«فتنة المؤثرين»… وباسم يوسف عندما عادت «الجُثة»!!

حجم الخط
4

تمخض الجبل فولد توأمًا، وكان هذا التوأم فأرًا ميتًا

فبعد أن «ربعنت» المبادرة الرئاسية لتطوير الإعلام، قام مصطفى مدبولي رئيس الحكومة بتشكيل لجنة، لوضع تصورها لهذه المهمة الثقيلة، برئاسة الوزير السابق ورئيس المجلس الأعلى للإعلام خالد عبد العزيز، والذي استهل مهمته بأن التقى باثنين من المؤثرين، أحدهما «الدحيح»، الذي كان يقدم فقرة عبر إحدى منصات القطاع الرقمي في شبكة «الجزيرة» الإعلامية. وناقش معهما المبادرة الرئاسية، فقلت آن للشافعي أن يمد رجليه!
تعلمون أعزائي أن الإمام الجليل كان يجلس في المسجد يلقي درسه، وكان يمد رجليه أمامه، يبدو أنها المعاناة من الخشونة، لكنه عدل من جلسته عندما دخل عليه أعرابي وجيهًا، فظن الإمام أن تحت القبة شيخا. وكان الدرس عن حرمة صيام يوم عرفة بالنسبة للحجيج، فتمطع الأعرابي وسأل: وماذا لو جاء يوم عرفة في شهر رمضان، فعاد الإمام إلى جلسته الأولى، وقال قولته التي أصبحت مثلا وأصبح الجيل بعد الجليل يرويها!
كلا الرجلين في علاقتهما بالإعلام كهذا الأعرابي، فكان القرار الحكومي بتشكيل لجنة تنفيذًا للمبادرة تحمل عوارًا في الشكل وفي الموضوع، وهي التي تقترب عددًا من السبعين شخصا، ومعظم المشاركين شركاء في الفشل، وهذا العدد يؤكد أن المطلوب هو نصب «مكلمة»، ولا أظن أن مصطفى مدبولي كان في شبابه لديه وقت ليشاهد التلفزيون، أو يقرأ الصحف. أما عبد العزيز فقد سمعت إشادة بحسن خلقه، لكن من كان يعرفه عن قرب، وذكر لي هذه الإشادة، أكد أن الإعلام لم يكن على جدول أعماله في يوم من الأيام!
وقد استهل رئيس اللجنة المشكلة عمله بلقاء من أطلق عليهم «المؤثرون»، فأعدت مد رجليّ من جديد، كما فعل الإمام عندما سأله الأعرابي هذا السؤال الذي ينم عن ذكاء فطري، وعقلية علمية معملية فذة. وقرأت الفاتحة على روح المبادرة قصيرة العمر!

المبادرات الفردية وعودة باسم يوسف

ففي مجال الإعلام هناك فتنة اسمها «المؤثرون» على شبكات التواصل الاجتماعي، وهناك خلط بين «التأثير» و«الانتشار»، وبين «القيمة» و«النجومية»، وبين «الإعلام» و«المبادرات الفردية»، وليس كل من كثر متابعوه على قناته في «يوتيوب» مثلاً مؤثرًا، وليس كل نجم يمثل قيمة، والنجاح الفردي في قناة خاصة في محتوى معين، هي تجارب خاصة ليست مهلة للانتقال عبر الإعلام وهو عمل جماعي، وصورة مكتملة، وحتى في الصحافة نفسها فهناك مهارات فردية غير قابلة للانتقال للآخرين!
ولنفترض أن الراحل الكبير محمود السعدني أعطى دورة في الكتابة الساخرة، ونفترض أننا التحقنا بهذه الدورة، ثم قرأنا عشرات الكتب عن الفكاهة والكتابة الساخرة، هل هذا يعني أن ثقيل الظل يمكنه أن يكون كاتبًا ساخرًا مثلاً، وهل الأمر بهذه السهولة؟!
إن هناك فيديوهات لأشخاص يشاهدها الملايين، ومع ذلك قد يكون المحتوى غاية في التفاهة والسطحية، فما قيمة هذا النجاح الذي حققه هذا «المؤثر» أو «ذاك»، حتى يمكنه أن يعطي دروسًا في الذيوع والانتشار ليستفيد منه الإعلام المصري حتى يكلف رئيس المجلس الأعلى للإعلام نفسه عناء مقابلة «الدحيح» وصاحبه، لكنها الخفة في معالجة القصور!
لا تختلف هذه عن محاولة استغلال النجومية القديمة لباسم يوسف، واستدعاؤه لفاصل في برنامج على قناة مصرية، على أساس أنه نجح في المواجهات في قنوات أمريكية دفاعًا عن قضية فلسطين، فيكون الحل هو ضرب عصفورين بحجر، فمن ناحية تقام حفلة لعودة الابن الضال إلى الشاشات المصرية، بشكل يوحي أن النظام قد انفتح على الآخر، ومن ناحية أخرى فإن الجثة هي التي عادت وليست الروح، وباسم كان يقدم محتوى ساخرًا، كم سخر من الرئيس محمد مرسي، وتجاوز في السخرية، لكن الآن ليس مسموحًا ولو السخرية من أصغر مسؤول.
لا نعرف حدود نجاح اسم يوسف في سجاله السياسي، وهل مثلًا إذا وجد الإنسان الغربي مناظرة لباسم يوسف على الشاشة جلس ليستمع لها بانبهار؟ فليكن، فهذا نجاح ينسب في جانب منه لأدائه وفي الجانب الأكبر للقضية، وإذا كان القوم في القاهرة قد استدعوه ليكون حديثه عن القضية الفلسطينية، فإن الأمر مرتبط بالحدث، ومع وقف إطلاق النار، ففي أي شيء سيتحدث فيه في المقابلات المقبلة؟

عندما قلد عكاشة نفسه

نجاح باسم يوسف في مصر، كان بسبب الفكاهة وسقف الحريات المرتفع، وبعيدًا عن السقف المنخفض، فليس مؤكدًا أن الظروف الآن تسمح بتكرار تجربة برنامج «البرنامج»، الذي صار له مقلدوه، تمامًا كما قلد كثيرون توفيق عكاشة، فلم ينجحوا، بل جاء عكاشة نفسه ليقلد نفسه بعد عودة للتقديم على قناة «الحياة»، ففشلت المهمة، وتم إيقاف البرنامج!
لقد عاد باسم يوسف للشاشة المصرية ولم يعد، ومرت أول حلقة بدون انتظار أو ترقب وبدون اهتمام أيضًا، وكأن الناس لم يعودوا هم الناس، وكأن المشاهدين السابقون استشهدوا في الحرب!
ومهما يكن فهذه نجاحات فردية، لمهارات خاصة، لا يصلح أصحابها للاستدعاء ومناقشة تطوير الإعلام تنفيذًا للمبادرة الرئاسية. وهو استدعاء يعني إضاعة الوقت في ما لا يفيد!
وهذ النجاح الخاص، لمحتوى بعينه، قد يكون تافهًا، أو فضائحيًا، ليس هو ما يحتاجوا اليه لتطوير الإعلام، وبالنسبة للنسق الأخير فقد عرفنا الصحافة الصفراء، لكنها كانت مع ذلك قصيرة العمر والنجاح، إذا اعتبرنا أن التأثير يقاس بعدد القراء، وليس في الإثارة جديدًا على عالم الإعلام التقليدي، لكنها إذا نجحت فسوف يشعر القارئ أو المشاهد بالامتلاء، فتفشل المهمة.
عندما بدأ الحديث في زمن صفوت الشريف عن ضرورة المنافسة، لم يكونوا يجهلون ما يريدون كما هو الحال الآن، فيبدون كما لو كانوا يعيدون اختراع العجلة، ونبدأ المسار من أوله فنسأل ما هو الإعلام، وما هي الصحافة، وما هو المحتوى؟ إلى غير هذا من بديهيات.
لقد أطلق صفوت الشريف قناة «النيل للأخبار»، وأعطى الخبز لخبازه، وكان هذا الخباز هو الإعلامي المرموق حسن حامد، فاختار لها شبابا واعدا، على القواعد القديمة في الاختيار، قبل عملية الإفساد العشوائي، وكانت القناة في البداية تبشر بالخير، فلما أراد أن يكتفي بهذا القدر، عين عليها متواضعي الكفاءة فانتهت!
ومكن الإعلامي الكبير حمدي قنديل من تقديم برنامج أسبوعي على شاشة القناة الأولى المصرية، وحاز على جماهيرية واسعة، لا أظن أنه في وقت بثه كان هناك من يشغلهم أن يشاهدوا «الجزيرة»، وفي طول القطر المصري وعرضه، فلما ملت السلطة من نجاحه أوقفته!
فلم يكن الحال على ما هو عليه الحال، من حيث تشكيل لجنة، مؤهلة لتقديم الدروس في معنى الفشل لا النجاح، وكثير من أعضائها جزء من المشهد البائس، ثم يستهل رئيس اللجنة عمله بلقاء «الدحيح» وصاحبه؟
ما هذا البؤس؟!

أرض جو:

عادت لميس الحديدي للشاشة الصغيرة، بعد أن أوقفوها، لماذا وقفت ولماذا عادت؟ علم ذلك عند ربي في كتاب.
وهذه ليست المرة الأولى، فعندما بيعت قناة «أون تي في» للشركة المتحدة بدت كما لو كانت تصلي صلاة مودع، فهاجمت، وعارضت، وانتقدت، وكنا في مرحلة يتصور فيها بعض الإعلاميين أو غيرهم أنهم شركاء في الحكم ويتحدثون من منطلق: نحن الذين أتينا به. كثيرون دفعوا أثمانًا باهظة بسبب هذا الإعلان وهذا التصور البدائي، ومن علية القوم في تجمع 30 يونيو/حزيران ثكلتهم أمهاتهم جميعًا.
الفترة التي قضتها لميس في البيت كانت طويلة نسبيًا، ثم عادت مؤدبة ومطيعة، وفي القناة نفسها بعد اقتصار اسمها إلى «أون»، وقد أوقفت لميس مؤخرًا وعادت من جديد بعد فترة وجيزة على قناة «النهار»، وهذا الوقف مهم جدًا لوضعه في الـ «سي في»، إذا تغير النظام، وعمرو أديب استغل وقفا سابقا لبرنامجه في عهد مبارك ليقدم نفسه للثورة ثائرًا.
ما علينا، فقد سألت في السابق عن مالك قناة «النهار»، وهي تبدو لي الحديقة الخلفية لإعلام «الشركة المتحدة»، لكن الشركة لم تضمها لعصمتها، وقد قالت لميس إنها أوفت بوعدها لعمرو الكعكي قبل 14 عندما طلبها للعمل في القناة. وعمرو هو المالك المؤسس، فهل يعني هذا أنه لا يزال مالكًا.
هل يملك فرد مهما كانت امكانياته، في ظل الركود الاقتصادي، وقلة الإعلانات، أن يملك قناة تدفع راتب لميس الحديدي، ومحمد علي خير، وآخرين؟ ولماذا أفلتت قناة «النهار» من إجراءات التأميم؟!
في انتظار الإجابة، فحق الرد مكفول.

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية