ماذا يدفع قراء في أمريكا وأوروبا وبلدان غربية وعربية وإقليمية للإقبال على حيازة كتاب سياسي اجتماعي لا يعتمد الإثارة أو الإباحية أو التركيز على الفضائح السياسية والأخلاقية والشخصية، بل يدعو إلى العقلانية؟
الجواب على هذا السؤال ربما يكون في مصداقية مؤلفه أو مؤلفته ودوافعهما لكتابة مثل هكذا كتاب.
هذا العام صدرت النسخة السادسة (المعدلة) لكتاب مؤلفة أمريكية متخصصة في علوم اللغة والحضارة العربيتين بعنوان: “فهم العرب، دليل عصري حول المجتمع العربي” الذي صدر في الأعوام 1996، 2002، 2005، 2012، 2014، و2018.
وصفت المؤلفة مارغريت ك. نايدل كتابها بأنه مفكرة هدفها التوعية وتعزيز الإدراك حول العالم العربي وليس مرجعاً أكاديمياً. وقالت انه حان الوقت ليدرك الأمريكيون والأوروبيون ومعظم شعوب وقادة دول العالم انه في العالم العربي توجد طبعة وسطى واعية ومتعلمة ومنفتحة على العالم وشاجبة للإرهاب وان العرب ليسوا قبائل جاهلة متخلفة كما يتم تصويره في بعض وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والمنشورات والكتب المنحازة ضد هذه المجموعة العربية.
تضيف نايدل في مقدمة كتابها انه بين الـ420 مليون عربي المنتشرين في 18 دولة هناك اثنيات مختلفة وتقاليد متعددة، برغم من ان الأكثرية الساحقة من العرب هم من المسلمين فهناك أقليات مسيحية في مصر والأردن وسوريا ومجموعة مسيحية كبيرة في لبنان. ولكن الأمر الأهم، في رأيها، ان الأكثرية الساحقة من المسلمين العرب والمسيحيين العرب يعارضون الإرهاب وقتل الأبرياء تذرعاً بحجج سياسية.
وتعتبر نايدل ان القضية الفلسطينية هي حول صراع بين شعبين في هذه المرحلة وليست بين مجموعات تنافست في القرون الغابرة كما تورده الكتب التاريخية. وبالتالي فالمشكلة هي ان أرضاً يملكها الفلسطينيون سُلبت منهم في عام 1948 ولم تتم إعادتها أو إعادة الجزء الأكبر منها. والمشكلة ليست بين اليهود والمسلمين.
وتؤكد المؤلفة ان العرب لا يكرهون أمريكا والأمريكيين ولكنهم يشجبون السياسة الخارجية الأمريكية المنحازة لإسرائيل والتي مارستها القيادات الأمريكية المختلفة في العقود الماضية والقرنين الحالي والماضي بالإضافة إلى انحياز القيادات الأمريكية ضد العرب في قضايا أخرى تهم الشعوب العربية. وقد ساهمت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على نيويورك وواشنطن في الإساءة إلى صورة العرب والأمريكيين مما دفع هؤلاء إلى المزيد من الانحياز ضد القضايا العربية.
وقد سَمّت الكاتبة كتابها “فهم العرب” لأنها تعتقد ان هذا الفهم قد يساهم في إزالة الانحياز والتوتر المنتشرين حالياً بين قيادات الغرب وبعض الدول العربية وفي تجنب حدوث عمليات إرهابية شبيهة بعملية (9/11) في المستقبل وقد يساعد في محاربة التطرف.
واعتبرت ان على الولايات المتحدة تبديل الصورة العالقة في أذهان بعض العرب والمسلمين حول انحياز أمريكا الرسمية وتجاهلها لحقوقهم وللمآسي التي يعانون منها بالإضافة إلى انحيازها للدول المعادية للعرب والتي تمارس “إرهاب الدولة”.
وقد استندت الكاتبة في جمع معلوماتها على خبرتها في العيش والزيارة لدول عربية عديدة حيث أجرت لقاءات مع مسؤولين وأشخاص عاديين في شمال افريقيا العربية والمشرق العربي والدول الخليجية. كما عملت في تونس مديرة لمؤسسات للتدريب على اللغة العربية وبعد ذلك كمستشارة لمؤسسات أمريكية حكومية وخاصة، بينها وزارة الخارجية الأمريكية. وحاضرت في جامعة جورجتاون الأمريكية حيث نالت شهاداتها.
الفصول التي أضافتها الكاتبة في النسخة الصادرة هذا العام كانت المقدمة، والفصل الخامس عن المرأة العربية، والفصول (11 إلى 14) عن الإسلام السياسي ومعاداة أمريكا، والوجود العربي والمسلم في الغرب، ثم تناولت في الفصل الـ(14) الدول العربية كلاً على حدة.
في الفصل الحادي عشر تُفرق الكاتبة في تحليلها بين الإسلاميين الجهاديين، من جهة، وأكثرية معتنقي الدين الإسلامي في العالم العربي والإسلامي، من جهة أخرى (ص 96 ـ 99)
تقول الكاتبة أنه في كل أديان العالم هناك متشددون ومنفتحون، ولكن “من الصعب التجادل والتحاور بعقلانية مع من يعتقدون انهم يعرفون بالتحديد ماذا يريد الله (ص 96)”.
وهؤلاء لا يزيد عددهم بين المسلمين في العالم عن واحد في المئة: وليسوا جميعا يؤمنون بممارسة العنف.
كما ترى ان هذه المجموعات لا يمكنها (حتى ولو ضمت الملايين نظراً لكون عدد المسلمين الإجمالي في العالم يناهز ألـ1.8 مليار) تمثيل الـ420 مليون عربي مسلم ولا الأكاديميين الأمريكيين من المنتمين إلى مجموعة المحافظين الجدد أو المؤيدين بدون تحفظ لإسرائيل، مثل دانيال بايبس وبرنارد لويس وصموئيل هنتنغتون، حاولوا تشويه الحقائق والاستناد إلى دراسات وهمية بأن أكثرية العرب والمسلمين يكرهون الغرب، ويؤيدون الإرهاب. واستندوا إلى تصريحات قادة عرب ومسلمين شجبوا السياسات الخارجية الأمريكية المنحازة إلى جانب إسرائيل برغم اعتداءاتها المتكررة على الفلسطينيين.
وأكدت ان المسلمين عموماً والعرب المسلمين أيضا لا يعتبرون المسيحيين واليهود كفاراً، كما تعتبرهم بعض المجموعات الجهادية الإسلامية (ص 97).
وأوردت مقطعاً ربما يختصر دوافعها لكتابة هذا الكتاب في الصفحة (98) منه وهو كما يلي: “المسلمون في سائر أنحاء العالم يريدون العيش بطريقة طبيعية، شأنهم شأن سكان العالم الآخرين، هم يريدون ان يتعلموا ويحصلوا على وظائف ويربوا أولادهم بالطريقة الأفضل. انهم ليسوا مجموعة غامضة مختلفة عن باقي البشر لها أجندتها الساعية إلى إيذاء غير المسلمين”. وتضيف ان الذين يعتبرونهم غير ذلك يقتربون في مواقفهم المنحازة من منظمة التنكيل ضد السود في أمريكا (كو. كلوكس. كلان) (ku.klux.klan) المحظورة أمريكيا ومن المنظمات المتعاطفة مع النازية في أوروبا.
ولا بد من التحفظ على بعض ما قالته المؤلفة (ربما بسبب تأثرها بالأجواء الإعلامية المبسطة للأمور في أمريكا) حول هذا الموضوع حيث أدرجت حركة الإخوان المسلمين والمقاومة اللبنانية ضد إسرائيل في مجموعة واحدة مع الجهاديين الإسلاميين الذين يبالغون في العنف ضد الأبرياء في المنطقة في بعض عملياتهم. وهنا وقعت الكاتبة في الخطأ الذي انتقدته إلى حد ما.
وفي مقابل ذلك قولها الآخر الذي يجدر ان يؤخذ في الاعتبار ان “العرب ليسوا كارهين لأمريكا وسياساتها بل هم غاضبون تجاهها ويأملون ان تغيرها” (ص 108). وتشير في ملاحظة طريفة في الصفحة (119) إلى ان الشبان والشابات العرب يذهبون بكثافة واستمرار إلى مقاهي أمريكية الطابع مثل “ستارباكس” و”بيتزا هات” المتواجدة في معظم الدول العربية ليس لأن الهامبرغر أو البيتزا أو القهوة في هذه المقاهي هي أفضل من غيرها بل “لأنهم يشعرون وهم في داخلها وكأنهم في جزء من أمريكا”. وهذا في رأيها، مؤشر على محبة فئات من المجتمع العربي لطريقة الحياة الأمريكية برغم غضبهم إزاء سياسات الحكومات الامريكية المتعاقبة.
وهي تعتبر ان أكبر خطر قد يمارسه بعض القياديين الأمريكيين والأوروبيين هو القول ان “العرب والمسلمين يكرهوننا” وبالتالي تجب مواجهتهم سلبا. وهذا ما فعله جورج بوش الأبن وأعوانه من المحافظين الجدد والمسيحيين الإنجيليين والمغالين في صهيونيتهم في أمريكا. ودعت المؤلفة إلى حوار وطني أمريكي حول هذا الموضوع وإلى حوار آخر حول السياسة الخارجية الأمريكية إزاء الشرق الأوسط وعدم تركه في يدي الذين يتم وصفهم بالاختصاصيين (ربما تقصد هنري كسينجر ودينيس روس وأمثالهما الذين يحيطون بالقرارات الخارجية للرؤساء الأمريكيين فيما هم ينفذون أجندتهم الأخرى).
الفصل 13 من الكتاب يؤكد ان وسائل الإعلام الأمريكية شنت وتشن حملات ضد العرب عموما، وقادتهم خصوصا، وتتهمهم بالاحتفاظ بأجندات خاصة وتثير الشكوك حول دوافعهم وتصعد المخاوف إزاء تزايد أعدادهم، كما تعطل دخولهم في مؤسسات صحافية وأكاديمية بارزة كي لا يؤثروا في الرأي العام بطريقة مخالفة للطريقة المنحازة المعهودة. وبرغم ذلك تضيف المؤلفة، نجح عدد من هؤلاء في تحقيق ذلك ويتمتعون بأدوار فاعلة.
والمؤسف في رأيها ان نصف الأمريكيين حسب استطلاعات للرأي أجريت في السنوات الأخيرة، لا يعرفون أي شخص مسلم، وهم جاهلون حول الإسلام وفحوى تعاليمه (ص 12).
وساهمت القرارات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب بعد انتخابه في منع الزوار والمهاجرين إلى أمريكا من سبع دول إسلامية في تفاقم مثل هذا الجهل.
كما ساهمت مواقف دول ومجموعات أوروبية مناهضة للهجرة من الدول الإسلامية إلى أوروبا في تحويل المسلمين إلى مجموعة يجب تجنبها والاتقاء من غزوها للمجتمعات الغربية والأوروبية.
هذا برغم وجود مفكرين من أصول عربية إسلامية حاولوا تبديل هذه النظرة، كالمفكر المصري الأصل طارق رمضان وأمثاله الذين عارضوا “الإسلاموفوبيا” (الخوف المرضي من الإسلام) وحاولوا اثبات ان في الإمكان نشوء إسلام أوروبي معتدل (ص 133 ـ 134). وبدلا من تشجيع رمضان، انطلقت حملات ضده واتهامات بقيامه بتجاوزات شخصية ـ أخلاقية لتحطيم أفكاره ووقعها في المجتمع.
في الفصل (14) تناولت المؤلفة أدوار كل من الدول العربية في تشجيع التطرف أو عدمه. ورأت ان مثل هذه السياسات تختلف بين بلد عربي وآخر وبين مرحلة في بلد واحد ومرحلة أخرى في البلد نفسه.
وتناولت الحصار الذي قامت وتقوم به بعض الدول الخليجية ضد دولة قطر معتبرة ان قيادة الدوحة حاولت ان تعزز حرية الإعلام والصحافة ولعبت دورا رئيسيا في دعم القضايا العربية المحقة وفي طليعتها القضية الفلسطينية. ولكن انفتاح قطر على الحوار مع منظمات المقاومة في المنطقة ومع دول فاعلة كإيران وتركيا استخدم كحجة لاتهامها بدعم الإرهاب، وخصوصا ان لدى قطر علاقات جيدة مع حركة حماس الفلسطينية (ومع قيادة منظمة التحرير) وليست لديها عداوة مع حركة الإخوان المسلمين.
ونجحت قطر، حسب المؤلفة، في تحسين علاقتها بأمريكا، برغم الحملة التي شُنت ضدها، وفي استمرار علاقتها بالجهات المقاومة في المنطقة، علماً انها شاركت في الحملة العسكرية ضد ثوار اليمن ثم قررت الانسحاب لاحقاً من هذه الحملة بعد حدوث تجاوزات إنسانية في عملياتها.
Margaret K. Nydell; Understanding Arabs
Hachette UK, 2018
352 pages.