ما‭ ‬الحياة؟

يحار‭ ‬بعضنا‭ ‬أحيانا‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬القصيدة‭ ‬والأغنية،‭ ‬سواء‭ ‬عندنا‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الآخرين‭. ‬ولعل‭ ‬مرد‭ ‬الصعوبة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُغنى؛‭ ‬فيما‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬تُكتب‭ ‬لتكون‭ ‬أغنية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬موقعة‭ ‬أو‭ ‬موزونة‭ ‬أو‭ ‬مقفاة‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأغنيات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬ما‭ ‬الحياة‮»‬‭ ‬لأدلبار‭ ‬قصيدة‭ ‬حوارية‭ ‬بين‭ ‬الأب‭ ‬والبنت،‭ ‬تأخذ‭ ‬بصيغة‭ ‬تذكيرية‭ ‬تجعل‭ ‬الجملة‭ ‬الشعرية‭ ‬أو‭ ‬المغناة‭ ‬تتأدى‭ ‬في‭ ‬تراتيب‭ ‬وتراكيب‭ ‬مخصوصة‭ ‬محكومة‭ ‬بإيقاع‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يشحذ‭ ‬فعل‭ ‬التذكر‭ ‬ويحد‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تنتظم‭ ‬بها‭ ‬الخبرة‭ ‬الشعرية‭. ‬ونقدر‭ ‬أن‭ ‬وعي‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬التذكرية‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬عليها‭ ‬القصيدة‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬اكتناه‭ ‬سجلها‭ ‬الغنائي‭. ‬ومن‭ ‬أظهرها‭: ‬
بنية‭ ‬العطف‭ ‬وبنية‭ ‬الاستطراد‭. ‬أما‭ ‬الأولى‭ ‬فتعطف‭ ‬السؤال‭ ‬على‭ ‬الجواب،‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬تداخلهما‭. ‬وهي‭ ‬بحكم‭ ‬تكريرها‭ ‬تتيح‭ ‬للسامع‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬الصميم‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬فيه‭ ‬الكلام‭ ‬وربما‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬أيضا‭ ‬استعادة‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬بحكم‭ ‬ثباتها‭ ‬ـ‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬عطب‭ ‬المنطوق،‭ ‬وتبني‭ ‬خطا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاطراد‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬‮«‬الاستطراد‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬القصيدة‭/ ‬الأغنية‭. ‬أما‭ ‬بنية‭ ‬الاستطراد‭ ‬فتجعل‭ ‬الأغنية‭ ‬صورة‭ ‬أشبه‭ ‬بالأحجية‭ ‬الصينية،‭ ‬وكأنها‭ ‬صناديق‭ ‬داخل‭ ‬صناديق،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬من‭ ‬العناقيد‭. ‬وقد‭ ‬يذهب‭ ‬في‭ ‬الظن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬الاستطراد‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يشتت‭ ‬انتباه‭ ‬المتلقي،‭ ‬وهو‭ ‬ينقله‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يقتضي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الاطراد‭ ‬يجعل‭ ‬المتلقي‭ ‬منشدا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الفضاء‭ ‬السماعي‭ ‬‮«‬‭ ‬الذي‭ ‬تجري‭ ‬فيه‭ ‬القصيدة‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬الصيغة‭ ‬الحوارية‭ ‬تنهض‭ ‬بجانب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاطراد‭ ‬أو‭ ‬التواصل‭ ‬اللفظي‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬بنية‭ ‬الشفاهية،‭ ‬لما‭ ‬تتوفر‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬دينامية‭ ‬الصوت‭ ‬أو‭ ‬حيويته؛‭ ‬وهو‭ ‬أشبه‭ ‬بصدى‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬جنبات‭ ‬القصيدة‭/ ‬الأغنية‭.‬
‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تدور‭ ‬على‭ ‬محورين‭ ‬متجاذبين‭: ‬جسدي‭ ‬وذهني،‭ ‬تشدهما‭ ‬استعارة‭ ‬واحدة،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ .‬فهذه‭ ‬القصيدة‭/ ‬الأغنية‭ ‬أداء‭ ‬شفوي‭ ‬وبصري‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬حيز‭ ‬من‭ ‬ذاكرتين‭ ‬متجاذبتين‭: ‬سماعية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وبصرية‭ ‬من‭ ‬أخرى‭. ‬

الشاعر‭ ‬كالمغني‭ ‬سامع،‭ ‬سواء‭ ‬جهر‭ ‬بالصوت‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يجهر؛‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬المستمع‭ ‬الأول‭ ‬لقصيدته‭ ‬أو‭ ‬لأغنيته،‭ ‬وكأن‭ ‬هناك‭ ‬أذنا‭ ‬داخلية‭ ‬تتعهد‭ ‬الصوت‭ ‬وتراقبه،‭ ‬حذفا‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬أو‭ ‬نقصانا‭ ‬أو‭ ‬تعديلا‭

إن‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬القصيدة،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬‮«‬تعبيرات‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المتقبل‭ (‬السامع‭) ‬يعبر‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬المقصود؛‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يسوق‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إنها‭ ‬شفيفة‭ ‬غير‭ ‬سميكة‭ ‬أو‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬كيان‭. ‬فهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬أو‭ ‬التعبيرات‭ ‬إنما‭ ‬تتمثلها‭ ‬المخيلة‭. ‬وهي‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬فيه،‭ ‬فتح‭ ‬أفق‭ ‬للكلمات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬‮«‬أشياء‮»‬‭ ‬مرئية،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجسدها‭ ‬أو‭ ‬تضفي‭ ‬عليها‭ ‬هيئة‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬وتختزلها‭ ‬في‭ ‬‮«‬رسم‭ ‬خيالي‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬الرسم‭ ‬الذي‭ ‬يذكي‭ ‬الحدس‭ ‬مثلما‭ ‬يذكي‭ ‬الإدراك‭ ‬ينضوي‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬المرئي،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يبرح‭ ‬سجل‭ ‬المسموع‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭/ ‬المغني‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬الآخرين‭ ‬يفكر‭ ‬بالجسد‭ ‬وفي‭ ‬الجسد،‭ ‬فهو‭ ‬ينشد‭ ‬بالجسد‭ ‬وفي‭ ‬الجسد‭ ‬أيضا‭. ‬فليس‭ ‬ثمة‭ ‬شعر‭ ‬خالص،‭ ‬مادام‭ ‬الشاعر‭ ‬ـ‭ ‬مثل‭ ‬المتقبل‭ (‬السامع‭) ‬ـ‭ ‬يقصد‭ ‬أو‭ ‬ينشد‭ ‬معنى‭ ‬ويبلغه‭ ‬بواسطة‭ ‬فعل‭- ‬يحشد‭ ‬له‭ ‬الصوت‭ ‬والأذن‭ ‬معا‭ ‬لإنتاج‭ ‬خطاب‭ ‬يمكن‭ ‬للمتقبل‭ ‬أن‭ ‬يظفر‭ ‬فيه‭ ‬بالمعنى‭ ‬المنشود‭ ‬وأن‭ ‬يفهمه‭.‬
ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يسوق‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بتماه‭ ‬تام‭ ‬بين‭ ‬الأغنية‭ ‬والقصيدة،‭ ‬فللسماع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خاصية‭ ‬تميزه‭ ‬عن‭ ‬النظر‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬يعقد‭ ‬علاقة‭ ‬بنفسه،‭ ‬ترسي‭ ‬‮«‬الذات‮»‬‭ ‬وتستدعي‭ ‬مجازا‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭. ‬فالسماع‭ ‬على‭ ‬وشيجة‭ ‬بالصوت،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يعلم‭ ‬الصوت،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يراقبه‭. ‬وطريقة‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬قصيدته،‭ ‬لا‭ ‬تتأتى‭ ‬بدون‭ ‬دربة‭ ‬أو‭ ‬مراس،‭ ‬ومن‭ ‬الصعوبة‭ ‬بمكان‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬شاعرا‭ ‬مثل‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬أو‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬ينشد‭ ‬على‭ ‬السجية‭ ‬أو‭ ‬يلقي‭ ‬القصيدة‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلقيها‭ ‬أي‭ ‬كان‭. ‬فلعل‭ ‬إنشاد‭ ‬الشعر،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬القصيدة‭ ‬هيئتها‭ ‬الموسيقية‭ ‬المسموعة،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬إنه‭ ‬الإيقاع‭ ‬مسموعا،‭ ‬أو‭ ‬إنه‭ ‬يتأدى‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬تتأدى‭ ‬به‭ ‬‮«‬‭ ‬النوتات‭ ‬الموسيقية‮»‬‭. ‬وتترتب‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬نتائج‭ ‬يغفلها‭ ‬أكثرنا،‭ ‬فنحن‭ ‬نُعنى‭ ‬بالقصيدة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬نص‭ ‬مدون‭ ‬أو‭ ‬مكتوب،‭ ‬ونصرف‭ ‬همتنا‭ ‬إلى‭ ‬اكتناه‭ ‬لغتها‭ ‬وتراكيبها‭ ‬وأوزانها‭ ‬وصورها،‭ ‬ونغفل‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬إنشادا‭ ‬أو‭ ‬غناء‭ ‬يتعهده‭ ‬الشاعر‭ ‬بالطريقة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬يتعهد‭ ‬بها‭ ‬إنشاءها،‭ ‬وأن‭ ‬للإنشاد‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬شعرية‭ ‬القصيدة،‭ ‬وبخاصة‭ ‬عند‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يحبون‭ ‬أن‭ ‬يُغنى‭ ‬شعرهم‭.‬
الشاعر‭ ‬مثل‭ ‬المغني‭ ‬أو‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬الكلمات‮»‬‭ ‬ينشئ‭ ‬وينشد‭ ‬ويغني‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬وكأنه‭ ‬يملي‭ ‬على‭ ‬نفسه‭. ‬وهذا‭ ‬يعزز‭ ‬رأينا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الإنشاد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬أداء‭ ‬لاحق‭ ‬على‭ ‬القصيدة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬يتأدى‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إنشائها‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة،‭ ‬وكل‭ ‬منهما‭ ‬ينشد‭ ‬لنفسه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينشد‭ ‬أو‭ ‬يغني‭ ‬لغيره‭. ‬والإنشاد‭ ‬كالغناء‭ ‬كيفية‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬الشعري‭. ‬وكيف‭ ‬أكتب‭ ‬أو‭ ‬كيف‭ ‬أقول‭ ‬تساوي‭ ‬كيف‭ ‬أنشد،‭ ‬وماذا‭ ‬أكتب‭ ‬أو‭ ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬تساوي‭ ‬ماذا‭ ‬أنشد‭.‬
والقصيدة‭ ‬خاصة‭ ‬المغناة‭ ‬هي‭ ‬كالأغنية‭ ‬محفوظة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المغني؛‭ ‬وهي‭ ‬أشبه‭ ‬بلوح‭ ‬موسيقي‭ ‬أو‭ ‬حامل‭ ‬موسيقي‭. ‬إنها‭ ‬باختصار‭ ‬‮«‬نص‭ ‬صامت‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬يضاف‭ ‬إليه‭ ‬اللحن‭.‬
الشاعر‭ ‬كالمغني‭ ‬سامع،‭ ‬سواء‭ ‬جهر‭ ‬بالصوت‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يجهر؛‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬المستمع‭ ‬الأول‭ ‬لقصيدته‭ ‬أو‭ ‬لأغنيته،‭ ‬وكأن‭ ‬هناك‭ ‬أذنا‭ ‬داخلية‭ ‬تتعهد‭ ‬الصوت‭ ‬وتراقبه،‭ ‬حذفا‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬أو‭ ‬نقصانا‭ ‬أو‭ ‬تعديلا‭.‬ وكلاهما‭ ‬لا‭ ‬ينشد‭ ‬بالجسد‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الجسد‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬ينشد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬جسد‭ ‬أيضا،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الكلمات‭ ‬ترتسم‭ ‬في‭ ‬أغوار‭ ‬الجسد،‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬غير‭ ‬محسوسة،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يجهر‭ ‬بها‭ ‬الصوت‭.‬
وكلاهما‭ ‬لحظة‭ ‬الإنشاء‭/ ‬الإنشاد‭/ ‬الغناء،‭ ‬ذات‭ ‬وموضوع‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الرائي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرئيا،‭ ‬لأن‭ ‬البصر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرتد‭ ‬إلى‭ ‬صاحبه‭ ‬ـ‭ ‬فإن‭ ‬النظر‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الذات‭ ‬موضوعا؛‭ ‬وكأن‭ ‬الذات‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭. ‬على‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬السمع‭ ‬يجعل‭ ‬الجسد‭ ‬حاضرا‭ ‬لذاته‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬يلحم‭ ‬الصوت‭ ‬والجسد‭ ‬معا‭. ‬فالشاعر‭ ‬ذات‭ ‬تعبر،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬مسافة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬جسدها،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬عندما‭ ‬ينظر‭ ‬ويرى‭.‬

أما‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭/ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬أنقلها‭ ‬إلى‭ ‬العربية؛‭ ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬يستمع‭ ‬إليها‭ ‬القارئ‭ ‬مغناة‭ ‬في‭ ‬لغتها‭ ‬الأم،‭ ‬فهي‭ ‬نص‭ ‬غنائي‭ ‬وجداني،‭ ‬القصد‭ ‬منه‭ ‬الغناء‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأغنية‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬أنا‭ ‬به،‭ ‬موضوعها‭ ‬القصيدة‭ ‬نفسها‭. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬أغنية‭ ‬شعبية‭ ‬وأغنية‭ ‬‮«‬سوقية‮»‬‭ ‬وأغنية‭ ‬فنية‭. ‬والأولى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مجهولة‭ ‬المؤلف‭ ‬متهم‭ ‬الأصل؛‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬مؤلفها‭ ‬منسي‭ ‬في‭ ‬الأغلب‭ ‬الأعم‭. ‬وهي‭ ‬تنقل‭ ‬بواسطة‭ ‬التقليد‭ ‬الشفوي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفضى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬تراتيبها‭ ‬اللحنية‭ ‬والوزنية‭. ‬وهي‭ ‬تُتغنى‭ ‬في‭ ‬مقاطع‭ ‬يطرد‭ ‬لحنها،‭ ‬بواسطة‭ ‬قافية‭ ‬أو‭ ‬لازمة،‭ ‬بالأحداث‭ ‬أحداث‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬والحب‭… ‬أما‭ ‬‮«‬السوقية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الهابطة‮»‬‭ ‬فتتعلق‭ ‬بكلمات‭ ‬لا‭ ‬جدة‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬طرافة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التركيب‭ ‬والبناء‭ ‬والصورة‭. ‬فيما‭ ‬الفنية‭ ‬تعني‭ ‬أثرا‭ ‬فنيا‭ ‬مغنى،‭ ‬يتميز‭ ‬بما‭ ‬يتوفر‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬الإلهام‭: ‬إلهام‭ ‬الشاعر‭ ‬والموسيقي‭. ‬على‭ ‬أننا‭ ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬ننسى‭ ‬صاحب‭ ‬الأغنية‭. ‬

ما‭ ‬الحياة

ما‭ ‬الموسيقى؟
ـ‭ ‬هي‭ ‬صوت‭ ‬يتعطر‭ ‬
ما‭ ‬الإحساس؟
ـ‭ ‬هو‭ ‬الروح‭ ‬تضطرم
والتحية؟‭ ‬ما‭ ‬هي؟
ـ‭ ‬قبلة‭ ‬لامرئية
والحنين؟
ـ‭ ‬ماضٍ‭ ‬مأكول
والطيش؟‭ ‬ما‭ ‬هو؟
ـ‭ ‬زمن‭ ‬نبذره
والزمن‭ ‬الغابر؟‭ ‬ما‭ ‬هو؟
ـ‭ ‬يدكِ‭ ‬في‭ ‬يدي
والفرح؟‭ ‬ما‭ ‬هو؟
ـ‭ ‬أحلامٌ‭ ‬تجاهد
والرفق؟
ـ‭ ‬ملائكة‭ ‬يدعو‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا
والرجاء؟‭ ‬ما‭ ‬هو؟
ـ‭ ‬السعادة‭ ‬وهي‭ ‬تنتظر
وقوس‭ ‬قزح؟
ـ‭ ‬نُصب‭ ‬تذكاري‭ ‬حي

ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬نكبر؟
ـ‭ ‬أن‭ ‬نصنع‭ ‬أوقاتا‭ ‬أولى
وما‭ ‬الطفولة؟
ـ‭ ‬النعومة‭ ‬في‭ ‬بيجاما
لكن‭ ‬قل‭ ‬لي‭ ‬أبي،‭ ‬ما‭ ‬الحياة؟
ـ‭ ‬أنت‭ ‬ترين‭ ‬يا‭ ‬صغيرتي
الحياة‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬ولكنها‭ ‬أنت‭ ‬تحديدا‭ ‬أنت
ما‭ ‬الندم؟
ـ‭ ‬شبح‭ ‬يتسكع
والرتابة؟
ـ‭ ‬الرغبات‭ ‬وهي‭ ‬تذوي
ما‭ ‬الجوهري؟
ـ‭ ‬ما‭ ‬نعتقد‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬يوم
والذكرى؟‭ ‬ما‭ ‬هي؟
ـ‭ ‬رسم‭ ‬في‭ ‬الذاكرة
والابتسامة؟
ـ‭ ‬ريح‭ ‬في‭ ‬الشراع
والشعر؟
ـ‭ ‬شبكية‭ ‬صيد‭ ‬ذات‭ ‬نجوم
ما‭ ‬اللامبالاة؟
ـ‭ ‬الحياة‭ ‬دون‭ ‬ألوان
ما‭ ‬العنصرية؟
‭ ‬ـ‭ ‬وهنٌ‭ ‬في‭ ‬القلب
ما‭ ‬الصداقة؟
ـ‭ ‬جزيرة‭ ‬الكنوز
والتسكع‭ ‬بدل‭ ‬المدرسة؟
ـ‭ ‬فركوشة‭ ‬لفيثاغورس
‭(‬اعتقال‭ ‬المصارع‭ ‬رجله‭ ‬برجل‭ ‬خصمه‭ ‬وصرعه‭)‬
ما‭ ‬الحكمة؟
ـ‭ ‬تنتان‭ ‬في‭ ‬التيبت
ما‭ ‬السعادة؟
ـ‭ ‬الآن‭ ‬الآن‭ ‬أو‭ ‬فلنْ
لكن‭ ‬قل‭ ‬لي‭ ‬أبي‭ ‬ما‭ ‬الحياة؟
ـ‭ ‬أنت‭ ‬ترين‭ ‬يا‭ ‬صغيرتي
الحياة‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬ولكنها‭ ‬أنت‭ ‬تحديدا‭ ‬أنت
في‭ ‬حكاياتك
في‭ ‬بحرانك
في‭ ‬صخب‭ ‬ضحكاتك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقطع
الحياة‭ ‬هنا،‭ ‬الحياة‭ ‬هنا
في‭ ‬دولاب‭ ‬ذكرياتنا
ورجائي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أراك‭ ‬تشيخين
الحياة‭ ‬هنا،‭ ‬الحياة‭ ‬هنا
بابا‭… ‬

كاتب تونسي

شعر‭/ ‬غناء‭ ‬لأدلبار ـ ترجمة‭ ‬وتقديم‭: ‬منصف‭ ‬الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية