غاليري تانيت في مار مخايل ينفض الدمار ويعود لنكون «معاً»
بيروت-»القدس العربي»: غاليري تانيت يستعيد حضوره الفاعل في عالم الفن بعد الدمار البالغ الذي أصابه جراء تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/اغسطس الماضي، إلى إصابات بشرية من ضحايا وجرحى بداخله وفي المبنى. أعاد الغاليري افتتاح مساحته في منطقة مار ميخائيل، يوم السبت 19 حزيران/يونيو، بمعرض يحمل عنوان «معاً» ومحوره مفهوم التعاون من خلال الشعور والفكر والتصرّف. ويستمر إلى 7 آب/اغسطس الجاري.
يشكل المعرض استجابة لنداء أطلقه الغاليري لتقديم مشاريع تنطلق من فكرة «معاً». 61 مشروعاً تلقتها اللجنة المكلفة بالاختيار. 17 منها شكلت معرض «معاً» وهي تمثل 17 وجهة نظر، و17 لغة فنية. وكل من وجهات النظر تلك كان لها توصيفها ومقاربتها الخاصة لفكرة «معاً». وكل وجهة نظر حملت تحدياتها، والتبني الخاص بها لفكرة أن نكون معاً من جديد. فبحسب صاحبة غاليري تانيت نايلا كتانة «لن نتمكن من إعادة الإعمار إلاّ معاً، والسماح لكل منّا بالتعبير عن حساسيته الخاصة وطرق صياغته لها».
المعيار الأساسي للمشاركة في المعرض أن يكون الفنانون مقيمون في لبنان. اختيار اللجنة وقع على أعمال للفنانين التالية اسماؤهم: علاء عيتاني، بتينا خوري بدر، كليمانس كوتارد هاشم، وكارولين تابت، كريستيان سليمان، كريستين كتاني، كريستيانا دي ماركي، الياس نفاع، الييش، جان ومورو، ليتيسيا حكيم وطارق حداد، منار علي حسن، ميسا الخوري، نويل نصر وكليف مخول، ريان رعيدي، ساره صحناوي، طارق مراد وزينة أبو الحسن.
«معاً» عنوان وضِع بين أيدي المهتمين وتُركت لهم حرية التعبير، وكيف للفن في أن يترجم التضامن والحسّ الجماعي من خلال الشعور. وكذلك من خلال الفكر والتصرّف. ومن بين أهداف هذا المشروع إعادة الحياة إلى شارع مار مخايل، عبر تقديم سلسلة من الاكتشافات من خلال أعمال لم يتم عرضها من قبل فنانين ناشئين، وآخرين معروفين.
إن كان تفجير 4 آب/اغسطس ووباء كوفيد-19 قد شكلا تحدياً جماعياً على مستويات عدّة وفي طليعتها جعل مفهوم أن نكون معاً باطلاً، فإن معرض «معاً» أتى بمثابة عرض للتعاون في كافة المجالات. المعرض الذي يشكل عودة لغاليري تانيت بعد الترميم، استوحى عنوانه وتالياً مجموعة الأعمال الفنية التي وضعت بمتناول المتلقين، من حاجة ماسة للمجتمع اللبناني للتلاقي. هذا المجتمع الذي تكاتفت بوجهه جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية ثم تفجير المرفأ المريع، عاش تباعداً موصوفاً، وبالتالي يحتاج للتواصل بين مكوناته. وإلى جانب الأعمال الفنية التي اتسم بعضها بتعاون ثنائي، كان للفنانين نص مكتوب عبّروا من خلاله عن مفهومهم لفكرة «معاً».
في المعرض: حزام العفة وعشوائية هوياتنا ومعمول العيد يجمعنا
بالوقوف على محتويات المعرض ثمة مقاربات مفاجئة لفكرة «معاً». بيتينا خوري بدر رصدت السماء لزمن طويل وخلُصت إلى موزاييك يستدعي معاينته بدقة. رسمت السماء بين الفصول، ليلاً ونهاراً، وكذلك خلال تفجير المرفأ. وأطلقت على عملها تعريف «يوميات سما». أما ليتيسّا حكيم وطارق حداد وهما مصوران لبنانيان، الأولى تعيش في لبنان والثاني في فرنسا، استدرجهما العمل على فكرة المسافة. تلك المسافة التي تفصل بين الناس وغالباً ما يكون البحر أبرزها. مسافة يحتمها السفر للدراسة أو البحث عن فرصة عمل. جذور فكرتهما انطلقت من «مغط» المسافة. واختبار قدرة التحمّل التي تتمتع بها. وهكذا تجسّدت الفكرة بصورة للبحر طُبعت على قماش وشُدّت من طرفيها للحد الأقصى المتاح. ومع انتهاء المعرض ستتحرر القماشة من رباطها للوقوف على التحولات الناتجة من الشّد. سارة صحناوي راحت إلى السيراميك مجسّدة حوض المرأة. من بين مجموعتها جاء حزام العفة الأكثر دلالة. فالفنانة أنجزت شكلا جذّاباً وعلمياً لحوض المرأة، ميزه القفل. فيما كانت للحوض أشكال عدة أخرى منفصلة ومتصلة. وفي رمزية عمل سارة صحناوي تبرز قدرات المرأة على الاحتمال، ومن خلال الحوض الذي يحمل الجنين تسعة أشهر، ويحمل الرجل خلال التواصل العاطفي. أما ميسا خوري التي عاشت مع جدتها، فصوّرتها بأوضاع مختلفة. تلك الصور شكّلت طريقة تواصل مع الجدة حين كانت عاجزة عن التعبير. إذاً الصور والفيديو فتحا خط تواصل بين الطرفين.
كريستيان سليمان ذهب باتجاه الأرض ليستحضر موضوع «السليق» الذي تشهده المناطق الجبلية، مع نهاية الشتاء وبداية الربيع. هذا النشاط الجماعي بدأ ينتعش من جديد في كافة مناطق لبنان مع الأزمة الاقتصادية والعودة للأرض. فقد جال كريستيان سليمان في كافة مناطق لبنان وجسّد موضوع «السليق» ضمن شبكة معبّرة. ومع النباتات أيضاً حيث تجسدت ثلاثة منها بمجسمات لثلاثة صناديق من المفترض أن تخبئ في داخلها الحظ الجميل. كارولين تابت وكليمانس كوتارد هاشم اختارتا لعملهما هذا نباتات لبنانية هي شقائق النعمان، والخبيزة والسيكلاما، مع ذكر استعمالاتها وفوائدها الصحية، إضافة إلى رمزيتها كونها جاذبة للحظ الجميل. وكان لطارق مراد أسلوبه في كيفية أن نكون «معاً» وببساطة جمع في وعائين مختلفين «ماء زمزم والماء المصلّى عليها» وترك للخلاط الكهربائي مهمة مزجهما.
إلى الفن الرقمي راحت منار علي حسن، ففي خلال الحجر المنزلي وجِدت المسافات بيننا بهدف الحماية. فيما غريزتنا تدفعنا لنتقارب. ولهذا تضاءلت المسافات رغم التباعد عبر استخدام المتاح من سبل تواصل كزووم وسكايب وغيرها. لكن السبل المتاحة للتواصل تلك كانت تصطدم بعوائق محلية كضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء، وهذا ما جسدته منار من خلال الفيديو. وإلى الجانب الروحاني غير الملموس والعلمي راحت كريستين كتّانة. جسّدت بخطوط متصاعد إصابات كورونا في لبنان بدءاً من شهر أيار/مايو 2020 وإلى شهر شباط/فبراير 2021. وبأسلوب تجريدي رسمت آثار الخط التصاعدي، وانعكاسه على حياتنا النفسية والجسدية والتواصل فيما بيننا.
من خلال المكعبات عمل الياس نفّاع على فكرة ضياع الخاص بالعام خلال الحجر. والسبب التواجد الكثيف على التطبيقات المتاحة في العالم الرقمي من زووم وسواه. الياس نفّاع المعماري بالأساس استعان بالخشب والزجاج وهما أساسيان في تكوين منازلنا، باحثاً عن الخاص والعام. من الهوية انطلقت كريستيانا دي ماركي لتطرح تساؤلات عن كيفية تشكلها، وعشوائيتها أحياناً. لجأت إلى طاولة الزهر، وحمل أحد أحجارها الـ43 خاصية المشكلة للإنسان. من تلك الخصائص العمر، والوضع الاجتماعي، ولون البشرة وغيرها. وكما يرمى الزهر على الطاولة بعشوائية، هويتنا عشوائية بتركيبها، وتالياً انعكاسها على حياتنا.
المصوران جان ومورو رصدا بتهكم قدرة الـ1000ليرة لبنانية الشرائية وعلى مدى زمني. حاجيات ضرورية للحياة تمّ شراؤها بأسعار مختلفة تبعاً لسعر صرف الدولار. منها الدواء، والبنزين، والسجائر وغيرها. تراجعت قدرات الـ1000 ليرة وصارت تشتري نصف موزة، ونصف فنجان قهوة، ونصف قناع للحماية من كورونا. وهكذا تدهورت الليرة تباعاً في مراحل متعددة.
الفنان إلييش اشتغل على موضوع «الثورة» مقدماً إياها من منظار مختلف اسمه «هابي فييت». ثورة وقف فيها الشعب اللبناني منتظراً التغيير، ولكن… عبر الفيديو كانت لحركة الأقدام لغتها، بين سير نحو الأمام وسير إلى الخلف. إنها لعبة التصوير ولعبة دمج الفيديوهات، والصوت ينقل ما تردد خلال «الثورة» من شعارات.
مهنة زينة أبو الحسن التصوير، شاركت في المعرض بقطع من السيراميك عبّرت من خلالها عن العجز الذي أصابها بعد التفجير. قطّعت السيراميك وأعادت لصقه. ظهرت قطعها الثلاث وكأن أحدها يغمر الآخر، أو يسنده. تلك القطع المتنوعة والمجموعة شكلت وحدة بعنوان «معاً». ببساطة عبّر علاء عيتاني عن ما يجمع المكون اللبناني في المناسبات والأعياد. إنه معمول العيد فجسّده في صور متعددة.
إلى المتاهة أخذتنا ريّان رعيدي في رحلة متشابكة لتحكي من خلالها علاقاتنا كبشر، وكيف يتأثر أحدنا بالآخر، وأثر المحيط الذي نعيش فيه علينا. لوحة تقول بمدى التشابك. إلى رندا ميرزا ولارا تابت اللتان تواصلتا كمصورتين مع مجموعة من المصورين في لبنان لتبادل الصور. بدأ التبادل يوم 19 حزيران/يزنيو. مهمة يومية يعمل خلالها غاليري تانيت على وصل الأسمين الذين تبادلا الصور من خلال «تومبولا». إنه مجتمع صغير للمصورين تجمعه شبكة وتبادل للأعمال. وهذا ينافي النظر للفن كقيمة استثمارية، ويؤكده كقيمة تواصلية. والسحب ينتهي في 7 آب/اغسطس مع نهاية المعرض.
نايلا كتانة
سألت «القدس العربي» صاحبة غاليري تانيت نايلا كتانة عن إمكانات الفن في نشر الأمل وبأن نكون معاً في مدينة تتراجع إلى الخلف وبسرعة؟
• بعزم وقوة وأمل عملنا لترميم الغاليري لمساعدة الفنانين ومساعدة ذاتنا أيضاً. لحق بنا ضرر بشري ومادي كبير. أصيب بعضنا بجروح حيث كنا أربعة أشخاص في الغاليري حين حدث التفجير، كما فقد آخرين حياتهم في هذا المبنى. بعد أشهر على التفجير بدأت أتعافى نفسياً وباشرت رحلة الترميم بتمهل، وكأننا كنا في مرحلة إعادة البناء. انتظرنا مستحقاتنا من شركة التأمين لكنها لا تزال متخلّفة عن واجباتها، لهذا كان تركيب الزجاج هو المرحلة الأخيرة. ومن ثمّ أطلقنا عبر وسائل التواصل دعوة للمشاركة في معرض ينطلق من فكرة أن نكون «معاً» للفنانين المقيمين في لبنان. الشرط الوحيد للمشاركة في المعرض أن يكون المشارك دارساً للفن أو للهندسة المعمارية، أو لفن السينما أو التصوير. تلقينا 61 طلباً، واختارت اللجنة المكلفة بالمهمة 17 مشروعاً، من بينها عدّة مشاريع عمل مشتركة بين اثنين. دون شك للفن قدرة بعث الأمل، هذا في الرد المباشر على السؤال. وقد استقطب المعرض عدداً كبيراً من المتفرجين خلال الافتتاح، خاصة وأنه شكل الافتتاح الأول الكبير في منطقة مار مخايل بعد الدمار. الحضور فاق التوقعات رغم الأزمات التي يمر بها الناس من كهرباء وبنزين وماء وسوى ذلك.
○ هل شكلت المشاريع التي وصلتكم مفاجأة في مكان ما؟
• هناك مستويات عدّة للأعمال التي تلقيناها، بعضها ضعيف، وبعضها الآخر يستحق الدعم ليتطور. بعضهم قدّم أفكاراً غاية في الخلق والذكاء للتعبير عن عنوان «معاً». رندا ميرزا ولارا تابت قدمتا فكرة جميلة. ومع بدء المعرض في 19 حزيران/يونيو يومياً يتم تبادل صورة بين فنانين. ويُختتم التبادل في 7 آب/اغسطس مع ختام المعرض.
○ هل يمكن القول أن الأعمال الفنية التي تمّ اختيارها للمعرض أشبعت فكرة «معاً» وشكلت رضى بالنسبة لك؟
• دون شك. المنطلق الفني الذي تمّ التعبير من خلاله عن الفكرة كان على درجة عالية من الأهمية. جميعهم كان لديهم بعد نظر في كيفية ترجمة مشاعره حيال فكرة «معاً».
○ هل أوحى لك المعرض بأمر ما للمستقبل؟
• نبحث في متابعة العمل مع عدد مختار من الفنانين المشاركين في معرض «معاً».
وأكّدت صاحبة الغاليري نايلا كتانة كونيغ أنّ «من دون الرغبة في العيش معاً الإبداع، وتطوير المشاريع والأفكار جنباً إلى جنب، مع السماح لكل منّا بالتعبير عن حساسيته الخاصة وطرق صياغته، فإن التقدم غير ممكن. لذلك، من أجل إعادة البناء، علينا أن نعمل معا.»