في الجزائر وباء الكوليرا والوباء الفني: تطهير جيرار ديبارديو من جريمة التّحرش الجنسي

صور حصرية لانتشار الكوليرا، وحيرة المواطن أمام تقلّص مصادر الغذاء التي قد تكون موبوءة… الوباء في المياه وفي الفواكه والخضروات المسقية بمياه الصّرف الصحي… أحوال الصحة التي ليست على ما يرام وهي في تدهور مستمر بالرّغم من العلاجات الكثيرة الحقيقية منها والوهمية، الكيميائية والطبيعية… قمّة البلاء… فعلى أيّ الموسيقات سننتشي… تتساوى الأشياء أمام خطر مرض أكل عليه الدهر وشرب… أخبار هذه الأيام الصيفيّة الحارة التي تنتشر على كل القنوات، ولا أحد يقنع المواطن أن يموت عطشا وجوعا فالرب واحد والموت واحد… هذا ما يشغل المواطن البسيط وما يشدّه إلى حصريّات القنوات الخاصة وطمأنة القنوات العامّة التي بها الخبر اليقين؟

أمّا ما يشغل أهل الثقافة والنخب ما يحدث في كواليس الانتاج السينمائي الذي أريد له أن ينتعش، لكن ما أكثر ضربات النّكسة، التي أطاحت بالإنتاج وأهدرت الملايير من الدينارات، ليس الدينار المتعب المرهق الذي تضخّم لحدّ الانفجار، لكن حسابات الانتاج بالعملة الصّعبة لا يمكن لعاقل أن يمرّرها دون غضب وثورة.

ألهذا الحدّ يهون التّاريخ وتصفع كرامتنا وتتهاوى الشّنبات والرّجلة؟!

ثم ما حكاية ارتداء جيرار ديبارديو جابدول الداي حسين… وماذا يعني ايقاف تصوير فيلم الشهيد العربي بن مهيدي للمخرج بشير درايس. ولماذا تقزّم طاقات عملاقة في مجال التمثيل؟

يبدو أنّ قدوم الممثل جيرار العبقري الوحش، غير مرحّب به، إلاّ في مدينة الانتاج السينمائي… هذا الجيرار الذي وجد الملاذ الآمن في البلد للتّهرب من مساءلة القانون الفرنسي، والخروج من جريمة التّحرش الجنسي كالشّعرة من العجين، من أين طلع لنا جيرار ديبارديو ليحب الجزائر بعبارة “وان ثو ثري فيفا لالجيري”، وارقص أيّها المشاهد مهما كنت بدون طبل… جيرار الوقور المحب للإسلام… هل جاء ليمسح كل ذنوبه وجرائمه بلباس قفطان الداي حسين، داي الجزائر. ألهذا الحدّ يهون التّاريخ وتصفع كرامتنا وتتهاوى الشّنبات والرّجلة؟!

 يعني الرجولة، والنيف أمام رجل خبط رأسه على حائط المبكى… الأبواب فتحت لجيرار، المتنكّر بجلباب الداّي، على مصارعها وتغلق أمام فّنانين عباقرة من الجزائر أو تونس أو المغرب أو مصر أو ليبيا… الله يرحمك يا مصطفى العقاد عندما كانت “الرسالة” رسالة لجمع كل أوطان العرب، من خلال فيلم دائما هو جديد متجدّد لا يمكن أن تمرّ مناسبة دينيّة بدونه.

عاجل عاجل عثمان عريوات عبقري بأتم معنى الكلمة بطل فيلم “بوعمامة” المتصوف المقاوم، وبطل أروع أفلام الكوميديا الهادفة، يجعلك  لا تتحرّك من مكانك تنصت لحكمة الرجال المقاومين بإيمان ويجعلك تموت فرحا وتتوهج غبطة… حكموا عليه بالصّمت والموت البطيء، أي زمن هذا؟ يحاصر الفنّ الجّيد الهادف وتنشر الرّذيلة الفّنية، في زمن الوباء الثّقافي.

هذا هو حال فيلم إنتاج تاريخي ضخم، من إخراج إيراني وتابل فرنسي قوي يعطسنا يجعلنا نفرغ أمعاءنا… ولا يرحمنا الله… أســسسسس!!

 لا أحد يفتح فمه إنّنا أمام الخبرة الإيرانية في انتاج الأفلام التاريخيّة، صمتا فالمنتجة والسيناريست والمسؤولون كلهم فرحون، والمشاهدون والتّاريخ يبكون، الكلّ “يعيّط” على قول عادل إمام، لأنّ الجبّة والقفطان والبابوش كان مقاس “دوبل اكس آل”، صنعت كلها على مقاس الوحش العملاق، ثم من يكون المشاهد ليفرح أو يحزن، يكفيه أنّه لم يشاهد حاجة في فيلم الأمير عبد القادر الذي أتى على ميزانية ضخمة جدا جدا، التي كانت قد تحلّ مشاكل الكوليرا والأوبئة… وتحل أزمة مياه السقي في كل ربوع الوطن، بركاتك يا أمير يا صوفي يا مؤسس الدولة الحديثة. لا فيلمك ولا بطولاتك ولا أي شيء يشفع، تبخرت الأموال مع أوهام السيناريوهات المشبوهة، لكن بطل الفيلم الممثل الفلسطيني الذي أسند له دور الأمير تبخّرت حقوقه في نيّته الحسنة، لا حاجة لبرامج ولمسلسلات هذه الفترة، لأنّنا تحت صدمة الأخبار العاجلة…عاجل!

هل فرض الممثل الفرنسي الروسي، والذي قد يصبح جزائريّا نفسه على مؤسّساتنا؟ سيصوّر مشاهده مدة عشرة أيّام ثم يغادر إلى وجهة أخرى. أرجو أن لا يطول انتظارنا للفيلم، وأن لا يكون مصيره مثل أفلام عوّل عليها الكثير، لكنّها جاءت عكس ما تشتهيه ذائقتنا الفنية، لا مشاهدة ولا متابعة إلاّ في مؤسسّات العرض المحصّنة التي يدخلها الكبار.

نفسه كاتب سيناريو “ابن باديس” هو من كتب سيناريو أحمد باي. رابح ظريف وفي خرجاته الإعلامية وعد المشاهد الجزائري بأن فيلم بن باديس سيخرج الهوية الثقافية التاريخية الجزائرية الى العالمية. لكنّ خيبة المشاهد كانت كبيرة ممن شهدوا العروض الرسمية من المختصين وغيرهم ولم يهضم الفيلم ولم يستهلك محليا ووطنيا، حتى يصبح عالميا، بل حدث تقزيم لشخصيات سايرت أحلامنا وهواماتنا ومقرراتنا المدرسية، ووسمت تاريخنا الحديث. فهل استفاد الجميع من الخيبات السابقة لتعديل مزاج المشاهد وذوقه، الذي أحالوه نشازا في أفلام لا نريد أن يقال عنها عظيمة التكلفة، بل عظيمة السيناريو والتمثيل ومحكمة الصناعة السينمائية.

أين تجد الفرح أيها القلب لتعطيه؟

افتح قلبك… قيصرية اجتماعية

المتتبع لمثل هذه البرامج على قناة “أم تو” المغربية أو “الشروق” الجزائرية لا يجد حلا سوى الدموع والتأثر ومعرفة أن دنيانا صارت غابة موحشة لا أمان فيها، لكن ماذا عن الحالات التي تبوح بكل ما يفزع الأحلام ويدمي القلب؟ تتلاشى مثاليتنا وتنهار أمام حالات تتجرد فيها الأمومة الخالدة من سماحتها ويتقلص حضنها الدافئ ويمتلئ اشواكا، تسقط أسنان الأطفال أرضا ومعها وجدانهم الذي يرتطم على العنف الأسري والاغتصاب.

لماذا تزدهر مثل هذه الاستديوهات في هذه الحالات التي تعبر عن هستيريا جماعية؟

يمكن القول إنّ البوح الجماعي يخفف الألم العميق الغائر، والتقاسم عبر شاشات الكاميرات وداخل استوديوهات محكمة الديكور والصناعة أشبه بلمسات شامانية تشفي أشدّ الأمراض إيلاما، تفتح القلوب بمنظار لتبوح بكل العيوب المغشي عليها في لاوعي المجتمع.

يحتاج قلب المشاهد لعمليات كثيرة وكبيرة، يحتاج لتمشيط بين أوردته وشرايينه، يحتاج لتقوية الشعيرات لتتدفق الدماء بها بسهولة، حتى لا يضطر لعملية قيصرية أو عملية قلب مفتوح على الهواء، منذ 2011 وعلى مدار سنوات عدة ومواسم وأجزاء يشرح برنامج “فتح قلبك”، دون لف، على قناة “أم تو” المغربية، حالات ومشاكل لا حصر ولا آخر لها، حالات تنتظر القلوب الرحيمة  والأيادي البيضاء المتصدقة، عطفا وحبا برعاية مختصين نفسانيين واجتماعيين… العنف الأسري، الغيرة،  حالات اغتصاب، الخوف المرضي وعدم المواجهة. فقدان الولد ولوعة الفراق… من تقديم فيصل الحافظي وآمال شباش، رافق البرنامج المرض الاجتماعي المزمن الذي يحتاج لجيوش من النفسانيين. تتواصل عملية الفتح على قناة “الشروق” الجزائرية برنامج تقدّمه بطلة الجيدو الجزائرية سليمة سواكري، بخفة ورشاقة رياضيّة لتسهل عملية فتح القلوب. تفتح القلوب المتعبة في نواح جماعي داخل وخارج الاستديو. أين تجد الفرح أيها القلب لتعطيه. برامج جدّ اجتماعية والمجتمع أصبح جد أناني ومسيطرا ومصدر خوف وعدم استقرار، لأنه فقد معاييره وآليات ضبطه وقيمه ولم يعد يتحكم في مصير أفراده.

مليان قلبي مليان… يحتاج لتفريغ

على موسيقى موزة خميس العمانية يفرغ القلب همومه ومشاكله، التي تسيل كالأنهار، هكذا تأخذك أيها المشاهد قناة الأجواء لجو المشاكل الاجتماعية المتنوعة، من أشدها قسوة إلى المضحك منها، من وهم أن تكون رئيس بلدية وما يمكنك فعله، إلى موضوع الندم، الندم، هناك من يندم على الدراسة التي لم يكملها، وآخر يندم على اغضاب والديه وآخر يندم على حبه لفتاة . هكذا تنسكب علل القلب العميقة والسطحية، الحقيقية منها والمفتعلة. حال القلب من حال صاحبه، البرنامج عبارة عن محاورة للمارّة في الشوارع. ما زال المجتمع يشيد بهيبة الكاميرات والاعلام التلفزيوني وما زال يرى فيه الحل لمشاكله إن خاطب المسؤولين من وراء الشاشات لا سيما شاشات الخواص، التي تمثل معارضة ما. والقلب ما يزال مليان ويسيل مثل الوديان.

فرغ قلبك على الطريقة التونسية بقناة حنبعل منذ سنوات تقديم ملكة…ثم فرغ قلبك منذ فترة على قناة الموعد الجزائرية، تختلف طريقة تفريغ القلب لأن في الأول المذيعة بكل هدوء تناقش مواضيع تتعلق بحياة المواطنين البسطاء ومشاكلهم….

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية