5 حزيران من يتذكر؟

حجم الخط
10

في مناسبتين منفصلتين تحدث أمير «جبهة النصرة» والأمين العام لـ»حزب الله» وكانت ذكرى الخامس من حزيران تلوح في الأفق. والقاسم المشترك بين خطابي الرجلين هو غياب الإشارة إلى ذكرى حرب حزيران. صحيح ان السيد نصرالله تحدث عن الجهوزية لمواجهة إسرائيل، لكن كلامه جاء في سياق آخر وكرد على تصريح إسرائيلي أعلن ان الدولة الصهيونية قادرة على تهجير مليون ونصف المليون لبناني، لكنه كان معنيا بمسألة واحدة هي الدفاع عن نظام الاستبداد في سورية. أما الجولاني، الذي يطلق عليه انصاره لقب الفاتح، فلم نسمع له موقفا من دولة الاحتلال، ولو من أجل تبرير التصاق اسمه بالجولان السوري المحتل.
بقية اللاعبين، من الأسد الابن الذي احتلت إسرائيل الجولان في عهد أبيه، إلى البغدادي، إلى قاسم سليماني، إلى آخر سلالة قادة هذا الزمن المنقلب، لم ينبسوا، وتابعوا مسيرات حروبهم التدميرية، التي سوف تدخل كتب تاريخنا بصفتها عصر الانحطاط الكبير الذي أسسته هزيمة الخامس من حزيران.
كلهم تناسوا الخامس من حزيران، والسبب لا يعود فقط إلى انشغالهم بحروب التدمير التي يخوضونها، بل لأنهم يعرفون انهم مدينون بسلطاتهم وتسلطهم لذلك اليوم الأسود الذي هزمت فيه العرب. كانت الهزيمة بداية صعود همجيتين: همجية الاستبداد من ناحية، وهمجية التيارات الأصولية من ناحية أخرى. الاستبداد الذي بنى سلطته على فتات الهزيمة دمر المجتمعات العربية وأذلها، كما لعب دورا رئيسيا في تحطيم الرد على الهزيمة الذي مثلته المقاومة الفلسطينية، أما الأصولية بشقيها السني والشيعي فلقد صعدت بفضل التمويل النفطي وترسخت بصفتها قفا الاستبداد ورديفه ونقيضه ونسخته الجديدة في آن معا.
نحن في زمن الهزيمة الحزيرانية لا أكثر ولا أقل. رد الشعوب على الهزيمة تأخر 40 سنة، ولاحت آفاقه في الانتفاضات الثورية الشعبية التي عمت المشرق العربي انظلاقا من تونس. وباستثناء انتفاضات صغيرة كانتفاضة طلاب مصر عام 68، ومحاولات الكفاح المسلح في العراق، فإن الجواب الوحيد على الهزيمة جاء عبر المقاومة الفلسطينية التي قاتلت إسرائيل والنظام العربي برمته، قبل أن تدخل في مرحلة خمودها بعد اتفاق اوسلو.
كشفت الهزيمة كذب الاستبداد وعدم قدرته على الدفاع عن الأوطان، وفي داخل تداعياتها تحولت الحركات القومية التي حكمت باسم الرد على النكبة، وقادت العرب إلى ذلّ حزيران، إلى قوى متوحشة في استبدادها. حتى الطابع الشعبوي والاصلاحات الاجتماعية التي صنعتها الناصرية تبخرت مع السادات ومبارك، وصارت ديكتاتورية سافرة لا أفق لها سوى حماية النهب، والانبطاح امام الولايات المتحدة وإسرائيل. أما كاريكاتور ناصر البعثي أو القذافي فتحول إلى وحش مطلق، وإلى أداة لسحق المجتمع وتحطيمه، مستلهما أكثر النماذج سفالة، فمزج الحكم المملوكي بالنموذج الكوري الشمالي.
الهزيمة أنجبت وحش الديكتاتور الذي نما إلى جانبه وحش الأصولية، تصارع الوحشان في أغلب الأحيان، وائتلفا أيضا، لكنهما اتفقا على تحويل الهزيمة من لحظة تاريخية نتعلم منها إلى أبد هزائمي لا خلاص منه.
ورغم كل التحليلات الشائعة اليوم على أن الثورات الشعبية العربية لا علاقة لها بفلسطين، وأن القضية الفلسطينية صارت هامشية ولم تعد قضية أحد، فإن جوهر ما يجري في المشرق العربي مرتبط بالهزيمة الحزيرانية.
أعلنت الهزيمة ضرورة سقوط انظمة الاستبداد. فالديكتاتوريات لم تبن جيوشا، بل بنت أجهزة قمع بوليسية ضد شعوبها. وحين انكشف عجزها وخزيها انقلبت إلى وحش مطلق، وخصوصا بعد فشلها في غسل عار حزيران في حرب تشرين. أما الأصوليات فقد نمت على ضفاف الفقر والتهميش، ثم انطلقت إلى رحاب العولمة الشاملة مع تدفق المال النفطي ومشاركته في الحرب الباردة، الذي انتج القاعدة ومتفرعاتها.
واليوم يتشكل الجحيم من حولنا وفي داخل مدننا وقرانا، وتتحول بلادنا إلى ملعب يتصارع فيه وحشان وتتجاذبه أصوليتان. والحرب بينهما تدور في ظل الطائرات الحربية الأميركية التي تتفرج على الدم، وتنتشي بمشهد اندثارنا.
السيد الجولاني بعث برسالة تطمين إلى الغرب، وايران تسعى إلى اتفاق مع أمريكا، والأسد الصغير يقاتل مع «داعش»، كي يستجلب العطف الأمريكي! الجولاني لم يجد ما يقوله سوى تهديد العلويين والدروز، والحشد الشعبي يريد استعادة الرمادي بشعارات طائفية، وقاسم سليماني يقفز من العراق إلى الشام ويجلب المقاتلين، كي يطمئن أزلامه الخائفين من الاندثار.
هؤلاء القتلة ليسوا سوى صدى للهزيمة. ربما كانوا آخر أصدائها الوحشية، لكنهم يعملون جميعا كأدوات لتفكيك المنطقة وتهديمها، وبذلك ينجزون ما سعت الهزيمة الحزيرانية إلى تحقيقه، أي تحويل العالم العربي إلى أرض للخنوع والموت.
قراءة واقعنا الراهن بصفته صدى للهزيمة الحزيرانية لا علاقة له بالخطاب القومي السائد. فهذا الخطاب اندثر على أيدي اصحابه يوم حولوا سلطاتهم الانقلابية إلى حكم عصبيات ومافيات، بل هو محاولة لقراءة درس الهزيمة، الذي يتمثل أساسا في ضرورة إسقاط الاستبداد الذي لا يستطيع الدفاع عن الأوطان، ولا همّ له سوى البقاء في السلطة.
لذا يجب أن نقرأ الثورات الشعبية العربية كمحاولة لاستعادة حرية الناس وكراماتهم المهدورة. كما يجب أن نقرأ صراع الوحشيتين الاستبدادية والأصولية بصفته المحاولة الأخيرة لإنقاذ زمن الانحطاط. صحيح ان الثورات الشعبية محاصرة اليوم بالوحشية المطلقة وأن منطقتنا تعبر جحيم التفكك، لكن الصحيح أيضا هو أن هذه المرحلة السوداء التي تعلو فيها رايات الحروب الدينية والطائفية لن تقود «أبطالها» الا إلى الاندثار. فالسلاح الذي يذلّ الناس سوف يقتل من يحمله، والخطاب الطائفي الأجوف لن يكون سوى استكمال للخطاب الاستبدادي المحنط، ومرحلة ملوك الطوائف لن تكون سوى حفرة ندفن فيها أوهام انبعاث الماضي والتهويمات القيامية المصاحبة له.

الياس خوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية