نواكشوط تحمل المفاجآت للمشاهدين من كل مكان. لا يغرنّك الوضع الحالي للشعوب، فتحت الكثبان عالية الحرارة وخلفها توجد حضارة راقية وفن أرقى، مجسدا على أبواب ولاتة الغارقة في الرمال.. .تبنى الحضارات كذلك على العلاقات المتوازنة بين الرجال والنساء… لا يمكن أن نتكلم عن نساء موريتانيا دون أن نذكر ما تتميز به التقاليد الحسانية في مسألة زواج وطلاق النساء… فكما يتزوجن يطلقن، أو لنقل أنّ الطلاق ليس أذى للمرأة الحسانية، مثلها مثل جاراتها الطارقيات، فهي مسألة مكتوب، مثلها مثل الزواج… الطلاق ليس نهاية العالم، وهنا وهناك النساء لسن محكومات بأن يبقين هجّالات (لفظ يطلق على الأرملة) طول أعمارهن، بل يفتح المزاد على مصراعيه، تفتح سوق يتبارى فيها الرجال على المرأة، التي أصبحت ذات ميزة… المرأة المطلقة عدة مرات دليل على جاذبيتها التي تجعل الرجال يتقربون منها لكسب ودها… بينما تخضع نساء الشمال لرؤية كئيبة… في عز شبابهن شابات مطلقات يحكم الجميع عليهن بالحزن والبقاء بين أروقة المحاكم لتعنت الرجال ولعدم تطبيق القوانين والتحايل عليها، والمساومة بالأطفال… سوق المحكمة شيء آخر، كانت جداتهن أوفر حظا يتزوجن بعد وفاة أزواجهن، والحياة مستمرة، ويتربى الأطفال ولا مجال للعنف الحالي، الذي يتزايد في السوق الاجتماعية والقيمية الحرة، التي لا يدخلها آمن إلا روّع…مزادات كثيرة مفتوحة لبيع البشر تحت مسميات مختلفة.
شدّت أسواق النساء المطلقات الموريتانيات الانتباه. ها هي في آخر المشاهدات قناة “ميدي واحد” نساء مطلقات يعرضن للبيع منقولات (جهاز) الزيجات السابقة، دون أسف، وإن كانت الموارد من تلك الصفقة زهيدة. فهن يتخلصن من آثار زواج وسلبياته ولا يتركن مجالا للعواطف الجياشة والذكريات الماضية مع رجل كغيره من الرجال تمت تجربة العيش معه وانتهت. وستأتي غيرها وغيرها وستباع الأغراض دون عقدة الارتباط العاطفي الروحي بها. قد يحدث هذا مرات عديدة. هكذا نتعلم دروس الواقعية من تجارب اجتماعية بالدرجة الأولى، وعاطفية ثانيا. بينما التجارب التي تبنى عاطفيا أولا وأخيرا اجتماعية تدفع المرأة ثمنها غاليا. فالتعلق كثيرا بالرجال شيء مذموم لدى هذه المجتمعات. لنترك كل شيء على الله.
الموريتانيات بارعات في التسويق لمنتوجاتهن، ويغمرن الأسواق بأثوابهن المختلفة الألوان. وهن مضرب المثل عن الجمال لدى جيرانهن، وبالرغم من هذا فنسبة الطلاق عالية. كذلك في مدن الجنوب الجزائري تسجل حالات طلاق كثيرة وتسجل أعلى النسب هناك. لمن لا يفهم آليات المجتمع وطبيعته يقول: يا حرام، لكن استحالة العيش تجد الحل من أحد الطرفين، دون الاخلال بالجوانب الانسانية. فكرة جد راقية للانفصال. وتبقى الأسواق النسائية الصغيرة بالبيوت ومختلف المناسبات مهما كانت، فرصة ذهبية للاسترزاق.
برنامج “سوق النسا” في الجزائر
“سوق النسا” يجلب كثرة المشاهدة، سوق النسا بين الأفلام والبرامج وأسواق التجارة الفعلية، كلها تصب في تجارة مربحة بطلتها المرأة. لأنّ في العبارة تفاصيل ومغريات الثقافة الشعبية. فلم تكن المرأة تعرف الأسواق ولا ترتادها لسبب من الأسباب، فكانت مهمة البيع والشراء وانتظار السوق الأسبوعية مهمة رجالية بامتياز. كانت أسواق البركة، هكذا تعلق نساء كثيرات عندما كان الرجل يتسوق يحضر من كل شيء القليل وكانت به بركة كثيرة، ومنذ أن بدأت المرأة تتسوق غادرت البركة وارتفعت.
وتبقى عبارة سوق النسا. عبارة تحيطها هالة التحقير، وأي شيء لا يصل إلى غايته يدخل في فضاء سوق وهمية تديرها النساء، وإن كان ذلك بحيلة وكيد. والشيخ المجدوب صال وجال في تلك الأسواق وحمل تجربته بالقول:
سُوقْ النْسَا مَطْيَار، أي سوق النساء لا بركة فيه ولا ربح
يَالدَّاخَل رُدّْ بَالَكْ، احذر يا من تدخله
يْوَريِّوْلَكْ مَالرّْبَحْ قُنْطَارْ، فهن يوهموك بالربح الكثير
ويَدِّيوْلَكْ رَاسْمَالَكْ، لكنهن يسعين لأن تخسر رأسمالك
والقصد هنا أساليب التعامل مع النساء وما يسلكنه من حيل ومكائد. يبدو أنّ تجربة المجدوب كانت مريرة مع النساء، لذلك نقل لنا تراثا من الرباعيات والأمثال ميزوجينيّا لم ينته لحدّ السّاعة.
“سوق النسا”، دراما فكاهية تحمل بعض المراسيل الاجتماعية الهادفة، على قناة “الشروق”، بطلاتها نساء من جهات مختلفة من الوطن، من الغرب والشرق والقبائل، كل يوم يتطرق لقضية في قالب خفيف مستساغ بالضحك. مرة عن الزواج ومرة عن التوعية عن مرض السرطان…الخ ومزية مثل هذه البرامج هو الكشف على مواهب جميلة يمكنها أن تحدث إضافة للدراما وللسينما في الجزائر، كذلك يتّسم الحوار بتلقائّية. يمكن أن نكمل المشاهدة دون ملل، خاصّة مع الممثّلة ذات لكنة الغرب الجزائري، بعفوية أدائها. وإن كانت أغنية الجنيريك “سوق النسا راه مهبّلني” لا توحي تماما بمضمون البرنامج، بل تحيل إلى نكهة رباعيات المجدوب.
“سوق النسا”، هذه المرة، وليس صوڤا، العبارة الأولى بلكنة أهل المدن، والثانية بلكنة أهل القرى والبوادي…على الجزائرية وأن منذ يناير/كانون الثاني 2018 لحدّ الساعة يعرض كل أسبوع في بلاتو وبمذيعات ثلاث. أهمّهن فيزيّة توقرتي، الممثلة ذات الشخصيّة القوية في مسلسل الخاوة والذي أحدث طفرة في مسارها الفني. من يراه لأول مرّة فهو ليس بالسوق الموريتانية ولا بصوڤ الشروق. مواضيع كثيرة تطرح، فيها الغث والسمين وبحضور أحد الوجوه الرجالية. الرجل هنا كدخيل يمكن احراجه بسهولة وسط ثرثرة في الاستديو وكلام كثير وضحك كثير وهرج ومرج. فعلا تنطبق عليه عبارة “صوڤ النسا”، وتحوم حوله شبهة الكلام الذي لا يوصل لهدف ولا لمكان.
تلوم تعليقات المشاهدين مقدّمة البرنامج الرئيسية، وإن بدت أكثر اتزانا وهدوءا من زميلتيها، كونها تتناقض في مواقفها، فهي وإن رفضت وترفض تأدية الأدوار الخادشة لحياء المشاهدين والأسر، فقد دخلت برنامجا سوقا كل مهمته منصبّة على الاستهتار بذوق المشاهد. قهقهات وتصفيق وتطبيل وزغاريد تؤذي الأذن وتتلوث، ليس برنامجا جادا ولا هزليا. وبما أنّ فيزية تقبل النقد، النقد كان مهذّبا بأن تغادر بلاتو سوق النسا، لتسجل إعجاب الجمهور بها وتبقيه دائما.
لو قالوا إنّ البرنامج موجّه للمراهقات، لقبلها المشاهد. فماذا يعني أن تدخل إحدى مقدمات البرنامج لاهثة، وتتحدث عن من عاكسها وكان ملحا لحد الاسفاف. وهذا ليفتح موضوع المعاكسة. والتحدّي الأكبر هل يمكن للمرأة أن تخرج دون مكياج. تحمل ضيفة البرنامج والمذيعتان ورقا لينزعن مكياجهن على المباشر….لا …لالالا.
ترفض الفنانة الرصينة فيزية توقرتي هذا الفعل، بلباقة وتقول إنها تفضل أن تكون دائما في كامل جمالها وأناقتها. حتى لا يتحول البلاتو لبيت حمام.
بالرغم من كل شيء دخلت النساء الأسواق وسوق الحلقة وأصبحن مداحات (في المغرب) بينما لم يكن مداحا سوى الرجل، ومن خارج الأسوار ترتفع أصواتهن، لبيع منتوجاتهن بتقاليد البيع الرجالية نفسها، فقط تغيرت الأصوات، والمرسال واحد والدلالة واحدة. فحتى هنّ يحذرن من سوق النساء على خطى المتصوف الشيخ المجدوب.
ربما ما تزال ذاكرة التقاليد الحفصية في تونس تبهر بما وصلت اليه المرأة من تفتح ونقاشات، ففي المدينة العريقة “البلاد العربي” نجد سوق النساء بشحمه ولحمه بناية بجانب أسواق الرجال من صياغين وبائعي الصوف الجربية. يحكي حكاية ذلك الزمن أين كانت النساء تبعن المنتوجات الزراعية وغيرها لتبتاع المنسوجات والملبوسات وقطع الحلي. من يحفر في ذاكرة السوق لعله يجد تاريخا منسيا طويلا خارج بخار الحمام.
ومهما يكن فإن هناك أسواق نسائية، تكون المرأة فيها التاجرة، والمتسوقات نساء، يغيرن الفضاء الذكوري لفضاء أنثوي بامتياز كل يوم أربعاء في منطقة “لاربعان أث ايراثن” في منطقة القبائل.
جرت العادة أن تسمى المناطق بأسماء أيام الأسواق فيها لأهمية السوق ليس اقتصاديا فقط بل لاعتباره شريان حياة الجماعة وتحدث فيه كل التبادلات الممكنة، وتحل فيه كل المعضلات وتدار فيه كل الصفقات.
كاتبة من الجزائر