18 عاما على اغتيال بختي بن عودة: مديح الحداثة!

حجم الخط
0

قبل قرابة عقدين من الزمن وتحديدا في الثاني والعشرين من شهرايار/ مايو عام 1995، وقع المفكر والشاعر الجزائري بختي بن عودة قتيلا برصاص العنف الظلامي الذي ضرب الجزائر إثر إلغاء الانتخابات التشريعية لعام 1992 التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية.
حدث ذلك في ملعب لكرة القدم وفي غمرة انشغال الكاتب بخوض مباراة. كانت الحكاية كما قرأنا تفاصيلها المرعبة في الجرائد والمجلات في ذلك التاريخ البعيد القريب مشحونة بجرعات من العبث والضحك المبكي وكثير من المأساوية.
كنت قد قرأت قبل هذا التاريخ للكاتب الشهيد العديد من الدراسات والأبحاث في العديد من الملاحق الثقافية والدوريات المتخصصة داخل الجزائر وخارجها. وكنت أجدني في كل مرة أكتشف فيها مقالة أو دراسة للكاتب مشدودا إلى لغته الفلسفية المعتقة ووعيه النقدي الحاد وتلكم القدرة على الحوار الذكي مع المنجز الفكري والفلسفي الغربي واستبطان الأفكار الوضيئة التي من شأنها خلخلة الجاهز والمبتذل في ثقافتنا العربية. كان بختي في ذلك التاريخ الأسود في الرابعة والثلاثين من عمره، وقد انتهى لتوه من تحرير أطروحة جامعية متميزة في سياق شعبة النقد الحديث عن المشروع النقدي والفكري للمفكر وعالم الاجتماع والروائي المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي، وأصبح أستاذا بجامعة وهران علاوة على اضطلاعه بالمسؤولية داخل جمعية الجاحظية من خلال رئاسة تحرير مجلة ‘التبيين’ التي كانت تصدرها الجمعية.
كان اغتيال الرجل حلقة في مسلسل دموي سوف يطول الطليعة المثقفة الرافضة للمشروع الثقافي والاجتماعي الظلامي. وسوف يبدأ النزيف المرعب الذي طال الوجوه المؤثرة والأصيلة في الانتلجنسيا الجزائرية ونذكر على وجه التخصيص يوسف سبتي، الجيلالي اليابس، الطاهر جعوط ، سعيد مقبل ومحفوظ بوسبسي وعبد القادر علولة وغيرهم، علاوة على المئات من الصحفيين والكتاب والفنانين ممن اضطروا إلى الهرب خارج الجزائر. وفي الوقت ذاته، كشفت بعض الوجوه الأخرى عن استعدادها للمداهنة والاحتيال على العقل والتاريخ باختيارها عقد هدنة مشبوهة مع القتلة، ويكفي أن نمثل لذلك برئيس الجاحظية المرحوم الطاهر وطار الذي قايض سلامته الجسدية بموقف غير مشرف حيال اغتيال الروائي الطاهر جعوط بالإضافة إلى روايتيه ‘الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء’ و’الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي’ اللتان تعتبران مغازلة صريحة للتيار الظلامي الدموي. وسوف نخصص في سياق آخر قراءة نقدية مفصلة لهذين العملين.
كان اهتمام بختي بن عودة الأكاديمي بالحداثة بما هي تاريخ ونسق أفكار وقطيعة مع القدامة وصورها وترسباتها وانفتاح على التعدد والديمقراطية والحرية ونقض الشمولية والاحتفاء بالاختلاف مناقضا بطريقة جذرية للمشروع الظلامي. وكانت لغة بختي المتسمة في آن بقوتها وسلاستها وقدرتها على الحجاج والإقناع تثير الخوف والريبة. وكان اعتناق الرجل للمنجز الفلسفي التفكيكي كما أصله الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا وقراؤه وشراحه في أوربا وأمريكا واستثماره الواعي لكثير من مفاهيمه وآلياته في قراءة السياق الثقافي العربي من شأنه أن يهدد سطوة ‘التراث’ بما هو تراتبية قيم ومعايير وأفكار ثابتة ومدموغة بالقداسة والتعالي على إكراهات التاريخ. ولا يفوتنا التنويه في هذا الصدد بأن الكاتب كان يحتفظ بعلاقة شخصية متينة بالفيلسوف الفرنسي.
كتب بختي بن عودة معرفا الحداثة: ‘لحظة فكرية تخالف أهواء الهوية المطلقة وتراهن على العقلنة. حداثة تخرج الفرد من الفردانية إلى المواطنة، من السحري إلى الواقعي لتجعله مالكا للمصير والأصيل بوعي معاكس للمؤسسة’.
ربما كانت هذه الإشارة الدالة إلى الحاجة إلى الحداثة بما هي تحرير للفرد من الإطلاق وتعبيراته وتكريس للعقلنة بوصفها اطراحا للتفسير الغيبي والخرافي للأشياء والظواهر هي التي عجلت بنهايته المأساوية. ولا ننسى أيضا تشديده على حق الفرد في امتلاك مصيره بمعزل عن وصاية الجماعة؛ وهو ما يشكل تدميرا لأبرز مقومات التفكير الشمولي والظلامي المتمثل في سلطة الجماعة والإجماع.
لم يكن اعتناق الراحل بختي بن عودة لقيمة ‘الحداثة’ موصولا باغتراب مطلق عن الثقافة العربية وانتظاراتها وأسئلتها الخاصة. هل ينبغي التذكير والحالة هاته بالحوار العميق الذي أنجزه الكاتب الراحل مع أمهات الكتب في التراث العربي علاوة على بعض مصنفات عصر النهضة وتحديدا عبد الرحمن الكواكبي وكتابه ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’ غير خاف في هذا السياق أن لغة الكتابة عند بن عودة كانت توليفا محكما بين العتاقة والحداثة، وكان ابتعادها عن التقعير والحشو والنافل قرينة دالة على توق الباحث إلى مد الجسور بين التراث بما هو منجز تاريخاني يشتمل على حدي السلب والإيجاب ومواضع النور والعتمة والمعرفة الفلسفية الحديثة بما هي منجز إنسي قابل للترجمة والتأويل والتبيئة. ولعل هذه القناعة هي التي حذت به إلى اختيار الاشتغال على المنجز الفكري لعبد الكبير الخطيبي الذي يجيد هذا الالتقاء المتناغم لثقافة الأنا والآخر.
حقيق بنا أن ننوه بالأهمية البالغة لمنجز بختي بن عودة الفكري والشعري في سياق ثقافي واجتماعي وتاريخي يتمثل في الجزائر. كانت للمائة والثلاثين عاما التي استغرقها الاحتلال الفرنسي لهذا البلد العربي العتيق تبعات سلبية لا تنكر على الثقافة العربية وأشكالها ولغاتها التعبيرية. وكان من المقبول والحالة هاته أن يكون التعبير الأدبي باللغة العربية محدودا وغير ذي قيمة بالمقارنة مع التراكم الكمي والقيمي الهائل فيما يهم الأدب المكتوب باللغة الفرنسية.
ولم يكن مستغربا في هذا السياق أن تهيمن الاخوانيات ومقاماتها الخاصة وبعض الأساليب التعبيرية الموصولة بعصر التردي في الأدب العربي على جزء كبير من الإسهام الأدبي المكتوب بالعربية. لم تتمكن وفرة من التحققات النصية المكتوبة بالعربية والحالة هاته من الفكاك من المعطف البالي لمدونة الأدب العربي القديم بما هي أغراض ومضامين ورؤى إلى العالم. وكان للدور الذي اضطلع به الراحل بختي بمعية أسماء وضيئة أخرى من قبيل الراحل عمار بلحسن وأمين الزاوي وربيعة جلطي وعبد القادر علولة وفضيلة الفاروق وبشير مفتي وسمير قسيمي أثر كبير في الارتقاء بقيمة الأدب الجزائري المكتوب بالعربية ووصل تحققاته بقيم النقد والفضح وخلخلة وتفكيك الجاهز والمكرور والمبتذل والانفتاح الواعي والرصين على الآخر بمختلف تمثيلاته. لقد تمكن الراحل من خلال المواقع المتعددة التي كان يشتغل من خلالها وأقصد تخصيصا الترجمة والبحث الفكري والفلسفي والإبداع الشعري علاوة على الجاحظية ومجلة التبيين التي رأس تحريرها لفترة طويلة من تجسيد هذا الرهان الثقافي الرئيس.
مثل اغتيال الشاعر والمفكر والفاعل الثقافي بختي بن عودة والحالة هاته محصلة طبيعية لإرادة مضمرة لتصفية أي تعبير يقاوم الاستبداد والواحدية وسطوة القدامة والمقدس. ولن تتوقف الآلة الرهيبة للإرهاب الديني عن القتل على امتداد العشرية السوداء التي عصفت بالجزائر. اغتيل بختي بن عودة وهو يخوض مقابلة في كرة القدم. ولأن الحداثة في واحد من تعبيراتها احتفاء بالحياة واعتناق للفرح وقدرة على اللعب، فإن القتلة كانوا باختيارهم يوجهون رسالة صريحة مؤداها إنه لا مكان داخل الزمن الذي يبشرون به لغير التجهم والألوان القاتمة والاستعادة الآلية لتراث القبور والصدع بالأوامر والنواهي المتعالية.
خلف الراحل عددا من الدراسات والمقالات والقصائد المنشورة في العديد من الجرائد والدوريات الجزائرية والعربية. وسوف تضطلع دار الاختلاف الجزائرية عام 1999 بإصدار مختارات من هاته المقالات في كتاب بعنوان ‘رنين الحداثة’. كما صدرت رسالته الجامعية بعد سنوات من اغتياله. ونحن إذ نستدعي شخصية الرجل والقيمة المعرفية والجمالية التي وعد بها على امتداد عمره القصير نفكر في البدء والمنتهى في تفاقم رداءة الأحوال الثقافية راهنا وانحسار منسوب الوعي النقدي مقابل العودة القوية في غمرة الربيع العربي للقيم لخطاب الأسلمة والمعايير والرؤى الموصولة بالماضي في أسوأ صوره وتمثيلاته واكتساح تيار الاخوانيات بمختلف أقنعته ولغاته التعبيرية للمشهد الثقافي العربي.
ويحق لي أن أتساءل على سبيل التحية الموجعة: ماذا لو لم يسقط بختي في ذلك التاريخ البعيد القريب وعاشت لغته الجميلة بيننا؟
بروكسيل 2013.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية