جماهير رفكا الطوفانية… وفيضانات أخرى: عاشوراء من نكد التاريخ إلى فرح اجتماعي والفول سيّد الأطباق المغاربية

لن نسمع من هنا فصاعدا بوحوش الشاشة، لأنّه في كل لحظة وثانية تنبت وحوش “اليوتوب” و”السناب شات”، ولادة آمنة لتبرير ما لا يمكن للمجتمع أن يسمح به بكل أطيافه، موجة سحرية تنقلك لأي مرفأ شئت… يحدث هذا في جمهورية رفكا الفتيّة الصاعدة، التي والحق يقال لا بد من الانحناء لها إجلالا؟ وهو محاط بآلاف المحبين والمريدين، إنه تصوف القرن الواحد والعشرين، زهد في السياسة وفي الاقتصاد وفي الولاء لكل الطقوس والعادات والتقاليد.
إنّه قلب الولاءات والصناعة التقليدية للقامات العلمية والأدبيّة، جماهير المريدين أتت بحركات بهلوانية وتحديات حمقاء وابتسامات لم يكن يسمح بها، أصبحت تتربّع عاى استديوهات الأخبار وتحت تصفيقات وإعجاب الصحافيات.
قد نقل مهزلة وقد يتصبّب المثقف عرقا من هول الظاهرة الرفكية، وينتفض الساسة وقد تلجأ الأحزاب السياسية إلى خدمات رفكا لشحن الجماهير الشابّة العريضة، ونحن على أبواب الانتخابات الرئاسية، كما استعمل هو وغيره للترويج السياحي لبعض الوكالات. كل شيء ممكن. ماذا لو يترشح واحد من أمثال رفكا ممن صنعهم اليوتوب وسعى في انتشاره السناب شات.
رفكا حبيب الماما والمراهقات والمراهقين يزين جمله وعباراته بالضحك والابتسامات، بهكذا طريقة دخل على القلوب الصغيرة التي اضطهدت بمشاكل الكبار وأخبار الاعلام الصادمة للخطف والتجارة بأعضائهم الغضة واللا أمن. هل وجد محبوه ضالتهم خارج الطقوس الجنائزية التي ملأت المحيط.
يعشقه مريدوه لأنّه لطيف جدّا، لا يعقّد الدنيا لأنها لا تحتاج المزيد. يتبعه الآلاف لأنهم ملوا من السلطات الأبوية التي جردتها التكنولوجيا من هيبتها ونجاعتها، من نصائح الآباء والتلويح بالعصي التي أصبحت بالية. فليرفق رفكا ومن هم أمثاله بالأتباع ويوجههم نحو التفتح على العالم بإيجابية بقوة العلم وسعة الثقافة، وإن كان بطريقة بهلوانية هزلية. دون أن تهدر طاقاتهم في الهتافات والصرع في الشوارع، ودون ضرب بالنعال لقيم الكبار.

طوفان نوح…وفول الحياة
على سفينة النجاة

تذكّر قناة “النبأ” الليبية بتراث عاشوراء والتقاليد، التي كانت سائدة قبل انتشار الحلويات الصناعية وتغير كنه الاحتفالات القديمة. وذلك بعنوان يوم عاشوراء واستذكار الزمن الجميل. هذا الزمن الذي كان للشعير الدور الريادي، حيث كانت النساء تقوم بتحضيره وطحنه وإضافة بقوليات جافة أخرى له كالفول والعدس لإعداد طبق الهريسة، الذي يزيد ذوقا ونكهة بلحوم أضاحي العيد الجافة التي يطلق عليها اسم القدّيد. وأطباق أخرى يزينها البيض. تنتشر هنا وهناك في ربوع البلاد.
يعود سبب الاحتفال بعاشوراء، كما أدلى أحد المسنين ممن استجوبتهم قناة “النبأ”، وحسب ما يروى أن سيدنا نوح لما طلع في السفينة أخذ من كل زوجين اثنين، وظلّ يمشي حتى توقفت سفينته وتجمع الناس كلهم وأخذوا الحبوب والبقوليات التي كانت على متن السفينة، وجمعوها، من فول وطعام وعدس، عشرة أصناف، وحطوها في إناء واحد وطبخوها، وهذا هو طبق الهريسة، الذي أصبح بسبعة مكونات باضافة لحم عيد الأضحى المجفف، وقليل من القلب ويأكل منه الجميع مدة يومين، حيث ترتاح النساء من عناء الطبخ، وتوزع على الجميع وكل جار يعطي لجاره. ويخرج الأطفال يغنون:
عاشورة عاشورتي… مليلي داحورتي. (أي املئي بطني”.
كما تنقل لنا “ليبيا الأحرار” الأجواء التي تميّز الاحتفالات بعاشوراء قرية يوجلين، التابعة لجادو الأمازيغية، أهازيج الأطفال: عاشورا عاشورتي تنفخيلي في كورتي
اللي ما تعطيني الفول يصبح راجلها مهبول
ويبقى الفول سيّد الأطباق، في كل البلاد المغاربية، وله أعياد ومواسم يتربّع فيها على الموائد، فالفول يشبّع فرعون، كما يقول المثل، فيبدو أنّ للفول علاقة بفرعون وزمن سيدنا موسى. هذا الفول ما زال يوزع لغاية اليوم بين الجيران قي غرداية في وادي ميزاب، وفي أدرار وقصورها في الجنوب الغربي. وغيرها من المناطق المغاربية بمناسبة عاشوراء ويؤكل أخضر في مواسم وزيارة الأولياء الربيعيّة. كما تتجدّد فصول الزراعة كلما تتجدّد الفصول الدينية والاجتماعية من خلال عاشوراء، لذلك تحدث توليفة بين الطبيعي والثقافي. لكن الفول قد يستبدل باللحم الطازج، هذا الأخير الذي يعوّض القدّيد أو الخليع، أي اللحم المملح المجفّف.
منذ قرن والصدقات تجمع في ساحة المسجد لتوزيعها على أطفال القرية. هكذا هي عاشوراء المغارب تعتبر وعاء للتعبير عن مختلف الرغبات والأماني الاجتماعية التي يراد أن تتحقق في يوم عاشوراء، تكافل اجتماعي، طلب الأمطار: “يا لله يا لله د انزار ان شا الله”
انزار طقس جلب المطر، المعرف في كل البلاد العربية وتحت مسميات مختلفة.
كما لا يمكن نسيان شخصيات مثل بابا عيشور، بوليفة، أو شيشباني هذا الأخير وفي السياق الليبي، يعتبر شخصية متنكّرة في ليف النخيل وأوراق الشجر وغيرها، يحمل جرابا وعصا ويدور حول البيوت يطلب الهبات والصدقات من ربات البيوت. شيشباني هو ظاهرة تنافسية بين الأحياء، التنافس الذي يطبع الاحتفالات العاشورية المغاربية عموما، فممن هو أحسن شيشبان هذا العام في هذه الأجواء التي لا توحي بالفرح أبدا، ومع هذا تبقى الذاكرة تستمتع وتمتع المشاهد بما بقي من أهازيج الأطفال العاشورية الشيشبانية:
ششباني ياباني هذا حال الشيباني
هذا حال أحواله ربي يقوي مزاله.
تلبس الأحياء طابعا ترفيهيا عند مغيب الشمس، وتتحول إلى مسارح شعبية دون مبالغة، بما فيها من خروج عن المألوف، ولطابع هذه الاحتفالات التنكرية والتي كانت تلبي حاجات ضرورية وملحّة في المجتمع وتذكر بأحداث اجتماعية وسياسية محلية مرت بها هذه المجتمعات. وإن كانت تستلهم من مرجعيات دينية توحيدية من سفينة نجاة سيدنا نوح من الطوفان، أو ما قد تعبّر عنه مشاهد النيران التي توقد ليلة عاشوراء والطبول التي تقرع من دلالات ومحاكاة لواقعة رمي المشركين لسيدنا ابراهيم في النار والتي كانت بردا وسلاما عليه، لذلك يعمد الجميع لرشّ المياه في كل مكان واتجاه. كذلك تضرب الدفوف للتذكير بهجرة الرسول إلى المدينة واستقباله من طرف الأنصار.

إحياء عاشوراء
ومظاهر التكافل الاجتماعي

تركز القنوات الجزائرية هذه السنة على احتفالات منطقة القبائل ومشاهد اللحوم الموزعة بعدل وترتيب المهمة، التي تنبري لها كامل الجماعة، حيث تذبح الكباش والعجول وتقسم على السكان في هذه المناطق، والتي يطلق عليها “ثمشرطت”، أو “ثوزيعث”، توزيع اللحوم على الفقراء ويتم تحضير أكل جماعي، وما يتبرع به ميسورو الحال على الفقراء وينوبون عنهم، وهي بمثابة صدقات، أي يعشرون، العشر من المنتوجات الفلاحية، كما كان في السابق. كما تحضر النساء طبق البيض وما يعرف بـ”الخفاف”. كما تقدم الصدقات النقدية لشيوخ المساجد أو الطريقة الصوفية لتستعمل في صالح الجماعة وتجديد المرافق العامة، وهذا تحت دعوات الشيوخ.
ويمكنك سماع بالقرب من هذه المشاهد، فرقة الطبول التقليدية ورقص الشباب وغيرهم تحت هذه الألحان. مناظر تلونها أزياء النساء، وأصوات الشيوخ وموسيقى الطبول. هذه عاشوراء اليوم، تأتي لتعبّر عن سياقات مختلفة. عاشوراء التي كانت فيها نبرة من التخوف والحزن، فكانت النسوة يمتنعن عن أعمال الصوف والخياطة ويرددن لتبرير ذلك أن “عاشورا قاشورا”، أي العمل بها غير محبب ومجلب للمشاكل والأمراض والأحزان، مثلها مثل النسيج ليلة الجمعة، هكذا هو المخيال الشعبي توليفة أفكار متضاربة تحاول أن تخلق أجواء مريحة وتتجنب المشاكل العويصة، التي لا يفكّ لغزها إلا الخوض في التاريخ الاجتماعي والرمزي. بالرغم من نسبية الفرح والحزن، تبقى عاشوراء فرصة للتعبير عن التضامن الاجتماعي وتقاسم ما لذ وطاب من الأقوات والأطباق.
عاشوراء وإن تعدّدت أصول احتفالاتها ومرجعياتها التاريخية والمخيالية إلاّ أنها في الأخير استنجاد بما تبقّى من الخير في المجتمع، بتلوين الموائد وإدخال الفرح على البيوت والشوارع.
هكذا وفي ظل التغيرات يطل احتفال عاشوراء في غرداية، في منطقة وادي ميزاب، بمهرج يجوب الشوارع مع الأطفال هم يرددّون:
“ابياهنو انّنو صدق الله وتعلم هاي”
يجذب الأطفال لهذا الاحتفال بغية تكريس قيم وعادات للمجتمع الأباضي، في أجواء اللعب والفوز بهدايا، وتحت أعين المنظمين للتظاهرة.
نجد عاشوراء تحت مسميات مختلفة في الجنوب، هناك تسمية بيانو في الجنوب الغربي، وفي غرداية، ونجد سبّيبه عند طوارق واحة “جانت وغات”. ولكلّ هذه الاحتفالات ما يميزها من طقوس ومعان وأهازيج، وإن وحّدها زمن الاحتفال، فإن أسبابها ودواعي ممارسة طقوسها تختلف اختلافات جوهرية.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية