تونس: الأزمة السياسية تزداد تعقيدا

روعة قاسم
حجم الخط
1

 

تونس-“القدس العربي”: تزداد الأزمة السياسية في تونس تعقيدا واستفحالا وضبابية حتى بات يصعب على أشد المراقبين قربا من كواليس الحكم التنبؤ بمآل الأوضاع خلال الأيام والأشهر المقبلة وقبيل الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019. فالقطيعة بين رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تكاد تكون تامة، وما عرف بـ”توافق الشيخين” الذي صنع في وقت ما استقرار البلاد بات شيئا من الماضي.

ولعل في استقبال رئيس الجمهورية بقصر قرطاج لنجيب ساويرس رجل الأعمال المصري الذي عرف بعدائه للإخوان، رسالة إلى حركة النهضة في تونس مفادها أنه لولا تحالف حاكم قرطاج معها لكان مصيرها كمصير الإخوان في مصر، خاصة بعد أن وجه اليسار التونسي أصابع الاتهام في الاغتيالات السياسية التي حصلت في فترة حكم الترويكا بقيادة النهضة إلى الحركة الإخوانية التونسية. ويبدو أن زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى تونس وعزم الرئيس على استقباله ستبعث برسالة أخرى إلى حركة النهضة شبيهة برسالة ساويرس والتي لم يتقبلها جمهور الحركة قبولا حسنا.

ولعل ما يعيبه رئيس الجمهورية على حليفته السابقة حركة النهضة هو وقوفها إلى جانب رئيس الحكومة يوسف الشاهد “المتمرد” على قائد السبسي والمساهمة في عزل رئيس الدولة في القصر الرئاسي ونقل مركز القرار فعليا إلى القصبة رغم أن رئيس الجمهورية منتخب مباشرة من الشعب وبالاقتراع العام وعلى دورتين، في حين أن رئيس الحكومة وصل إلى منصبه بالتعيين، وقد أتى به قائد السبسي نفسه بعد أن كان مجهولا في عالم السياسة. وما دفع حركة النهضة إلى اتخاذ هذه الخطوة هو تقدمها على حركة نداء تونس في الانتخابات المحلية الأخيرة حيث احتلت الحركة الإسلامية المركز الثاني خلف المستقلين فيما جاء النداء ثالثا، وهو ما جعلها تستعيد زمام المبادرة وتصدر عن قياداتها بعض التصريحات التي رأى فيها البعض غرورا مبالغا فيه من الحركة.

وفي هذا الإطار يرى الكاتب والباحث السياسي التونسي مروان سراي أن على حركة النهضة أن تأخذ العبرة من نتائج انتخابات 2014 التي أوصلت للحكم حركة نداء تونس وأيضا مما حصل للإخوان في مصر، وعليها أن تتجنب الغرور وتتواضع قدر المستطاع لتحافظ على وزنها الانتخابي. فخطاب الغنوشي الأخير أمام كتلة حزبه البرلمانية، وحسب محدثنا، كان فيه الكثير من الغرور الذي لم يستسغه الرأي العام في تونس، حتى أن الغنوشي اضطر للاعتذار بعد أن لمح بفساد الوزراء الذين غادروا الحكومة في التعديل الوزاري الأخير ولمح أيضا ضمنيا بأنه من شكل حكومة الشاهد الجديدة وهو ما تسبب في الإحراج لحلفائه الجدد.
ويضيف السراي: “كلما ازداد خطاب حركة النهضة غرورا كلما ساعد ذلك ما تسمى القوى الوسطية، على التوحد استعدادا للانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة المقررة مبدئيا سنة 2019. لقد نعت النهضويون وبعد فوزهم في انتخابات 2011، القوى الوسطية بـ(جماعة الصفر فاصل) و(المنهزمين) وكذلك (جرحى الانتخابات)، لكن هذه القوى عادت ونظمت صفوفها في 2014 وفازت بالانتخابات التشريعية وأوصلت الباجي قائد السبسي إلى قطاج وبالتالي فالديمقراطية هي بالأساس تداول سلمي للسلطة لا مجال فيه للغرور لأن منهزم اليوم قد ينتصر غدا والعكس صحيح”.

اضطرابات اجتماعية

 

ولعل ما سيزيد الطين بلة في الأزمة السياسية هو التصعيد الأخير للاتحاد العام التونسي للشغل الذي وصل إلى طريق مسدود في مفاوضاته مع الحكومة ما جعله يعلن الإضراب العام في القطاع العمومي. وفي حين يرى البعض أن مطالب الاتحاد متمثلة في تحسين الوضعية الاجتماعية لمنظوريه ومعارضة الحكومة في استجابتها لمطالب وإملاءات صندوق النقد الدولي، يرى آخرون أن من يحرك اتحاد الشغل ضد الحكومة هو رئيس الجمهورية الذي يلعب ورقة الاتحاد ضد يوسف الشاهد “المتمرد” والمدعوم من حركة النهضة رغبة في الإمساك مجددا بخيوط اللعبة السياسية.

وتنفي قيادات الاتحاد هذه التهمة التي ترى فيها عملية تشويه من الحكومة ومن أنصار حركة النهضة لمطالبهم الاجتماعية المشروعة حيث بلغ السيل الزبى في رأيهم بعد تدهور القدرة الشرائية للتونسيين نتيجة رفع الأسعار والجباية اللذين دأبت عليهما حكومة الشاهد. لذلك يتوقع جل الخبراء والمحللين شتاء تونسيا ساخنا لا يمكن التنبؤ بما سينتهي إليه الحال بعده، ذلك أن على هذه الحكومة بداية أن تتجاوز عقبة التصويت على قانون المالية الشهر المقبل ثم الاستعداد خلال كانون الثاني/يناير لغليان شعبي بسبب تدهور الأوضاع المعيشية خاصة وأن الاتحاد سيمضي قدما وعلى ما يبدو في مزيد التصعيد فيما ستجد الحكومة نفسها عاجزة عن الاستجابة لمطالبه بسبب وعودها لصندوق النقد الدولي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية