريد التظاهر لتصحيح الأخطاء التي يراها والتعبير عن الرأي بطرق سلمية، موضحًا أنه لا ينبغي أن يعالج الخطأ بخطأ آخر، وأن هذه الفعاليات، حتى إن بدأت سلمية، إلا أنها تنتهي غالبا بالعنف، وذلك وهو الواقع الذي شاهدناه في الفعاليات السابقة».
محمد أمين: سيناريوهات
الثورة في مصر غير واردة
هذا ما قاله رئيس حزب النور السلفي وفسره في اليوم التالي السبت زميلنا وصديقنا في «المصري اليوم» محمد أمين في عموده اليومي «على فين» بإضافة سبب آخر، وهو أنه سواء هناك دعوات أو صرخات للثورة فلا صدى لها أو فائدة من ورائها أو كما قال: «سيناريوهات الثورة في مصر غير واردة ثورة ليه؟ ثورة إيه؟ ما المطلوب؟ غير صحيح أن المصريين يخشون 25 يناير الناس قرفت الثورة لم تعد مهنة، والناشطون انقرضوا! لفرق كبير بين مصر في 25 يناير 2016 ومصر قبل 25 يناير 2011 كالفرق بين السماء والأرض. خمس سنوات غيّرت شكل مصر وغيرت طبيعتها السياسية وغيرت أيضاً قناعات مَن يحكمونها. المصريون يعرفون هذا والعالم أيضاً. يخطئ مَن يتصور تكرار ما حدث في 25 يناير، ويخطئ مَن يتصور تكرار سيناريو اقتحام الأقسام والسجون كلام فارغ، لا الدولة نايمة ولا الشعب نايم ولا الأجهزة ستقع في الحفرة مرتين. أصبحت مسألة كرامة، وبعيداً عن هذا هل هناك مبررات للثورة؟ هل هناك دوافع تتصل بالفساد أو تزوير الانتخابات أو أشياء أخرى؟ الإجابة جائز، لكنه ليس فساد نظام وإنما فساد أفراد لا يحميهم النظام بالمرة! لا تستطيع الادعاء أن النظام الآن فاسد ولا تستطيع الادعاء أنه يحمى فاسدين ولا تستطيع أن تقول إنه يريد حكم مصر للأبد وتحويلها إلى عزبة هذا غير وارد».
الشباب فجروا
بغضبهم ثورة يناير المجيدة
وإلى «أخبار اليوم» (قومية) في يوم السبت نفسه وزميلنا محمد الشرايدي وقوله في عموده «ضوء عربي» عن الثورة التي أطاحت بمبارك ونظامه: «تحية مباركة لشباب مصر المحروسة، الذي فجر بغضبه وأنامل أصابعه ثورة يناير المجيدة. وتحية لأرواح شهداء الثورة الذين قتلهم مبارك ونظامه الفاسد، ولم ترتح أرواحهم حتى الآن. وتحية للقضاء الشامخ الذي أقر وحسم فساد مبارك وأولاده وننتظر أن يحاسبه على قتل الأرواح الطاهرة في كل ميادين التحرير. وتحية لأرواح أمهاتهم اللاتي لم تبرد قلوبهم ولم تجف دموعهم ولم يشعرن أن حقهن وحق مصر قد عاد إليهن، رغم أن ثورة 30 يونيو قد صححت أخطاء الشباب والكبار في يناير المجيدة. وتحية وفرحة وأمل لكل شعبنا العظيم القادر على التغيير والراغب دائما وأبدا في دفع ووضع مصر المحروسة في المكانة والمقام الذي يليق بعظمة مصر والمصريين، ومصر التاريخ والجغرافيا ومصر الإرادة. يحق لنا ـ نحن شعب مصر ـ أن نفرح ونسعد بشبابنا الغاضب مفجر الثورة، وان نبث فيهم الأمل كما بثوا فينا إرادة الثورة والتغيير، وان نعيد لهم الثقة في ما صنعوه وحققوه وكانوا إرادة التفكير الجماعي والعقل المحرك لثورة شعب لم يكن لها قائد أو زعيم وهذا ما تداركه المصريون في 30 يونيو».
التشويش على ثورة يناير
ونظل في يوم السبت مع زميلنا إبراهيم خليل «ناصري» رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» (قومية) وقوله: «تذهب قيادات وتأتي قيادات، ولكن 25 يناير/كانون الثاني سيبقى. حصلت أخطاء ولا أحد ينكر ذلك، لكن في الحركات الشعبية هناك دائما مراجعات وإعادة تقييم، لكن الخطيئة هي في اعتقاد البعض أن 25 يناير انتهت.
لولا 25 يناير لما استطاعت قوى كثيرة أن توجد في الشارع السياسي، أو مجرد الدخول إلى مجلس النواب، فكل ما حدث على أرض مصر من عزة وكرامة وحرية، وكذلك من تولوا المناصب القيادية الفضل يرجع في كل ذلك إلى 25 يناير. إن من يتحدث عن ثورة 25 يناير أنها قد انتهت كأنه يقول إن الشعب المصري لم يعد موجود. كثير من أعداء الثورة أو أعضاء الثورة المضادة بدأوا بالتشويش عليها وشن الحملات المتتالية وإذاعة التسجيلات المفبركة، بدعوى أن ثورة يناير مؤامرة، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل لأن المصريين شعب حي لا تنطلي عليه كل هذه المحاولات».
كذلك نشرت المجلة سلسلة تحقيقات وأحاديث عن ثورة يناير ومن شاركوا فيها .
محمد الكردوسي:
أكره ثورة يناير ولا أعترف بها!
ويوم الأحد، أمس، كتب رئيس التحرير التنفيذي في جريدة «الوطن» زميلنا محمد الكردوسي «ناصري» مقالا شرح فيه موقفه العنيف الذي يتخذه ضد ثورة يناير وبعض من شاركوا فيها فقال: «اعتقد مرتزقة «25 يناير» أنني أكرهها ولا أعترف بها وأراها جزءاً من مؤامرة كونية حقيرة يسمونها «الربيع العربي» لأنني من «أبناء مبارك» الذين أكلوا على موائده ولحم أكتافهم من خيره! لن يضيرني ولم أكن لأخجل من إعلان انتمائي لمبارك والتباهي بأنني «ابن عصره وأوانه» لكنني لست كذلك: لا كنت ولا سأكون والشواهد كثيرة ومثبتة بسلسلة مقالات كتبتها في جريدة «المصري اليوم» بدءاً من عام 2006 وحتى اندلاع المظاهرات في ذلك اليوم المشؤوم. كتبت مهاجماً مبارك بشكل شخصي ومهاجماً نظام حكمه ورؤوس هذا النظام، وكان خطابي في هذه المقالات سافراً ومباشراً وعدائياً، إلى حد أنني كثيراً ما كنت أنام خائفاً موسوساً بينما كان هؤلاء المرتزقة يتسكعون في شوارع وحواري القاهرة، أو يقصون حكاياتهم التافهة وأوهامهم الثورية على مقاهي وسط البلد».
الثورة التي تآمر عليها الجميع
وإلى جريدة «المقال» اليومية المستقلة، وسعر النسخة منها جنيه واحد، وبدأت تكتسب القراء بسبب طبيعة موضوعاتها المنفردة عن غيرها إلى حد ما. حيث وجدنا زميلنا الكاتب نبيل عمر يشن هجوما على قطاع من شباب الثورة ويقول عنهم: «بالقطع لم يكتب تاريخ انتفاضة المصريين في 25 يناير/كانون الثاني، وكان يمكن أن تكتمل تلك الانتفاضة إلى ثورة متكاملة، لولا أن تأمر عليها الجميع، من دون استثناء وكان شباب الثورة عدوانيا منفلت اللسان قليل الأدب، ما يظهر أحدهم على الشاشات التلفزيونية إلا ويسب ويشتم ويهين، ونسي أن نزول الناس إلى الميادين العامة بالتدريج هو الذي أنقذه من براثن سلطة مبارك القوية، ولو تركه الناس في مواجهة السلطة منفردا لكان من السهل عليها أن تكسر عظامه وتنهي الأمور المضطربة في يومين أو ثلاثة أو في أسبوع على الأكثر. على الرغم من التدريبات التي حصل عليها البعض في الخارج في كيفية إنهاك قوات مكافحة الشغب وتفادي تأثيرات القنابل المسيلة للدموع، وهي تدريبات مريبة لا يمكن هضمها أو فهمها، فلماذا تنظمها جهات أجنبية لشببا من مصر ولأي غرض. ولم يفهم الشباب أيضا قيمة المؤسسة العسكرية في الضمير الوطني المصري، واستجابوا لمن ورطوهم في مفهوم العسكر. صحيح أن شباب مصر ما زال غاضبا وأسبابه صحيحة إلى حد كبير، لكن فجوة الثقة بينه وبين مجتمعه ما زالت كبيرة».
المجتمع يعيش أجواء
من الاحتقان والسخط
أما جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» ورئيس مجلس إدارتها فيتساءل في مقاله يوم أمس الأحد، لماذا تحولت ذكرى يناير إلى كابوس أمني: «أشعر بالدهشة الحقيقية من التصعيد الأمني والعسكري والإعلامي الرسمي استباقا ليوم 25 يناير/كانون الثاني (غدا)، لا أعرف سببا منطقيا لذلك، وفي المحيط الذي أتعامل معه بمختلف أطيافه الإعلامية والسياسية يشعرون بالدهشة نفسها ولسان حالهم يقول بصوت واحد: هو فيه إيه؟ هناك استنفار أمني مبالغ فيه جدا، وسيطرة على الميادين المهمة، ونزول للجيش لدعم الشرطة في «تحزيم» العاصمة تحديدا، وتصريحات متوترة لقيادات أمنية تهدد بالضرب في المليان، وحملات إعلامية من الإعلاميين المرتبطين بالأجهزة الأمنية تتحدث باللغة نفسها، القتل والسحل لمن ينزل يوم 25 يناير، تشعر بأن البلد على أبواب حرب أو مواجهات دموية أو صدامات ضخمة، أين هذا؟ لا تدري، لا يوجد أي شاهد على الأرض لذلك، ولا يوجد أي دعوات حشد معروفة على نطاق واسع، خاصة من القوى التي شاركت في ثورة يناير 2011، ومن ثم تعددت التفسيرات لهذا الاستنفار العجيب. هناك من يتصور أنه نوع من التكتيك الأمني الذي يعتمد على شحن الأجواء بالخوف بما يحقق ردع أي مجموعة تحاول النزول أيا كان عددها أو حجمها، والبعض الآخر قال إنه ربما كان لدى الأجهزة الرسمية من الأخبار والتقارير الخاصة من مصادرها ما يقلقها أو يخيفها ويوجب عليها اتخاذ تلك التدابير، والبعض اعتبر أنه «وسواس» يناير الذي تحول إلى كابوس دوري كل عام يفزع الأجهزة الأمنية ويجعلها لا تنام وتتوقع المفاجأة في أي لحظة، ومن حيث لا تحتسب كما جرى في 2011 . في كل الأحوال، وأيا كانت التفسيرات، إلا أن لهذا الذي يجري دلالات مؤكدة وصارخة وصريحة، على أن القيادة السياسية للبلد وأجهزتها لديها يقين بأن المجتمع يعيش أجواء من الاحتقان والسخط، وأن ملايين الشعب المصري ليست راضية عن أدائها ولا عما يجري، وأن شوارع الوطن ومدنه معبأة بالغضب والإحباط الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة أو أن تستثمره أي قوى سياسية في أي لحظة… وهذا وضع بائس لدولة تعاني كثيرا على المستوى الاقتصادي والأمني، حيث مواجهة إرهاب شرس، وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي حيث الانقسام غير المسبوق في تاريخ مصر الحديث، هذه أحوال لا يمكن أن تبنى عليها خطط للإصلاح أو الإنقاذ في أي اتجاه، هي أرض رخوة، رمال متحركة، كل شيء جائز، كل شيء ممكن، كل احتمال قائم في الغد القريب أو البعيد . مما لا شك فيه أن ثورة يناير أحدثت تغييرا هائلا في التكوين النفسي والسياسي لملايين الشباب المصري، طاقات التغيير والحسم في أي مجتمع، والملايين الذين شاركوا في الثورة في يناير 2011، انضم إليهم الآن قرابة خمسة ملايين شاب آخرين كانوا في تلك السن ما زالوا على مقربة من الطفولة، خمس سنوات في بوتقة الثورة وأحداثها نقلتهم إلى سن النضج والخطر والوعي بالثورة وبالتغيير، وكل هذا الجيل كان مفعما بالتغيير، وحالما بالمستقبل الأفضل، هؤلاء الصغار الذين نزلوا إلى الشوارع في أعقاب الثورة يغسلونها ويدهنون أرصفتها بالألوان الجميلة ، ويزينون جدرانها بالرسومات المتفائلة، هذه الملايين الحالمة اغتالوا أحلامها بفعل ما حدث في الأعوام الأخيرة، ولكن أشواقهم لم تنكسر وروحهم ما زالت مشدودة إلى التغيير، وهذه الطاقات ليست تنظيما أو جماعة أو حتى حزبا، ليست تيارا أيديولوجيا، هي تيار إنساني في كل شارع أو حارة أو قرية أو مدينة، يستحيل أن تصنفهم أو حتى أن تتابع سلوكهم وردات أفعالهم، وهذه الطاقات هي مستقبل البلد الحقيقي، كما أنه من المستحيل أن تمضي في طريقك كسلطة إلى المستقبل بدونهم، أو بدون رضاهم، وهو تيار يمكن أن يفاجئك في كل لحظة بالتبلور في صيغة مشابهة لما جرى بشكل مفاجئ ومليوني يوم 28 يناير 2011 … إن معظم القيادات التي تقبض على مفاتيح القرار في مؤسسات الدولة وأجهزتها لا تستوعب تلك الحقائق الجديدة، وتتجمد خبراتها السياسية والأمنية عند تجارب عقود مضت، لم تعد حساباتها وموازينها وأدواتها قائمة في عالم اليوم، وهذا ما يصنع الفجوة، وهذا ما يجعلك أمام تناقض عجيب، بين ادعاءات السيطرة والهيمنة وسحق أي اعتراض، وبين الفزع الشديد الذي يصل إلى حد الوسوسة الأمنية والسياسية تجاه أي حراك شعبي منتظر أو متخيل، وحتى يتم ردم هذه الفجوة، ووجود سلطة سياسية تستوعب هذا التغيير وتحترمه، ستظل مصر تعيش هذه المشاهد المقلقة والخطيرة والكابوسية في كل مناسبة أو ذكرى كانت مرتبطة بتحولات ثورة يناير».
«مش عارف أفرح
بكرة ولا أخاف؟»
وما ذكره نبيل صحيح عن الشباب، ولذلك أصيب بمرض نفسي وهو ما علمناه أمس أيضا من زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب عمرو سليم «ناصري « في «المصري اليوم»، إذ قال إنه ذهب لزيارة قريب له وهو طبيب نفساني فشاهد عنده شابا يشكو له من مرضه ويقول: عندي شيزوفرينيا يا دكتور مش عارف أفرح بكرة ولا أخاف؟.
تعطيل عودة أموال
مبارك في الخارج
وبمناسبة التحية التي وجهها الشرايدي للقضاء المصري بإصدار محكمة النقض حكمها النهائي ضد مبارك وابنيه علاء وجمال بالإدانة في قضية أموال القصور الرئاسية، والمسارعة في المطالبة باستعادة أموالهم المهربة نشرت «الأهرام» في يوم السبت نفسه حديثا مع المستشار أحمد الزند، أجراه معه زميلنا وصديقنا مكرم محمد أحمد سأله فيه عن هذه القضية وغيرها إلا أن ما يعنينا ما يخص الأموال التي قال عنها الزند: «قبل سبعة أشهر أعدنا تشكيل لجنة الأموال المهربة، بحيث يرأسها النائب العام وتضم ممثلين عن كل الأجهزة المختصة، وفي مقدمتها الكسب غير المشروع، وقد دارت المباحثات بين النائب العام في مصر والنائب السويسري، وما من شك في أن صدور حكم نهائي وبات في قضية الرئيس الأسبق مبارك يشكل واحدا من أهم شروط استرداد هذه الأموال، مع وجود شروط أخرى عديدة. ولا اكتمك القول إن هذا الطريق لا يزال يواجه صعوبات جمة، مصدرها تعقيد التشريعات التي تصدر عن هذه الدول في محاولة استرجاع هذه الأموال، ويكاد يكون الهدف الأول من هذه التعقيدات تعطيل عودة هذه الأموال كي تؤول إلى خزائن هذه الدول! والأغرب من ذلك أن صدور حكم بحفظ هذه القضايا لعدم تلبية الشروط المطلوبة يعطي لهذه الدول الحق في مصادرة الأموال لمصلحتها! والأشد غرابة أنه بفرض صدور حكم لمصلحة رد هذه الأموال فإنها تعود في شكل معونات عالمية تشرف هذه الدول على إنفاقها في مشروعات تخضع لموافقتها! ومع ذلك نحن مستمرون في هذا الطريق إلى نهايته. كل ما لدينا من معلومات مدققة هو ما أفصحت عنه الحكومة السويسرية قبل عدة أشهر من أن المبالغ الموجودة لدى بنوكها في حدود 350 مليون يورو، على ما أتذكر، لا تخص الرئيس الأسبق وأسرته فقط ولكنها تخص جميع المسؤولين المصريين الذين أودعوا هذه الأموال في بنوك سويسرا».
أنت الذي يجب أن ترحل منها وليس أنا
ومن الاحتفال بثورة يناير إلى الاحتفال بعيد الشرطة ومناسبة الاحتفال في هذا اليوم 25 يناير، التي قال عنها زميلنا في «الجمهورية» مدبولي عثمان يوم السبت حتى يذكر بها الشباب والكبار إذا كانوا قد نسوا: «إذا أنت لم تأخذ قواتك من حول المبنى سأبدأ أنا الضرب، لأن تلك أرضي وأنت الذي يجب أن ترحل منها ليس أنا. تلك العبارة قالها بشجاعة ضابط شرطة مصري لقائد قوات الاحتلال الإنكليزي في الإسماعيلية البريجادير «اكس هام» الذي كانت قواته تحاصر مبنى محافظة الإسماعيلية صباح 25 يناير 1952، هذه الكلمات التي سجلها التاريخ بدماء الشهداء كانت أبلغ رد على طلب القائد البريطاني المتغطرس برحيل قوة الشرطة المصرية عن مبنى المحافظة بدون أسلحتهم، بعدها بدقائق دارت معركة غير متكافئة بين قوة الاحتلال وقوامها سبعة آلاف جندي بريطاني مزودين بالأسلحة تدعمهم دباباتهم الثقيلة وعرباتهم المصفحة ومدافع الميدان، بينما كان عدد جنود الشرطة المصريين المحاصرين في المحافظة والثكنات لا يزيد على 800 جندي، لا يحملون غير البنادق التقليدية. ظل أبطال الشرطة صامدين في مواقعهم يدافعون عن مبنى المحافظة ببنادقهم العتيقة لمدة 6 ساعات، حتى نفدت ذخيرتهم وسقط منهم في المعركة 64 شهيدا و80 جريحا، بينما سقط من البريطانيين 13 قتيلا و12 جريحا وأبهرت شجاعة الجنود المصريين العدو الإنكليزي ودفعت الجنرال ماثيوس، وهو قائد القوات البريطانية في منطقة القناة، أن يؤدي التحية العسكرية لهم معترفا بأنهم «دافعو عن مبنى المحافظة ببطولة لم تحدث من قبل، واظهروا مهارة غير عادية باستخدامهم البنادق التي معهم ووقوفهم بها أمام دبابات وأسلحة الجيش البريطاني المتعددة واستسلموا بشرف» لم يترك الشعب المصري رجال الشرطة وحدهم يواجهون المحتل، فقد تسلل العشرات من أهالي الإسماعيليةإلى داخل مبنى المحافظة حاملين المياه والطعام إلى الجنود، وشاركوهم في القتال، وفي اليوم التالي السبت 26 يناير عم الغضب الشعب المصري. وتسجل الوقائع التاريخية أن الغضب بدأ في الثانية من صباح ذلك اليوم بتمرد عمال الطيران في مطار القاهرة ورفضهم شحن وتفريغ مهمات الجيش الإنكليزي تبعها تمرد بلوكات النظام «البوليس» تضامنا مع زملائهم، الذين قتلوا في الإسماعيلية، ثم زحف المتظاهرون تجاه الجامعة وانضم معهم الطلبة واتجهوا إلى مبنى رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا، وإعلان الحرب عليها، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشؤون الاجتماعية بأن الحكومة ترغب في ذلك، ولكن الملك يرفض، فقصد المتظاهرون قصر عابدين وانضم إليهم طلبة الأزهر وتجمعت حشود المتظاهرين الساخطين على الملك وأعوانه والإنكليز. وما أن انتصف اليوم حتى بدأت الشرارة الأولى لحريق القاهرة من ميدان الأوبرا وانتشرت النيران في فندق شبرد ونادي السيارات وبنك بركليز وغيرها من الأماكن والملاهي الليلية، والمؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية، وسادت الفوضى وأعمال السلب والنهب وقتل 12 شخصاً ودمرت النيران ما يزيد على 700 مكان، وهي بالتأكيد تصرفات سلبية ترتكبها مجموعات قليلة منظمة من مستغلي الغضبة الشعبية، وتستهدف الأضرار بصالح مصر وهذا ما تكرر حدوثه خلال ثورة 25 يناير بحرق أقسام الشرطة والمرافق العامة وتصاعدت الأحداث طوال عدة أشهر حتى قامت ثورة 23 يوليو/تموز 1952 «.
حسنين كروم