التسرب‭ ‬المدرسي‭  ‬ظاهرة‭ ‬تستفحل‭ ‬وتهدد‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬لبنان

روعة‭ ‬قاسم
حجم الخط
0

يشهد‭ ‬لبنان‭ ‬ظاهرة‭ ‬استفحلت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وأرقت‭ ‬المضاجع‭ ‬وتتمثل‭ ‬في‭ ‬‮«‬التسرب‭ ‬المدرسي‮»‬‭ ‬أي‭ ‬الانقطاع‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬والانصراف‭ ‬عنه‭ ‬إما‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الانحراف‭ ‬والتشرد‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬الجماعات‭ ‬الإجرامية‭ ‬والإرهابية‭. ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬لا‭ ‬يختص‭ ‬بها‭ ‬لبنان‭ ‬وحده‭ ‬بل‭ ‬تشاركه‭ ‬فيها‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬عديدة‭ ‬بعضها‭ ‬انكب‭ ‬على‭ ‬دراستها‭ ‬وإيجاد‭ ‬الحلول‭ ‬لها،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬مهتم‭ ‬بمعالجتها‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الهلع‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستهدف‭ ‬العائلات‭ ‬الفقيرة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬طالت‭ ‬فئات‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬عماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬اللبناني‭ ‬وقلبه‭ ‬النابض‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬ظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تختص‭ ‬بها‭ ‬منطقة‭ ‬لبنانية‭ ‬دون‭ ‬أخرى‭ ‬فهي‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭ ‬والبقاع‭ ‬والجبل‭ ‬وإن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭.‬

أسباب‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية

عارف‭ ‬الدهيبي‭ ‬أكاديمي‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬وباحث‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬التربوي‭ ‬للبحوث‭ ‬والانماء‭ ‬يقول‭ ‬لـ‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬التسرب‭ ‬المدرسي‭ ‬قديمة‭ ‬وجديدة‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬معا‭. ‬وأجريت‭ ‬فيها،‭ ‬حسب‭ ‬محدثنا،‭ ‬دراسات‭ ‬عديدة‭ ‬تركزت‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬الأسباب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والتربوية‭.‬

وتتمثل‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للتسرب‭ ‬المدرسي،‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬الدهيبي،‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬الأهل‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬مصاريف‭ ‬الدراسة‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬150‭/‬2011‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬إلزامية‭ ‬التعليم‭ ‬وأحقية‭ ‬التلاميذ‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬فيه،‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬من‭ ‬الصف‭ ‬الأول‭ ‬وحتى‭ ‬التاسع‭. ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬الثانوي‭ ‬لم‭ ‬تشمله‭ ‬إلزامية‭ ‬التعليم،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬150‭ ‬جاء‭ ‬تأكيدا‭ ‬للمادة‭ ‬العاشرة‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬الوفاق‭ ‬الوطني‭ ‬وتعديلا‭ ‬لدستور‭ ‬1943‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬أحقية‭ ‬التعليم،‭ ‬وجاءت‭ ‬وثيقة‭ ‬الطائف‭ ‬وعدلت‭ ‬المادة‭ ‬وأضافت‭ ‬إلزامية‭ ‬التعليم‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تطبيقه‭ ‬فعليا‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التسرب‭ ‬المدرسي‭. ‬فالوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬يحول،‭ ‬حسب‭ ‬الباحث‭ ‬اللبناني،‭ ‬دون‭ ‬إكمال‭ ‬الدراسة‭ ‬ويدفع‭ ‬التلاميذ‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬لتأمين‭ ‬دخل‭ ‬إضافي‭ ‬للعائلة،‭ ‬فالولد‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬منتج‭ ‬ماديا‭ ‬يفضل‭ ‬ترك‭ ‬الدراسة‭. ‬ويضيف‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬متكلفة‭ ‬بتعليم‭ ‬الأولاد‭ ‬بسبب‭ ‬قانون‭ ‬إلزامية‭ ‬التعليم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تكاليف‭ ‬إضافية‭ ‬مثل‭ ‬رسوم‭ ‬التسجيل‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬عبئا‭ ‬على‭ ‬الأهل‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بعائلة‭ ‬كبيرة‭ ‬العدد‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تكاليف‭ ‬الكتب‭. ‬فالعبء‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬المهمشة‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬إكمال‭ ‬التعليم‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬هاجس‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج‭ ‬ومساعدة‭ ‬العائلة‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الأسر‭ ‬الفقيرة‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬الطاغي‮»‬‭.‬

ويرى‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الثاني‭ ‬للتسرب‭ ‬المدرسي‭ ‬هو‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للعائلة،‭ ‬فهناك‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬غير‭ ‬متماسكة‭ ‬وهناك‭ ‬حالات‭ ‬طلاق‭ ‬تخلق‭ ‬ظروفا‭ ‬غير‭ ‬سليمة‭ ‬للدراسة‭ ‬ونوعا‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الوعي‭. ‬وكثر‭ ‬هم‭ ‬الآباء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يفكرون،‭ ‬بمستقبل‭ ‬جيد‭ ‬لأولادهم‭ ‬ولا‭ ‬تعنيهم‭ ‬إلا‭ ‬الحلول‭ ‬الآنية‭ ‬التي‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنها‭ ‬تريحهم‭ ‬مثل‭ ‬الطلاق‭.‬

غياب‭ ‬الفرص

ويضيف‭: ‬‮«‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬خريجون‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬وتغيب‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬عندها‭ ‬تفقد‭ ‬العائلة‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬ويفكر‭ ‬المرء‭ ‬بطرق‭ ‬أخرى‭ ‬لتأمين‭ ‬الحياة‭ ‬فيتجه‭ ‬نحو‭ ‬الصنائع‭ ‬والحرف‭ ‬مثل‭ ‬النجارة‭ ‬واللحام‭ ‬والحدادة،‭ ‬وبالنسبة‭ ‬للبعض‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬هو‭ ‬الأسرع‭ ‬والأسهل‭.‬

وتتحدث‭ ‬آخر‭ ‬إحصائيات‭ ‬سنة‭ ‬2012‭ ‬عن‭ ‬تصاعد‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬بسبب‭ ‬حرب‭ ‬تموز‭ ‬واغتيال‭ ‬الحريري‭ ‬اللذين‭ ‬خلقا‭ ‬واقعا‭ ‬جديدا‭ ‬وتسلسلا‭ ‬دراماتيكيا‭ ‬للأحداث‭ ‬وانقسامات‭ ‬وواقعا‭ ‬سياسيا‭ ‬مهترئا‭. ‬وقام‭ ‬المركز‭ ‬التربوي‭ ‬للبحوث‭ ‬والانماء‭ ‬بدراسة‭ ‬حول‭ ‬الموضوع‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬التسرب‭ ‬متقارب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محافظات‭ ‬لبنان‭. ‬ففي‭ ‬محافظة‭ ‬الشمال‭ ‬تبلغ‭ ‬النسبة‭ ‬حوالي‭ ‬19‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬وأعلى‭ ‬نسبة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬21‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬أما‭ ‬الجنوب‭ ‬فإن‭ ‬النسبة‭ ‬هي‭ ‬20‭ ‬في‭ ‬المئة‭.  ‬فأقل‭ ‬نسبة‭ ‬إذن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬واقعا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬صعبا،‭ ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬ارتفاع‭ ‬النسبة‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬للأولاد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬باقي‭ ‬مناطق‭ ‬لبنان‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬زاد‭ ‬التسرب‭ ‬المدرسي،‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬محدثنا،‭ ‬مع‭ ‬لجوء‭ ‬جنسيات‭ ‬عربية‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭ ‬بسبب‭ ‬الظروف‭ ‬السيئة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬وأصبح‭ ‬هناك‭ ‬اكتظاظ‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬وصار‭ ‬التلاميذ‭ ‬ينفرون‭ ‬من‭ ‬المدرسة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬التقاعد،‭ ‬يجعل‭ ‬نوعية‭ ‬التعليم‭ ‬سيئة‭ ‬ولا‭ ‬يخلق‭ ‬ظروف‭ ‬عمل‭ ‬ملائمة‭ ‬فيطغى‭ ‬استهتار‭ ‬المعلمين‭ ‬ويصبح‭ ‬هناك‭ ‬استهتار‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬أنفسهم‭ ‬ويكون‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬التسرب‭ ‬المدرسي‭. ‬وقال‭ ‬الدهيبي‭ ‬أن‭ ‬علاج‭ ‬مشكلة‭ ‬المعلمين‭ ‬المتقاعدين‭ ‬وتسوية‭ ‬أوضاعهم‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬ظرف‭ ‬أفضل‭ ‬للدراسة‭ ‬والإنتاج‭ ‬المدرسي‭.‬

وتقول‭ ‬عبير‭ ‬رضوان،‭ ‬أستاذة‭ ‬التعليم‭ ‬الابتدائي‭ ‬اللبنانية‭ ‬لـ«القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬التسرب‭ ‬انخفضت‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الرسمية‭ ‬عندما‭ ‬أصبح‭ ‬التعليم‭ ‬الرسمي‭ ‬مجانيا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬حصول‭ ‬الطلاب‭ ‬على‭ ‬الكتب‭ ‬المدرسية‭ ‬والقرطاسية‭ ‬مجانا‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬حسب‭ ‬محدثتنا‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬حالات‭ ‬التسرب‭ ‬المدرسي‭ ‬التي‭ ‬يتسبب‭ ‬فيها‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المزري‭ ‬والمشاكل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كما‭ ‬الطلاق‭ ‬أو‭ ‬وفاة‭ ‬أحد‭ ‬الوالدين،‭ ‬حيث‭ ‬يضطر‭ ‬بعض‭ ‬الأطفال،‭ ‬إلى‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬الأعمال‭ ‬الحرة‭ ‬لمساعدة‭ ‬أهاليهم‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية