الميت في تل أبيب … والعزاء في «سكاي نيوز» والحدث!

حجم الخط
4

بدا لي النظام المصري أكثر وعيًا من أبواقه الإعلامية، في التعامل مع قضية غزة، هذا إن صح أن نُوصف هذا الزحام بأنهم من أبواقه، وليسوا الأذرع الإعلامية لآخرين من دونه، لا تعلمونهم الله يعلمهم، وأجدني لمواقفهم أتذكر مقولة الرئيس اللبناني شارل الحلو، في مؤتمر صحافي وقد نُقل عنه أنه خاطب من يقفون أمامه بقوله: «مرحبًا بكم في وطنكم الثاني لبنان»!
النظام المصري ومنذ عهد الرئيس الخالد (أبو علاء)، يفصل بين موقفه من جماعة الإخوان وبين حماس، وقد جاء النظام الحالي منذ النشأة والتكوين ورتب أوضاعه على شيطنة الإخوان وكل ما يمت لهم بصلة، وبعد قليل استشعر أنه إن كان يريد حضورًا في المشهد الدولي، لا بد من أن يتوقف عن سياسة القطيعة مع المقاومة، ويقبل بحماس على مضض، وفي خطوة مسؤولة تجاهل انتماء النظام السوداني السابق للإسلام السياسي، فحدث التقارب مع الرئيس البشير، ومع أن السودان استقبل عددًا لا بأس به من الإخوان الهاربين من مصر، فلم يضع السيسي العقدة عند المنشار، ولم يطالب باستلامهم!
ولأنه أدرك أن المهرجان الذي عُقد في مصر يلزمه استحقاقات فدفعها عن طيب خاطر، وتمثلت في أن يصف إسرائيل في خطاب رسمي ألقاه في الدوحة بـ»العدو»، ربما لأول وآخر مرة، وأشاد النظام بحماس، وكانت المفاوضات فيما قبل شأنًا خاصًا بالمخابرات المصرية منذ عهد اللواء عمر سليمان، وكأن هناك خطًا فاصلًا بين الموقف السياسي والقومي؛ فالسياسي هو من يوجه الإعلام في صب جام غضبه على المقاومة، والوطني بمعزل عن هذا وتقوم به المخابرات. فتماهى هذا الدور وذاك في الآونة الأخيرة، على نحو مكن القوم من أن يستعيدوا القيمة التاريخية لمصر، وهو أمر لا نستطرد فيه حتى لا نخرج عن الاختصاص الوظيفي لهذه الزاوية «فضائيات وأرضيات».

عيسى وغطاس ومرحلة سمير فرج

وخلال هذه المرحلة، فلم يعد سمير غطاس أو إبراهيم عيسى من يعبرون عن المرحلة الجديدة، فالأول استضافه عمرو أديب في برنامجه، فتحدث عن التعاون بين إسرائيل وحماس، والثاني لم يعد يقدم برنامجه على قناة «القاهرة والناس» وهو يلعن المقاومة قبل الأكل وبعده، وفي فيديوهاته الخاصة يبدو أنه فقد صوابه تمامًا، إلى أن وصل للقول إن حماس تعمل وفق الأجندة الأمريكية. وحالته النفسية مقدرة فقد خسر برنامجين في وقت واحد، برنامج القناة المصرية المملوكة لرئيس الشركة المتحدة الآن، وبرنامجه على قناة «الحرة» بعد أن أغلقها ترامب، فقد أضر الرئيس الأمريكي بمصالحه الخاصة، فدمج بينه وبين حماس!
وحتى لا تسوء حالته أكثر من هذا، فإنني أدعو أهل الحكم في مصر إلى إعادته للشاشة، وهو بعد أن وجد الهجوم على النظام لن يمكنه من ابتزازه، ولي ذارعه، تقرب إليه بالنوافل بدفاعه عنه والقول إن موقفه الأخير يكذب من قاموا بتشويهه، فلما لم تنجح المهمة تحدث عن أن المقاومة تعمل وفق أجندة الرئيس الأمريكي. على نحو يجعل من قمة القاهرة، كما لو كانت في خدمة هذه الأجندة، وهو ارتباك تسمح به معنوياته المنخفضة، وقد جرب السلب بعد العطاء ومن ثم وجب عودته مذيعًا فلا نعرف كيف ستكون قفزته المقبلة.
لقد شاهدنا من يتحدث هذه المرة على الشاشات المصرية هو اللواء سمير فرج، الذي يؤكد انتصار المقاومة في الحرب، وعدم نجاح إسرائيل في تحقيق أهدافها، وهي ثلاثة: أولها عودة الأسرى بالقوة، وثانيها القضاء على حماس، وثالثها احتلال غزة. وهي رسالة إعلامية تعطي المقاومة حقها، تعزيزًا للدور المصري في تحقيق السلام، فلو كان الأمر كما يردده غطاس وصاحبه، فما شاهدناه في القاهرة ليس سوى عرض مسرحي، وسيرك منصوب، وذلك بدلًا من محاكمة غطاس على جملة اتهاماته السابقة لحماس، لا سيما قوله إن القادة أخرجوا أبناءهم من غزة قبل بدء الحرب، وهو ما تم تمريره عبر قنوات عدة منها برنامج إبراهيم عيسى، وقناة عمرو أديب، وهذا يلقي عليهم واجبًا مهنيًا بالاعتذار، لكن الاستدعاء كان لاستكمال مهمة التشويه والتشهير والإدانة عن التعاون بين حماس وإسرائيل.

عندما شعر عماد أديب بالاكتئاب الحاد

ما علينا، يبدو أن المصائب يجمعنا المصابينا، وقد تم نصب سرادق آخر في قناة «سكاي نيوز» عربية، وحضر عماد أديب، الشقيق الأكبر لعمرو، بشحمه ولحمه، وكانت مناحة شارك فيها مدير القناة بنفسه، فعمرو عبر عن حالته النفسية وكيف أن أكبر شيء هاله وأزعجه، وأصابه بالاكتئاب الحاد (لم يقل الحاد) هو استمرار حماس في الفترة الانتقالية لإدارة غزة، وكيف أن حماس ظهرت بعد خمس دقائق من وقف إطلاق النار في كل مكان في قطاع غزة. وأبدى أسفه لأن ترامب أطلق النار على مشروعه بالقضاء على الحركة!
وأراد نديم قطيش مدير القناة أن يخفف من حدة الاكتئاب لدى صاحبه، فطيب خاطره بأن هذا كان مجاملة للوسطاء وضرب المثل بالوفدين التركي والقطري، وتجاهل وسيطًا أصيلًا بجانب القطريين وهم المصريون، وليس الأتراك!
وهي مقولة مفخخة تُقرأ من بين السطور، وتهدف للإيحاء بأن الأتراك والقطريين يحمون حماس، ويسعون إلى تحقيق الانتصار لها، فإذا استبعدنا تركيا لأنها مقحمة على السياق، وقد جاءت للوساطة في الأيام الأخيرة، فهذا همز ولمز في قطر، وهل كان سرادق عزاء «سكاي نيوز» عربية، هو تعبير عن عدم رضا إقليمي لما آل إليه الأمر وأصاب عماد بالاكتئاب (غير الحاد)؟!
في سرادق «سكاي نيوز» قال عماد إنه كان من المفروض أن يكون الاتفاق نهاية لتيار الإسلام السياسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين، ولعل في حزنه كان الأقرب لبن غفير وليس لنتنياهو!
ليبق السؤال من أين جاء هذا المفروض، أو المفترض، والاتفاق تم والمقاومة رقم صحيح في المعادلة، وكل هذه الوفود التي تقاطرت من كل فج عميق، هي خضوع لسياسة الأمر الواقع، وأن إسرائيل فشلت في تحقيق النصر على مدى عامين، والحروب بأهدافها، فكان الاتفاق اعترافًا بأنه لا بد من طرف آخر يوقع عليه، وهو ليس مهزومًا ولم يسافر للقاهرة ليرفع الراية البيضاء، فإعلان الهزيمة لا يكون عبر مهرجان!
بيد أنه كان أسبوعًا قاسيًا على القوم، حتى وجدنا مذيعة قناة «الحدث» في أزمة وهي تسأل وتلف وتدور مع أحد مشايخ القبائل للحصول منه على إدانة لحماس، بيد أن الرجل بدا كما لو كان قد فاجأها وهو يعلن براءة القبائل من الشباب الذين كانوا أدوات إسرائيلية في التنكيل بالفلسطينيين، تعود المذيعة بسؤالها، فيكون هذا مساحة له ليقول المزيد وهو لا يخدم أهدافها، حتى صار مشهد المذيعة يثير الشفقة، وددت لو وجدت من يمد لها إبريقًا من الماء وقد نشف ريقها، وتشققت شفتاها، توشك أن تدخل في غيبوبة.
ولماذا هذا كله، ولأن وجود حماس في المعادلة أرهق القوم فلماذا لم يتعلموا من النظام المصري، الذي ركب النصر، وتجاوز فكرة حماس الإخوانية، والتي اقتحمت السجون، واستخدمت المقلاع في نصرة الثوار في يناير/كانون الثاني (نعم المقلاع كما نشرت صحيفة المصري اليوم)، وذهب بعض الإعلاميين بعيدًا فقال إنها خطفت الجنود المصريين، وتم تفعيل تسريبات بهذا الشكل للإيحاء بأن هذا تم مع الرئيس محمد مرسي!
لماذا لا يقبل الجميع أن يكونوا شركاء في النصر، لكي يضيع بين القبائل، بدلًا من تحويل الاستوديوهات إلى سرادقات عزاء، ويهالهم الأمر، ويصابوا بالانزعاج والاكتئاب (الحاد وغير الحاد)! سلامتك من الـ (آه).

أرض جو

كنا صغارًا عندما رأى أحدنا تمثالًا للشيخ رافع رفاعي الطهطاوي، بعمامته وجلبابه الأزهري، فرفع يده بالدعاء له والتوسل به، ظنًا منه أنه مقام لأحد الأولياء! ويبدو أن فكرة مقامات وأضرحة الصوفية صارت تسيطر على أداء أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، ولا يكاد يمر أسبوع إلا ويستقبل سفيرًا لدولة أجنبية أو نحو ذلك لزيارة واحد من الأستوديوهات الخاصة بالتلفزيون المصري وقد بلغت الآن ثلاثة، أطلق عليهم أسماء: نجيب محفوظ، وأحمد زويل، وأخيرًا الأستوديو النهري. ولا نعرف إن كانت هذه الأستوديوهات قائمة بالفعل وأن الجديد هو تسميتها أو إعادة تسميتها، أم أنها استوديوهات جديدة، لكن ما القيمة المضافة، إذا لم تُطلق من هذه الأستوديوهات برامج مهمة، اللهم إلا إذا كانت فلسفة الإعلام عند المسلماني في التعامل مع الأستوديوهات على أنها أضرحة تُفتح للزائرين والمتوسلين، توسل صاحبنا بصاحب المقام الشيخ رفاعي الطهطاوي.

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية