تونس-“القدس العربي”:”أيام قرطاج السينمائية تبقى صورة تونس العاكسة للحرية والتسامح متشبثة بقناعاتها ولن تنحني أمام حاملي المشاريع الظلامية، وتصدح عاليا وبقوة بأن الثقافة هي السد المنيع والوحيد ضد الجهل وأعداء الحياة”. تلك كانت رسالة نجيب عياد المدير العام لأيام قرطاج السينمائية في دورته الحالية ردا على العملية الإرهابية التي وقعت قبل أيام من افتتاح هذا العرس السينمائي السنوي، فلم تستطع إرادة الإرهابيين وظلامهم ان تدنس شارع الحبيب بورقيبة بكل رمزيته، وهو الذي يحتضن فعاليات هذا المهرجان السينمائي الدولي بكل زخمه وإبداعه والرسائل التي يحملها للعالم، فالثقافة أقوى من كل الظلامية والعدمية، فعقد أيام قرطاج السينمائية في موعده وانطلق يوم 3 تشرين الثاني/نوفمبر وتختتم فعاليته اليوم احتفاء بالتسامح والانفتاح وحب الحياة.
أكثر من800 فيلم تقدمت للمهرجان وتم اختيار 206 من 47 بلدا تم عرضها في أكثر من 19 قاعة سينمائية في تونس وباقي ولاياتها. كما استقبلت أيام قرطاج السينمائية أكثر من 350 ضيفا من الخارج.
وخصصت فعاليات “سينما تحت المجهر” لعرض أفلام من العراق والسنغال والهند والبرازيل كضيوف شرف حسب ما أكد المدير العام للمهرجان. وقدم العراق 18فيلما وشاركت السنغال بـ 13 فيلما والبرازيل بـ 12 شريطا سينمائيا. والسينما الهندية شاركت بـ 8 أفلام. وظل جمهور قرطاج وفيا لمهرجانه السينمائي وتمثل ذلك في إقبال التونسيين على قاعات السينما بأعداد غفيرة.
وأعتمد المهرجان على 54 فيلما عربيا في الاختيار الرسمي، أغلبها منتجة سنة 2018 وشملت المسابقات الأربعة الرسمية 44 شريطا سينمائيا منها 13 مرشحا للأفلام الروائية الطويلة و11 فيلما في مسابقة الوثائقي الطويل و12 فيلما في قسم الروائي القصير و8 أفلام في قسم الوثائقي القصير. وفيما يتعلق بالمشاركة التونسية فقد وقع الاختيار على 23 فيلما سينمائيا تونسيا.
وقدمت 4 أفلام ضمن العروض الخاصة هي الفيلم اللبناني “مورين” للمخرج طوني فرج الله، والفيلم الجزائري “أسوار القلعة السبعة” لأحمد راشدي وفيلم “سامحني” للراحلة نجوى سلامة، وفيلم “دشرة” لعبد الحميد بوشناق.
الانفتاح على القارات
وقد ظلت أيام قرطاج السينمائية وفية لإرثها الثقافي فعمقت أكثر هذه الدورة الانفتاح على القارات وعلى الثقافات الأخرى. في هذا السياق شارك 135 مبدعا في العروض الفنية في شارع الحبيب بورقيبة بحضور جماهيري يليق بالعرس السينمائي الدولي.
“بلا موطن” هو الشريط السينمائي الذي افتتح أيام قرطاج السينمائية، وهو فيلم روائي طويل من سيناريو وإخراج المغربية نرجس النجار، مدته 94 دقيقة وقامت بإنتاجه شركة “لا برود” العام الحالي. وكان العرض العالمي الأول للفيلم كان في مهرجان برلين السينمائي في دورته المنقضية (68) كما تم اختيار “بلا موطن” في قسم “نصف شهر المخرجين” لمهرجان كان السينمائي 2018. هنية هي بطلة الفيلم، شابة بلا موطن، يعرض الفيلم رحلة بحثها الطويلة عن عائلتها الممزقة بين وطنين منذ سنة 1975. ونرجس النجار التي ألفت العديد من الأفلام الوثائقية مثل “مطلب كرامة” عام 1994 وكاتبة رواية “كراسات البصمات” وأخرجت ثلاثية من الأفلام القصيرة وهي “السماوات السبع” (2001) و”مرآة مجنون” (2001) و”الطبق أو حلم البكماء” (2002) تحاول في هذا الفيلم تشخيص إشكالية الهجرة والتشتت في بيئة سياسية غير مستقرة وفي مجتمع تعيش فيه شرائح عديدة على الهامش باحثة عن الأمل والحياة.
ومن الأفلام التي سبق ان قدمتها المخرجة المغربية نرجس النجار فيلم “انهض يا المغرب”(سنة 2006) والذي أثار جدلا واسعا وعرض في مهرجان مراكش الدولي للفيلم وطرح علاقة الشعب المغربي بكرة القدم وحلم تنظيم كأس العالم.
وشارك من المغرب فيلم “صوفية” في مسابقة الروائي الطويل وهو للمخرجة مريم بن مبارك، ويتحدث عن الشابة صوفيا التي تلد طفلا خارج إطار الزواج، فيمهلها المستشفى 24 ساعة لتقديم أوراق والد الطفل قبل تنبيه السلطات، وهو عمل يكشف مشكلة الأمهات العازبات في مجتمع محافظ.
أمّا العراق فكانت له مشاركة بفيلم “يارا” من إخراج عباس فاضل، الذي سبق له التنافس على جوائز “التانيت” وذلك بأفلام “العودة إلى بابل” سنة 2002 و”نحن العراقيون” عام 2004 و”العراق عام صفر” سنة 2015 ونال بالفيلم الأخير “التانيت” الفضي في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة.
عروض داخل السجون
كما خصصت أيام قرطاج عروضا خاصة داخل السجون وهي المبادرة التي أطلقت دورتها الأولى في أيام قرطاج السينمائية 2015 مع ابراهيم لطيف. وكشف نجيب عياد المدير العام للأيام خلال ندوة صحافية أن معايير اختيار الأفلام ضبطتها لجنة مشتركة بين الأطراف الثلاثة المنظمة للمهرجان وفسحت هذه العروض الخاصة المجال لأكثر من 1800 سجين لمواكبة الأفلام المبرمجة.
واعتبرت غابريال رايتر، مديرة مكتب تونس للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب ان هذه الخطوة من المبادرات الهامة الداعمة لحقوق الإنسان، مشيرة إلى ان الحقوق الثقافية من الحقوق المقدسة التي لا يمكن حرمان السجين منها.
وأبرز الأفلام المعروضة هو فيلم الافتتاح “في عينيا” لنجيب بلقاضي. وفي سجن برج الرومي في بنزرت عرض فيلم “سامحني” للمخرجة نجوى سلامة بحضور الممثل السوري عابد فهد، إضافة إلى فيلم “إلى آخر أيام الزمان” لياسمين شويخ في سجن مرناق، وفيلم “غزالة” لهاجر نفزي. كما تابع السجناء مجموعة من الأفلام القصيرة منها “بطيخ الشيخ” لكوثر بن هنية و”يسار يمين” لمطيع الدريدي و”إخوان” لمريم جوبار.
مسابقة الأفلام الروائية الطويلة
وقد تنافس ثلاثة عشر فيلما من تسع دول على جوائز “تانيت في دورة 2018 الروائي الطويل” بحضور صناع أفلام أفارقة وعرب من أصحاب التجارب المغايرة مثل محسن بصري، وجود سعيد، وكاريون ويناينا، وانوري كاهيو وجويل كاريكيزي ونجيب بالقاضي ومحمد بن عطية. وشاركت تونس بثلاثة أفلام روائية طويلة فيما شارك المغرب وكينيا بشريطين سينمائيين.
الفيلم الروندي “رحمة الغابة” في عرضه الافريقي العربي الأول ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة يطرح مخرجه جويل كاريكيزي عددا من المسائل الشائكة في القارة الافريقية.
ويتحدث الفيلم عن الرقيب كزافيي بطل الحرب الروندي والجندي فاوستن، الذي لا يملك أي تجربة، ووجدا نفسيهما على أراضي العدو، ويبقيان وحيدين دون زاد، في الأدغال الكونغولية، الأخطر في العالم.
كذلك شارك فيلم “ماشيري إكو باهانغ” من جمهورية الكونغو الديمقراطية وهو يتطرق إلى حياة “ماكيلا” 19عاما والتي تعيش في الشارع منذ سن 13، تزوجت من مبينغازور، الذي دفعها إلى ممارسة البغاء والسرقة وتعاطي المخدرات لكن بعد فترة تتمرد “ماكيلا” على واقعها.
أما فيلم “في عينيا” فيقدم فيه نجيب بلقاضي قصة لطفي المقيم في مارسيليا والذي يضطر للعودة إلى تونس حتى يعتني بابنه الذي يعاني من التوحد. في حكاية إنسانية عن معاناة أطفال التوحد والظروف الاجتماعية المحدقة بهم في طريقهم إلى النجاة من المرض واكتشاف الحياة، فهؤلاء في حاجة إلى ولادة جديدة تعيد لهم احساسهم الخاص بالحياة واكتشافهم لذواتهم ومحيطهم.
الإرهاب بعين الكاميرا
واللافت في هذا المهرجان هو حضور الأفلام التي تطرقت إلى ملف الإرهاب بعين الكاميرا. فنجد فيلم “ريح رباني” للمخرج الجزائري مرزاق علواش، يتحدث عن قضية تجنيد الشباب في الجماعات الإرهابية من خلال حياة الشاب أمين الذي يلتقي بالجهادية نور، ويكشف الفيلم المشاكل النفسية والاجتماعية التي تدفع الشبان للارتماء في أحضان هذا العالم السوداوي في صراع بين الحياة والموت.
كما شاركت تونس في مسابقة الروائي الطويل 2018 بفيلم لمحمد بن عطية “ولدي” وتناول خلاله المخرج مسألة التطرف الديني ومعاناة الوالدين بعد أن يقع غسل دماغ ابنهما ويخسران رمز المستقبل بالنسبة إليهما للأبد. “ولدي” أول عرض عالمي أول له في مهرجان كان السينمائي وكانت له جولة في مهرجانات دولية حصد خلالها نجمة مهرجان الجونة السينمائي لأفضل ممثل دور أول، والجائزة الكبرى لمهرجان السينما المتوسطية في باستيا في فرنسا.
وشاركت كينيا بفيلم ثان “”SUPA MODA من إخراج كارين ويناينا، صانع الأفلام. ويتحدث عن الفتاة المريضة التي تعيش في نهاية حياتها القصيرة كبطل خارق بفضل عائلتها وقريتها.
“يوم الدين” فيلم عن الأقليات المهمشة في مصر يعرض فيه أبو بكر شوقي، قصة “بشاي” الذي يقرر بعد وفاة زوجته مغادرة “مستعمرة” للمصابين بالجذام وينطلق مع حماره رفقة صديقه “النوبي” الشهير بـ”أوباما” في رحلة في أنحاء مصر بحثا عن عائلته. ونافس على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي 2018 وتوج بجائزة “فرانسوا شاليه”. ويعرض فيها مشاهد إنسانية ويطرح أسئلة كثيرة عن الاختلاف وإقصاء الآخر بصورة صامتة يضع خلالها المخرج أمام الجمهور مشاهد صادمة عن مريض الجذام ومعاناته. ولعل السؤال الأهم الذي يطرحه المخرج، هل ينتظر المريض يوم الدين ليشعر بإنسانيته؟
“بشاي” مريض الجذام، ينتقل بعربته وحماره وصديقه الحميم، وتكشف كاميرا المخرج قساوة الإنسان في تعامله مع مريض الجذام.