“عصافير دارون” للروائي الفلسطيني تيسير خلف: التاريخ محلقاً بأجنحة التشويق الروائي

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
2

قد لا تكون قراءة الرواية بزمن أقصر معياراً نقدياً لجودتها، لكنه مهم في رأيي في تقييم الرواية، أسْرُها لقارئها واختصارُ زمن قراءته لها بهذا الأسر، وتركه في النهاية عطشاناً مثل عاشقٍ للمزيد من خمرها كلما روته متعة الرويّ.

رواية “عصافير دارون” للروائي والباحث السوري الفلسطيني تيسير خلف، تفعل ذلك بقارئها، من خلال ما هيّأ لها خالقها من محاسن، وإن كانت منقوصةً بعض الشيء بسبب ثقل حجم التاريخ والتوثيق والأنثروبولوجيا والخيال الذي حملته في أعطافها، لكن دون فقدان السيطرة على توازنات العناصر التكوينية لجمالها.

في اختياره اللحظة الزمنية للرواية، يلتقط تيسير خلف ما منحه التاريخ من ومضات لمعت على شكل مقال في إحدى المجلات الأمريكية القديمة عن فريق للخيول العربية سافر من الشام إلى أمريكا لتقديم عروض تحت الراية العثمانية المشاركة في معرض شيكاغو الكولومبي العالميّ الذي افتتح في الأول من أيار (مايو) عام 1893، بمناسبة مرور أربعمئة سنة على “اكتشاف” كريستوف كولومبس لقارة أمريكا، وتعرُّض هذا الفريق لعملية احتيال كبرى أفشلت رحلته. ويكتشف الكاتب بحساسية ذكية أن اللحظة التي سرّبها التاريخ له، تشكل التقاء وتفارق عوالم تاريخيةً، كاشفةً للحاضر وفاتحةً نوافذ تطل على المستقبل.

ويقود توفّق الكاتب في هذا الالتقاط إلى نسجه رحلة هذا الفريق، في رواية مميزة بحق، وتتبع مصائر البشر والخيول التي تشكله، بدءاً من الدعوة التي تلقّاها السلطان عبد الحميد من الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون للمشاركة في المعرض، مروراً بِحيْرة السلطان في ما يجب على “امبراطورية تنتشر على ثلاث قارات، أن تشارك به في سباق الأمم”، ولا تجد ما تقدمه، وصولاً إلى التوصل لحلّفي إيجاد موضوع المشاركة. ثمة عدو روائي كما الخيل في متابعة رحلة المشاركين وما اعترضها من أطماعِ وخلافاتِ الشركاء القائمين عليها، وتآمر المنافسين الأمريكيين إلى حدّ إحراق خيلها، وتبدد الفريق وطحنه بشراً وخيلاً بين فكي الرأسمالية الأمريكية التي لا تعرف الرحمة. وفي هذا السياق يمر تحطم الأحلام الكبيرة النبيلة التي حملها رائد المسرح الفلسطيني راجي صيقلي، وبراعة الفرسان الشاميين في قيادة خيولهم الأصيلة، ومسرحة أبي خليل القباني الذي قدم نصائحه للقائمين على العروض من أجل إنجاحها.

وفي جميع تفاصيل هذا السياق، لا يغيب هدف الكاتب الذي ركزت عليه معظم المراجعات التي تناولت هذه الرواية، ويتلخص بعناوين هذه المراجعات: “تفكيك انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة روائيّاً” لعمر شبانة، “نبشٌ تاريخي في مآسي العرب والمسلمين المتجددة” لبديعة زيدان، “خرافة التفوق الأوروبي” لمفيد نجم، و”رحلة عربية إلى الهزيمة” لرائد وحش.

في تشكيل بنية هذه الرواية، لم يلجأ تيسير خلف من أجل ربط الماضي المستمر في الحاضر، إلى إدخال نفسه ككاتب أو كراوٍ في الرواية، رغم أن هذا حدث معه كعنصر روائي، في اكتشافه لمقال خديعة تحطيم الفريق العربي، وقيامه بالبحث عن كل ما يتعلق بتلك الحكاية. إنه يلجأ في تشكيل هذه البنية إلى السرد المباشر الذي تتصف به الروايات التاريخية، لكن بتفاصيل بنيوية ذكية، تحدد الرواية شكلاً وفق موضوعها، بثلاثة سلاسل: أولها سلسلة مدير قسم الأنثروبولوجيا والمشرف على قسم الترفيه في المعرض البروفيسور فريدريك وارد بوتنام، التي تعكس أفكاره العنصرية، في تطور الإنسان من الوحشية إلى الحضارة، والتي تضع الإنسان الأوروبي في قمة هذه التراتب. وثانيتها سلسلة مدير قسم الامتيازات بلوم، التي تعكس الرأسمالية الربحية وتتصادم مع سلسلة بوتنام التطورية العنصرية. وثالثتها سلسلة الرجل الحوراني المهووس بالخيل، حسن الرمّاح، التي تعكس الحضارة العربية، المبددة والمداسة بحوافر خلافات أهلها وبالجشع الرأسمالي.

وتدخل في سياق هذه السلاسل عناوين الحكاية التي تعكس، الدعوة المحيرة إلى المعرض، والأحلام الكبيرة التي تتكسر على صخور الصراعات، والشراكات التي تنهشها الأطماع، والسيطرة الرأسمالية على مقدرات ومصائر البشر والخيول.

في رسم وتطوير شخصيات الرواية التي، كما قال عنها في مقابلة صحافية أنها كلها حقيقية، يبدع تيسير خلف في اختيار شخصياته، بتلاحم متناغم مع موضوعه، ويقدم له الواقع والمصائر التي آلت إليها هذه الشخصيات الغنى الذي يحتاجه لصبها في نهر التشويق الذي تجري فيه. كل هذا رغم كوابح التوثيق التي وضعتها صرامته، وحدّت من نشر أجنحة شخصيات مثل راجي صيقلي، وحسن الرمّاح، إلى آماد غير مسبوقة في رحاب الواقعية السحرية التي ينتميان إليها بحق. كذلك فإن صرامة الكاتب، في تقييد خياله بـ”المحاكمة المنطقية التي تخضع لمعايير البحث التاريخي الذي يلتزم به في الجانب البحثي” من الشغل على روايته، تفتح آفاقاً أخرى من التوافقات والتخالفات التي تغني النقد حول شغل الرواية.

وفي تخليه عن عنصر إدخال ذاته كباحث عن حقيقة ودوافع وآثار ما جرى، يعوض تيسير خلف هذا الإدخال بتأليف كتابين نتجا من بحوثه عن مادة هذه الرواية، وهما كتاب “من دمشق إلى شيكاغو… رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا 1893″، وكتاب “نشأة المسرح في بلاد الشام: من هشاشة القانون إلى فتاوى التحريم”، اللذان يعدان مرجعين هامين ليس للرواية فحسب، بل للجوانب المختلف عليها في رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا، وفي تطور المسرح في بلاد الشام منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ختاماً، وبما تفتحه هذه الرواية من أهمية لاكتشاف الماضي ومن دروس للتعامل مع مآسيه، ومن إغناء لنقد الحاضر الذي يختبئ فيه، فإن تيسير خلف هو باحث أنثروبولوجي، وروائي فلسطيني سوري، ولد في مدينة القنيطرة بالجولان السوري المحتل عام 1967. أصدر خمس روايات، هي “دفاتر الكتف المائلة” 1996، “عجوز البحيرة” 2004، “موفيولا” 2013، “مذبحة الفلاسفة” 2016، وقد وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2017، ثم “عصافير داروين” التي تتناولها هذه السطور؛ فضلاً عن مجموعة قصصية بعنوان “قطط أخرى” صدرت عام 1993 في دمشق. كما أصدر أكثر من 40 كتاباً في البحث والتحقيق التاريخي والرحلات والتوثيق، مع موسوعة “رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين” في ثمانية مجلدات 2009، وله كتب بحثية حول الجولان، منها كتابه المرجعي “تاريخ الجولان المفصّل”.

تيسير خلف: “عصافير دارون”

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2018 

204  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية