هل يوحِد الاعلام والاقتصاد ما عجزت عنه السياسة في دول المغرب العربي؟ والعنوسة في الجزائر من النساء إلى دولة العوانس

فتح المعبر الحدودي بين الجزائر وموريتانيا من الأحداث المهمّة، والتي لم تأخذ حقها من الضجيج الاعلامي والسبق في جميع المجالات، ألا يهمّ أن تفتح الحدود المقفلة بين البلدان الشقيقة جدا، ألا يهم أن تقترب منا موريتانيا ونقترب منها؟ ألا يهم التفاعل بين دول الجوار وتتكاثف الانتماءات والخروج من قوقعة الهوية المتعالية؟
فتحت الحدود وعبرت القوافل الاقتصادية وتربّع كوندور للصناعات الكهرومنزلية فضاءات العروض في موريتانيا. تكدست المنتوجات الجزائرية هناك، للمشاركة في المعرض الدولي، لكن بنكهة جديدة، نكهة اكتشاف كامل افريقيا الغربية.
هكذا تناولت نشرات الأخبار الموضوع، والفرصة مواتية للترويج للمنتوجات من صنع جزائري وليقبل عليها الموريتانيون بكثافة. هل ستتغير النظرة لبعضنا البعض من خلال التبادل الاقتصادي أو لنقل وبأكثر دقة لغزو منتجاتنا للأسواق الموريتانية. هل ستنجح الصادرات الكثيرة في اكتشاف قيم المجتمع الموريتاني وثقافته خارج التصورات المحقرة لبلدان الساحل وبأنّ لا شيء فيها سوى الرمال والحرارة العالية والأمراض. هل سيكون الاقتصاد بمثابة مصل هذا القرن ليداوي كل الفيروسات التي تكتسح البلدان المجاورة وبلد الصادرات؟
هل فعلا سنتفاءل بأن التعاملات الجمركية على نقطة الحدود “مصطفى بن بولعيد”، لا تتجاوز بضعة ثوان. أم هي استثناء لرجال المال والأعمال في القافلة المكونة من 27 شاحنة محملة بالبضائع الجزائرية. هل سيكون حوت موريتانيا والمحيط الأطلسي قريبا على موائدنا؟
كم كان احساس سائقي الشاحنات عاليا ومتفائلا وهم يعبرون إلى بلد آخر دون تشنجات ودون مرض قلق الحدود المزمن. هل ستتحقق وحدة مغاربية أفريقية يوما ما، أم شبح عدوى الفيروسات والحروب وتطاحن الاثنيات وانغلاق الجماعات على ذاتها سيقضي على حلم لم يولد بعد.

أسئلة التمرد على ضيف الحياة

ضيف حميدة العياشي برنامج أسبوعي دخل موسمه الثاني، منذ صيف 2018، استضاف من خلاله عديد الشخصيات المتنوعة ثقافية وأكاديمية، رياضية وفنية. من رئيس جمعية العلماء المسلمين، عبد القادر قسوم، مرورا برئيسة مؤسسة معطوب الوناس، مليكة معطوب، إلى أستاذ التاريخ وعلم الاجتماع أحمد رواجعية. إلى دقيوس ومقيوس. لعله بهذا يمس أكبر الشرائح ويحصر كثير التناقضات، ويقف على حالات التمرد الاجتماعية والسياسية والدينية.
أسئلة تبين التشنجات الاجتماعية، تريد أن تكون محايدة وموضوعية وأن تطرح دون رقابة ذاتية أو اجتماعية أو اعتقادية. في كل مرة يظهر أنّ لا شيء على ما يرام في مثل هذه الحوارات، التي تريد أن تكون لها الريادة في ملامسة المحظور السياسي والثقافي والديني والاجتماعي. قد تخون اللغة وتتلعثم الأسئلة ويجانب الضيف السؤال المحرج دون حرج، وقد يغوص الضيف في أسئلة لم تكن بالعميقة.
يقدم صاحب البرنامج لضيوفه في البداية أطباقا لفتح الشهية، أدبية، وشعرية وسياسية. قد يحدثهم عن شعرائهم المفضلين من العصر الجاهلي، كما كان ذلك مع الأستاذ قسوم. ولم تكن الاجابة زهير بن أبي سلمى، شاعر الرسول، كما توقع مقدم البرنامج، لكن الشيخ يحب عنتره بن شداد لشجاعته ونبل أخلاقه. لكن حميدة العياشي وجد سببا آخر يربط بينه وبين ضيفه والشاعر الجاهلي، وهو بشرته، لأن الضيف والمضيف من ذوي البشرة السمراء.
كذلك بدأ بطبق غارسيا ماركيز والحب في زمن الكوليرا، الذي نصح السيد كريم طابو، الأمين العام السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية بقراءته، وهذا حتى يدخل في سياق الكوليرات الكثيرة المعدية التي سكنتنا.
ما يلاحظ لحد الآن أن ضيوف حميدة العياشي من النوع الثقيل، من المعارضين الشرسين، الديمقراطيين الشرسين. أو مدافعين شرسين. رابط مشترك يربطهم وإن كان هذا الرابط غير مرئي. هل علينا أن نعارض شيئا ما لنكون ضيوفا على برنامج حميدة العياشي، أو أن تكون لمقدم البرنامج مواقف مسبقة يحاصر بها ضيفه لتشتد حرارة الضيف ويزداد كرم الأسئلة التي تضع صاحبها في مأزق.

العنوسة في الجزائر

بعد بطالة الشباب والهجرة غير الشرعية، هاهي الكاميرات والتحقيقات تتجه نحو العنوسة في الجزائر، والعنوسة في التصورات الاجتماعية هي عنوسة النساء فقط، بينما الرجال يعزفون عن الزواج أو لا يكبرون. ناقوس الخطر تدقّه قناة البلاد. بل لا بد أن ندخل كتاب غينيس للعجائب برقم 12 مليون فتاة لم تدخل ما يسمى بالفقص الذهبي. الجزائر تتربع على عرش أو مملكة العزوبية. هكذا وبلهجة صادمة تتحدث الصحافية عن الموضوع، و32.5 من الشباب عازفون عن الزواج. وأن عدد العوانس في الجزائر يقارب عدد سكان ليبيا وخمس دول خليجية مجتمعة. فعلا كارثة؟ الديوان الوطني للإحصاء يعطي رقم 5 ملايين امرأة في سن 35 سنة ما زلن دون زواج.
يجيب برنامج صريح جدا عن بعض أسباب عزوف الشباب عن الزواج، والتي تركزت أساسا على انعدام السكن والعمل ثم تأتي رحلة البحث عن الشريكة. من زمان يقولون زواج ليلة تدبيرو عام. وفي الوقت الحاضر أصبح زواج ليلة يتطلب عمرا. الظاهرة عامة وفي أكثر المجتمعات التقليدية تعسرت أمور الشباب والشابات. ولم يعد فقط المهر مشكلة، بل ارتفاع غلاء قاعات الحفلات، المصاريف التي تدخل ضمن العادات والتقاليد التي رجعت بكثرة كالمهيبة التي تفرض على الزوج مهاداة عروسه من لحوم الأضاحي وهدايا أخرى كالعطور والألبسة…الخ
وهناك أسباب أخرى لا تناقش كثيرا كالقول إنّ مجتمع النساء يتغير بوتيرة أسرع من مجتمع الرجال، مما يحدث خللا في التفاهم والاقتراب بين الجنسين، لا سيما صاحبات التعليم العالي، لا يعزف فقط الشباب عن الدخول في القفص، كما تريد التقارير الإعلامية ايصاله، بل كذلك هناك تزايد في عزوف الشابات على زيجات لا فائدة منها ترهق الكاهل وتحدّ من الطموح.
يصنع الرأي العام الأجواء السوداوية، التي تحيط بالنساء، كثرة النساء مقارنة بالرجال ولم يتأكد ذلك احصائيا، بل هي نظرة المجتمع التي ما زالت ترى في خروج المرأة للفضاء العام شيئا غير مرغوب فيه، إلا للضرورة. والحل هو تعدد الزوجات، كما اعتبرها أحد مرشحي الرئاسيات، والتي يبدو أنها جزء لا يتجزأ من برنامجه الانتخابي، حيث سيوفر السكن للزوجة الثانية وأن يعطي منحة للزوجة التي لا تشتغل… وهكذا تختلط الهوامات الفردية بالدين بالسياسة لتنتج قرفا إعلاميا. تتحول المرأة من ركيزة من ركائز الاقتصاد الأسري والوطني إلى باحثة عن قفص كان يوما ما ذهبيا، لكنه أصبح سجنا حديديا يعلوه الصدأ.
وعلى الرغم من أن هناك مناطق حددت سقف المهور وأعلنته من منابر المساجد إلا أن العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية تحافظ على غلاء تكاليف العرس، مما يزيد من الزاهدين فيه أو قد يغيروا موطن الشريك، أو يفضلون العزوبية. وكل الاحتمالات أحلاها مر على مستوى الفرد والجماعة.

أعراس مستغانم من قاعات الحفلات إلى أضرحة الأولياء

نقلت لنا القناة الأرضية حال الأفراح في مدينة مستغانم على الشريط الساحلي في الغرب الجزائري. هناك ما زالت طقوس الزواج تفرض على العريسين زيارة ضريح “سيدي بلقاسم”، إذ يؤتى بالعروس عند المغرب، والعريس ليلا، لأخذ البركة من الولي الصالح. نساء بمختلف الأزياء التقليدية لمناطق الغرب، البلوزة الوهرانية والشدة المستغانمية يحمن حول العروس والمكان. مهما تكن وجهة العروس المستقبلية ومكان استقرارها لا بد أن تزور الولي وتعطى لها الراية الخضراء. كما قال إمام الزاوية.
كان الأولياء الصالحون يتدخلون لينظموا أحوال الجماعة، حيث سنوا قوانين اجتماعية صارمة تحدّ من بذخ الأفراح والزيجات، فبعضهم حرم على بناته وجميع سلالته لبس الحلي الذهبية إلى أن ينقرضن، قائلين: اللي تلبس الذهب تنذهب، أي من تلبس الذهب تموت… كسيدي الشيخ في منطقة البيض، وسيدي علي بن أحمد بلمو في منطقة جراح. وهناك من كانوا يرفضون أن تنتعل العروس نعالا بل تخرج حافية القدمين. دلالة على الزهد في الدنيا. وبالرغم من عودة وهج الصوفية في الوقت الحاضر إلاّ أن عتبات الاستهلاك فاقت كل الاعتبارات. ولم يبق للكبار كلمة في المجتمعات التقليدية، مهما كانوا أولياء أو حكاما… إنه زمن العقوق.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية