بيتي توتل: للنساء أقول حذار من إهمال الزوج والمبالغة في حضانة الأبناء

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: بدأت “فريزر” هذا الأسبوع عروض ما بعد الخمسين. لم تكن الكاتبة والمخرجة والممثلة بيتي توتل، تتوقع هذا النجاح. لكن المسرحية تعني كل بيت لبناني تقريباً لجهة الموضوع. وإلى جانبه ينتصب حضور بيتي توتل المجتهدة منذ نعومة أظفارها، بات لها جمهور يسأل عن جديدها، و”فريزر” يأتي في المرتبة 15 من ضمن عائلة مسرحياتها. إذ بات لها موقع مميز ضمن الجيل الجديد من المسرحيين. سمة توتل البارزة في مسرحها أنها تملك سمعاً ونظراً يسجل حالات الناس أينما حلّت أو صادف لها وجود. يتصف مسرحها بالـ”تراجيكوميك”. وفيما ترتفع وتيرة ضحك الجمهور بشكل ملحوظ في “فريزر” بالتأكيد ترتفع معه مأساتنا كشعب لبناني محكوم من فاسدين وجهلة.

مع بيتي توتل هذا الحوار:

*”فريزر” بدأت في عروض ما بعد الخمسين. هل هي أكثر مسرحياتك شعبية؟

** نعم “فريزر” و “باسبور 10452” عرضان مسرحيان طُلبا كثيراً من قبل الجمهور وتخطيا الـ50. وأذكر كذلك “مسرح الجريمة” الذي سجل 44 عرضاً، وهو رقم ملحوظ.

*”فريزر” حكاية والدة تعيش فراغاً أم وطن طارد لأبنائه؟

**بل الاثنان معاً. أكثر من 70 في المئة من العائلات اللبنانية تعيش واقع سفر الأبناء. الأم الحاضن للأبناء، بمعنى مجازي تمثل الوطن. أينما رحل أحدنا سيعود ليدفن في أرضه. وأينما رحل الأبناء سيعودون للقاء الأهل. الوطن والأهل وحدة تتكامل.

*هل من صلة تربط بين عطل “فريزر” وأعطال البنية التحتية في الوطن؟

** طبعاً. “هالبلد فريزر وعم بيفضوا” جملة ترد في العرض المسرحي. ليس “فريزر” رمزاً لأم تطبخ على مدار الساعة فقط، بل لأكثر من ذلك. منها علاقة الثنائي التي تتراجع كلياً بعد سفر الأبناء، في حين يجب أن تزدهر مع شهر عسل جديد بعد طول إهمال ناتج عن العناية الكاملة بالأطفال. حينها تتراجع حياتهما العاطفية إلى الحد الأدنى. من جهة أخرى فإقفال طريق المطار وحرق الإطارات يصف الجمود الذي دخله الوطن منذ زمن بعيد. وهو بذلك شبيه بـ”فريزر” الذي يفرغ بالتدريج. وفي الختام يتضح دور الـ”فريزر” في التهام الناس، حيث غربة الأبناء تؤدي لشيخوخة مبكرة أو هي تقتل الأهل معنوياً.

*في العرض قدر كبير جداً من الضحك. هل نضحك كمتفرجين على واقعنا؟

**هي كوميديا سوداء، فنحن حيال موضوع مأساوي جداً. نعم الضحك كثير، موضوع موجع يستحيل تناوله بغير الضحك. أسعى منذ سنوات لتقديم كوميديا هادفة تحمل عمقاً. نضحك ملياً على واقعنا الذي يأخذنا فيما بعد لإعادة النظر. من شأن الضحك أن يبث الوعي وأن يطرح السؤال. كثيرون يقولون لي بعد العرض “نْوَجعْنا”. وهذا ما اختصره لي برسالة متفرج جاء من بعقلين ولا أعرفه. فهل من بلد في العالم لديه تطبيق هاتفي عن مواعيد قطع الكهرباء غيرنا؟

*هل بتنا عائلات تلتقي عبر آيباد؟

** صحيح آيباد وسكايب، نسبة الهجرة في لبنان مخيفة، وهذا ما ورد في مسرحية “باسبور” التي لعبت من 2013 إلى 2016 في لبنان والخارج. ونحن البلد الوحيد الذي نصب تمثالاً للمهاجر قرب المرفأ.

*ما هي خصوصيات النص المسرحي الواقعي والمعاش؟

** حوارات المسرحية جميعها حقيقة إما واجهتها شخصياً أو واجهها آخرون أعرفهم. هي قصص أعمل لربطها في قصة واحدة. عندما كتبت النص لم تكن ابنتي قد سافرت للدراسة، لكني أعرف عدداً كبيراً من العائلات يعيشون هذا الواقع. أردت العمل على هذا العنوان وكانت صعوبته في اختيار الأهم من بحر من الأفكار والوقائع. وكانت المعضلة في ربطها وضبطها وفق الإيقاع المطلوب، مع التقطيع، البداية، العقدة والنهاية.

*المسرحية ساعة و45 دقيقة. هل خشيت الزمن الطويل؟

** أكيد لكن مع بدء العروض قال كثيرون لا تخشي الوقت. مرّ سريعاً. إيقاع العرض سريع، والمشاهد تتضمن مفاجآت دائمة. وكوننا حيال موضوع حساس من الضروري ترابط القصة وتماسك الشخصيات.

*هل توقعت هذا النجاج لـ”فريزر”؟

** صراحة لا. قلقي الدائم يحتم إعادة النظر في العمل. وأردد أن جمهور المسرح يشبه الحبيب الذي أخشى خسارته. لهذا أمده دائماً بجديد يغريه. الثابت الوحيد في مسرحي هو الـ”تراجيكوميك”.

*وهل يتبدل الجمهور؟

** بل يكبر. الحمدلله الجمهور ينتظر جديدي. أوقفت العرض لعدم وجود صالة، وكانت العودة الحالية مع الخريف في مسرح دوّار الشمس الذي أكسبني جمهوراً جديداً. بدأ العرض في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 وقبلها بأسبوعين استقال الرئيس سعد الحريري من السعودية. لكننا عدنا وأقلعنا بقدرة الاهية.

*”فريزر” هي مسرحيتك الأولى التي تخرج من بيروت إلى طرابلس وصيدا كيف كان اللقاء خارج المركز؟

** مع مسرحية “باسبور” سافرنا إلى مونريال، وعرضنا في طرابلس. ومع “فريزر” عرضنا في صيدا وطرابلس والكورة. أتعاون مع مؤسسات خيرية بأسعار الكلفة تقريباً فيما يعود الريع لصندوقها. هو مساري في دعم المؤسسات الخيرية. الإنتشار خارج العاصمة مهم للغاية. كما أن ثقة المؤسسات التي أتعاون معها تترسخ، وهم يسألون دائماً عن جديدي.

*كتبت النص بشفافية وحنان مطلق. كم تشبهين نصك هذا كأم وزوجة؟

** مئة في المئة دون أن يخلو ذلك من الإنعكاس الكوميدي بوقعه الطبيعي ودون تضخيم مسرحي. زوجي في الحياة يشبه في حدود، زوجي في “فريزر”.

*هل ترغبين في تغير يطرأ عليك كامرأة وأم لبنانية؟

**أحياناً أقول ليتني أكون أقل حضانة مع أولادي من الدجاجة حسب المثل الفرنسي. التغيير صعب. إنه التكوين. بالمناسبة حضور عروض “فريزر” يجمع بين معلمة المدرسة والطبيبة وما بينهما من مهن، وأرى الجميع يتشابهن في دور الأم. لن أتمنى التغيير لأنه مستحيل.

*ضاعت المرأة نفسها ولم يعد لها وجود سوى في المطبخ. ماذا تقولين للنساء الشبيهات بأم “سيرج”؟

** أردت القول عبر “فريزر” أن المرأة تقفل أحياناً على نفسها وتنسى وجود زوجها، فينحصر اهتمامها بأطفالها. عندما يطول هذا السلوك قد يؤدي لإنهيار الحياة الزوجية. في العرض يقول أغوب، لزوجته “ليس ذنبي إن سافر ولداك فتهربين مني. وليس ذنبك كذلك كي تفشين خلقك بالطبخ”. فحذار.

*كم ناضلت كامرأة عاملة وأم ليكون لك اسمك بين كتاب ومخرجي المسرح في لبنان؟

** ناضلت نعم. سؤالك حمل الجواب. عملت في برنامج “ستار أكاديمي” لست سنوات، وعرفني الجمهور من خلاله، لكن خياري الأول المسرح. ما حصّلته من التلفزيون صرفته على المسرح. كان هدفي الوصول إلى هذا المكان في المسرح، بحيث يتم الإعتراف بي ككاتبة ومخرجة وممثلة. ولهذا الهدف تابعت دراسة ماجستير في الدراماتورجيا، ثم دكتوراه في الكتابة والدراسات المسرحية. أعلِّم طلابي الكتابة والتمثيل. أكملت الدراسة خلال إجازات الأمومة التي كانت تمنعني من التمثيل. كما كتبت ودرّست، ولم تتوقف حركتي.

*أنت أكثر التصاقاً بالتمثيل، أم الإخراج أم الكتابة؟

** بدأت ممثلة، وترافق الإخراج مع بدء التعليم، ويستحيل الفصل بين المهمات الثلاث.

*كم عدد مسرحياتك حتى الآن؟

** مجموع المسرحيات 15 كتبت منها 6. بدأت في الإعداد والإخراج. أعددت مسرحية من نص الأستاذ الراحل أسامة العارف “أيام بتسوى فرنكو”. عندما اتصل بي طالباً هذا التعاون إعداداً وإخراجاً، كبر قلبي. عملنا لمدى أربعة أشهر متواصلة. أسامة العارف تعاون مع أهم مخرجي المسرح أمثال روجيه عساف، يعقوب الشدراوي ونضال الأشقر. رحم الله أسامة العارف.

*هل تحضرين كممثلة في كافة نصوصك؟

** بل لم أمثل في أكثرها، منها “آخر بيت بالجميزة، رسالة حب، شبه مسرحية، من هي كلير زهناسيان؟ مسرح الجريمة.” عندما لا يكون لي دور لن أمثل. همي كتابة الفكرة وليس دوراً لي.

*وماذا عن السينما والتلفزيون هل تمثلان طموحاً تبحثين عنه؟

**مثّلت في السينما، وفي التلفزيون أكثر. أطمح لمزيد من تنمية حضوري في السينما. في السينما والتلفزيون أبحث عن المستوى الذي يتماثل مع مستوى المسرح الذي أقدمه. أبتعد عن التلفزيون عندما يبالغ في تكبير حجم ما يُسمى “النجمة والنجم الصاعد”. المسرحي يعرف حدوده وتبقى قدماه على الأرض، فهو يعرف تماماً أنه بدون الجمهور لا وجود له. في التلفزيون أو السينما لست بصدد “التنجيم” على أحد ولا تعنيني الألقاب ولا الشهرة. وأتلذذ بلعب الأدوار الثانوية. ففي فيلم “محبس” كان مهماً التعاون مع ممثلين رائعين، وأجواء جميلة، وسيناريو متماسك ومشغول جيداً.

*وهذا ما شجعك على المشاركة؟

** بالطبع. نص جميل، وفريق عمل رائع بخاصة جوليا قصّار وعلي الخليل. كانت فرحة كبيرة العمل مع بسام كوسا، جو خضر وندين خوري من سوريا. كذلك السيناريو الذكي من مخرجة لذيذة هي صوفي بطرس. فلماذا أقول لا؟ إنها تجربة أضافت لي.

*علمنا أن وزارة الثقافة تتبنى مسرحيتك هل من تفاصيل؟

**بشكل عام أتلقى دعماً لمسرحياتي من وزارة الثقافة وخاصة المسرحيات الأربع الأخيرة. هو دعم جيد رغم تواضعه. وثمة مفاجأة جميلة تُعدّ لها وزارة الثقافة لصالح المسرح اللبناني ستعلن عنها قريباً.

*ما هو جديدك المقبل؟

** حجزت المسرح لخريف السنة المقبلة، وأنا بصدد فكرة موجعة. بدأت الكتابة.

*كتّاب الرواية والشعر يختلون بذاتهم وبعضهم يقيم في “كوت دازور” أو جزيرة نائية. ماذا عنك؟

** أنا أم لأربعة أبناء، أختلي بنفسي بعد العاشرة تقريباً، وغالباً ما يكون المطبخ مكاني أو غرفة الجلوس بعد خلود الجميع للنوم. والأمكنة الأخرى أياً كانت غير مطروحة. عملي يشكل متنفساً لي وأقوم به بسرور وفرح واستمتاع خاصة في الكتابة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية