أمران في مصر، لو ركز فيهما المرء، فسوف ينتهي المطاف به حتمًا إلى الجنون، ليخرج للشوارع ويقذف الناس بالحجارة: الأسعار، والمشهد الإعلامي!
كان زميل يحدثني من مصر، عندما أخبرني أن تغير سعر السلعة الواحدة للارتفاع، لم يعد يحدث كل يوم، ولكن كل نصف ساعة، وهو أمر فيه مبالغة، لكنه يعبر عن حالة عدم ثبات أسعار السلع، وهو ما عبر عنه زميل آخر كتابة بأنه عندما ينزل لشراء احتياجات بيته لا يمكنه أن يعتمد على أسعار المرة الماضية، فلا بد من أن يعمل حسابه لهذه الزيادات المفاجئة، وإلا سيعود بدون المطلوب، لا سيما وأن معظم الناس في بلدي يتعاملون بالنقود، وعندما بشر عبد الفتاح السيسي الشعب بتقليل التعامل بالنقد في المستقبل، ضمن مشروعه الاقتصادي الطموح، قال الناس إنه سيعود بهم إلى زمن التعامل بالمقايضة، فلم يصدقوا أنه يقصد التعامل بـ “الفيزا”، ومعظم المصريين ليست لهم حسابات في البنوك أصلاً!
ولأن هذه الزاوية متخصصة في “النقد التلفزيوني”، فلن يستغرقنا الحديث عن الأسعار وارتفاعها كثيراً، فهذا يحتاج إلى كاتب متخصص في الاقتصاد، وأنا معرفتي الاقتصادية تدور حول الحكمة العظيمة، التي كان يرددها والدي على مسامعي كثيرًا: “فقير مات.. غني شنقوه”، والمعنى أن أخرتها “ميتة”!
ما علينا، فالسيولة في المشهد الإعلامي لا بد وأن تدفع المتابع للجنون، فلم يعد يصلح معها أن تكتب مقالاً لينشر في اليوم التالي، لأن الأخبار التي بُنيت على أساسها الفكرة، ستكون قديمة وقد تجاوزتها الأحداث، وهو ما حدث مع مقالي يوم السبت الماضي، والذي جاء فيه أن “وائل الإبراشي” عائد لقناة “دريم” وهو ما بشرنا به مالك قناة “دريم” رجل الأعمال “أحمد بهجت” في حوار تلفزيوني مع الإعلامي “سيد علي”، وقد دفع الرجل “الإتاوة” مقابل هذا، بأن سمح لإحدى جهات الدولة بأن تدخل شريكا له في ملكية القناة، ولم يسم هذه الجهة، كما لم يذكر نصيبها والقيمة التي دفعتها، وهل دفعت بالفعل، أم أنها “شراكة بالمجهود”، وفي هذه الحالة تصبح “فردة” بكسر الفاء، أي شراكة بقوة السلطة تتم في الغالب بدون دفع أي شيء؟!
عندما نُشر مقال الأسبوع الماضي، كان جديداً قد حدث، وهو اعلان “وائل الإبراشي” بنفسه أنه تعاقد للعمل في قناة “أون..” ليخلف عمرو أديب، فقد اشتراه أحمد بهجت فباعه، وافتداه بشراكة كان رافضها مع “إحدى جهات الدولة”، ففضل أن يعمل مع الدولة نفسها، التي اشترت في السابق قناة “أون…” عندما تقرر تجريد رجل الأعمال نجيب ساويرس من من مصدر قوته السياسية، فإذا بشركة تأسست فجأة لتعلن عن شراء القناة، دون الإعلان عن قيمة الصفقة، وما الذي يجعل شركة تشتري قناة بكل أعبائها، وكان يمكنها أن تؤسس قناة جديدة؟ هل هي الرغبة في الاستحواذ على الاسم التجاري؟
لقد تم تغيير الإسم في وقت لاحق، لدرجة أننا لم نعد نعرف إسم القناة، الذي يتم تغييره بين عشية وضحاها، حتى صار هذا يذكرنا بإسم قناة “النيل للأخبار” الذي تغير أكثر من مرة، يقولون إن اسمها الحالي هو “النيل”، في وقت فرط فيه السيسي في حصة مصر التاريخية من مياه “النيل” باتفاق المبادئ الذي وقعه مع الأثيوبيين، على نحو سيجعل من اسمها في المستقبل قناة “النيل.. الله يرحمه”!
إعلام المصريين من تاني
لا نعرف السر الذي دفع “إحدى جهات الدولة” إلى هذا الرد العنيف، وبتجريد قناة “دريم” من برنامجها الوحيد، رغم أن صاحب القناة قدم تنازلات مقابل ذلك، بأن قبل شراكة الدولة له؟ فهل الأمر عقاب على حديثه لبرنامج “حضرة المواطن”، والذي أعلن فيه عودة وائل الإبراشي مع شراكة “إحدى جهات الدولة”، حيث قال إن هذه الشراكة مردها أن الدولة لا تريد إعلاماً يغرد خارج السرب، فغضبت عليه لهذا الألهة؟ والتي قررت في السابق وقف “وائل” عن العمل، ضمن فيلق الإعلاميين الذين أحيلوا للتقاعد، فأعادته مقابل “الشراكة”، لكنها الآن تحتفي به في قناة تابعة لما وصفه “بهجت” بـ “احدى جهات الدولة”، لتفوز هذه الجهة بالشراكة، بدون “وائل” على نحو كاشف بأنها تستهدف إغلاق القناة، وقد عرفنا في ظل حكم العسكر الشراء بهدف الاغلاق، تمامًا كما قام صاحب قناة “سي بي سي” بشراء باقة من القنوات وأغلقها لأن واحدة من قنواتها كان البرنامج الرئيس فيها يقدمه معتز مطر، وقد تطاول على ذات المجلس العسكري بعد الثورة؟!
والواقعة الثانية هي الخاصة بقناة “أون لايف”، إحدى انشطارات قناة “أون تي في” التي اشترتها “إحدى جهات الدولة” من “نجيب ساويرس” وأغلقت هذا الانشطار!
ولم يكن الجديد فقط في أن وائل الإبراشي لن يعود إلى “دريم” ولكن إلى “أون ..”، فالجديد أيضا هو عودة اسم “شركة إعلام المصريين”، فالاعلان المنسوب لوائل أنه تعاقد مع شركة “إعلام المصريين” المالكة لقناة “أون..”، وعندما طالعت الأمر تشككت في لياقة قواي العقلية، على نحو تذكرت معه قصة رجل من بلدة مجاورة لنا، وقد جالسته في ليلة وأدهشني حديثه الواعي والمرتب، وأدهشني أنه الشخص نفسه الذي أشاهده كثيراً يحصب الناس بالحجارة، ويكلم نفسه، ويشتم كل من يقابله!
ويتردد أن هذا من جراء “المزاح الثقيل” لأصدقائه، الذين كانوا يجدونه نائماً أمام المنزل فيحملونه بـ “الدكة” للداخل، فينام في الداخل فيخرجونه للخارج، وأحياناً يذهبون به بعيداً عن منزله وبهدوء حتى لا يستيقظ، ويبدو أنه لهذا أصيب بـ “الحول العقلي”، على وزن “الحول البصري”، وحدث بعد ذلك ما حدث!
عندما قرأت عن تعاقد “وائل” مع شركة “إعلام المصريين”، ذهبت أبحث في دفاتري القديمة، فتأكد لي أنني لم أصب بـ “الحول العقلي” بعد، رغم عبث السلطة لنصل إلى هذا المرحلة!
مالك “إعلام المصريين” هو رجل الأعمال “أحمد أبو هشيمة” الذي هبط إلى سوق الإعلام هبوط “الأغراب” إلى “سوق المواشي”، وغالباً ما تكون الأموال التي في أيديهم مزورة، فيشترون كل المواشي وبأسعار مبالغ فيها فالمهم هو “تبيض أموالهم”، وقد اشترى صحفاً ومواقع الكترونية، وقنوات تلفزيونية، خاسرة وفاشلة بمبالغ طائلة، كنا ندرك من البداية أنها ليست أمواله، ولكنها أموال “إحدى جهات الدولة”، لكن إذ فجأة ظهرت شركة جديدة هى “ايجيل كابيتل”، بادارة وزيرة متقاعدة هى “داليا خورشيد”، حرم محافظ البنك المركزي. وكان واضحاً، أن الجهة المالكة واحدة، فـ “إحدى جهات الدولة”، هي المالكة للشركتين “إعلام المصريين” و”ايجيل كابيتل” غاية ما في الأمر أنها قامت بتغيير المالك على الورق من “أبو هشيمة” إلى “خورشيد” ورفاقها، لأن الأول كان يصنع مجداً لنفسه، ربما يتغير الموقف منه الآن بعد إعلانه أنه بصدد الزواج من شقيقة النجم البرتغالي كريستيانو رونالد، والدستور المصري يشترط في من يترشح لرئاسة الجمهورية، ألا تكون زوجته حاملة لجنسية دولة أجنبية، لكن من طلق هيفاء وهبي في زمن الإخوان، يمكنه أن يطلق “البرتغال” رأساً.
صرح من خيال
ليس هذا موضوعنا، فما يعنينا أن المعلن عنه في يناير/كانون الثاني من العام الماضي (2017) أن شركة “ايجيل” اشترت كل الأملاك الاعلامية لشركة “إعلام المصريين” ومن بينها قنوات “أون تي في”، وعندما نطالع أن “وائل الإبراشي” تعاقد مع “إعلام المصريين” على العمل في القناة، فإننا نكون أمام احتمالين:
الأول: أن الصفقة فشلت، وأن “أون تي في” عادت إلى “إعلام المصريين” في السر، وهو احتمال ضعيف، لأن “إعلام المصريين” اختفت تماماً من المشهد الاعلامي، لصالح شركة “ايجيل كابيتل”، وليس معلوماً أن لها ممتلكات اعلامية، فهى كانت صرحاً من خيال فهوى!
الثاني: أنها حالة الفوضى، فلا يعرف من تعاقد مع “وائل” إن كان يعمل مع شركة “اعلام المصريين” أم “شركة ايجيل” وربما نسى من يمثل على الورق، لأنه ما يشغله هو المالك الحقيقي للشركتين وهو “إحدى جهات الدولة”، فنسى وهو يوقع مع “وائل الإبراشي” أن “اعلام المصريين” باعت لـ “ايجيل”، وأن “أون…” انتقلت من الشركة الأولى إلى الشركة الثانية، ونحن في حالة تشبه العوم في ماء البطيخ.. يسمونه في تونس “الدلاع”!
وحالة الفوضى هذه، كانت سبباً في حمل مالك لصحيفة أن يبيع صحيفته “قوة واقتداراً”، في تصرف أقرب إلى أعمال المافيا، وحضور ابن رئيس وزراء سابق في الصفقة عزز من قصة أن البيع هو لصالح “إحدى جهات الدولة”، كما أن وزير الداخلية مجدي عبد الغفار كان على الخط، وليس أمام المالك إلا أن يرضى بالمكتوب، وباعتبار أن رجل الأعمال المشتري هو مندوب هذه الجهة، تماماً كما أن “أبو هشيمة” يمثلها في شراء بعض وسائل الإعلام!
وهى حالة تذكرنا بشكل ما ببداية التسعينات، عن قصص نسجت حول فرض علاء مبارك، شراكته على كثير من رجال الأعمال، والبعض كان يستغل هذه الأجواء في ادعاء شراكة “علاء مبارك” له، حماية للنفس وتخويف للآخرين، لدرجة أن سرت نكتة تقول إن صاحب صندوق لتلميع الأحذية قال إن علاء مبارك شريكه على هذا الصندوق، ولم يُنه على هذه الأقاويل سوى سفر علاء مبارك لفترة طويلة للعيش في الخارج، وقامت الثورة، ولم يثبت شيء من هذا!
بيد أن “إحدى جهات الدولة” تستحوذ بالفعل على وسائل الإعلام، ولا يوجد انكار لهذا، فقناة من بابها هي “دي أم سي” اسم الشهرة لها “قناة المخابرات”، لكن المعلن أن قناة “إعلام المصريين” باعت “أون ..” لشركة “ايجيل كابيتل”، فكيف تعود وتتعاقد مع “وائل الإبراشي”.. من أنتم ؟ على رأي القذافي!
إنه وضع يصيب بالتلبك العقلي، على وزن التلبك المعوي.
صحافي من مصر