في البدء كانت الكلمة، وفي الكلمة كانت الروح، وفي الروح كان أمر الخلق إن أردتَ شيئاً في ارتدائكَ ثوب الخالق أن تقول له “كن فيكون”؛ ولكن هل تكفي الكلمات والجمل والإيقاع والقوافي لاستعادة ما يغيب بممحاة الفناء؟ أم أنه عزاء الإنسان لنفسه، يبدعُه كنوافذ تتنفس لتجنب انفجار القلب حزناً وألماً من تراكم مرارة فقد من أحبّ؟ ولكنْ، هل كانت الكلمة في البدء حقاً، وما البدء وما الكلمة وما النهاية في الأساس؟
من وجه انعكاسٍ آخر لمرايا الشعر على جدار الغياب، هل يعيد لنا الزمن ما نفقد من أحبة إن أوقفنا حركته، وأعدنا عقارب ساعاته رجوعاً، وأجَلْنا نظرنا في صورة الزمن المستعاد لنتأكد إن كان هو نفسه الذي كان، وبحثنا في ذرات فضائه إن لم يكن، عن الصور والأصوات التي لا ندري بأي منعرجات في ذاكرته اختبأتْ؛ وماذا نفعل إن كان هذا ما تفتحُه لنا جبالُ حزن القلب من أوهام؟
هو الشِّعر النبيل إذن، لكي نلملم بقايا ما نتوهّم أننا نعيد من بَداد “ما لا يستعاد”:
“أوراق جديدة تعود إلى الأشجار
غير تلك التي سقطتْ
التي سقطت تذهب إلى الفناء
سأخبرك ماذا أخذ الفناء أيضاً
الشمسَ البعيدة
التي دفأت تلك الأوراق، لا الموجودة فوق هذا النهار،
الماءَ الذي كان في التراب
وليس موجوداً الآن،
ونافذتي المفتوحةَ
ونظرتي وأصابعي
وقلبي
ليس نظرتي في هذه اللحظة
ولا أصابعي ولا قلبي
تلك الأشياء التي لا تستعاد
لا يعيدها الفناء
لا تلُمْ يديَّ الخاليتين من السكينة
كانتا خاليتين منك أيضاً”.
المجموعة الشعرية الثالثة “ما لا يُستعاد”، للشاعرة الأردنية مريم شريف، تحاول بما يقارب أهمية تساؤلات المعري عن الوجود والعدم دون مبالغة، وبما يعوض الوجود الغائب من حياة وحبٍّ وعزاءٍ يعين الإنسان على تحمل انكساراته بعد الفقد، أن تلملم ما ينثرُ الفناءُ، من أرواح في مطحنة زمنه. بالشِّعر، وبقصيدة النثر البسيطة المتحررة من ثقل ما يعيق المواجهة الظالمة، بوعيٍ وجهلٍ في ذات الوقت للمجهول الذي يوقف الشاعرة عاجزةً مستسلمة أمامه، ولكنْ دون وضع إرادتها للكلمة في أن تكون ما تكون.
في البنية الظاهرة لمجموعتها المكونة من سبع وثلاثين قصيدة نثر مميزة، باتباع الأسلوبَ نفسه، في تشكيل القصيدة من مقاطع مرقمة تحت عنوان واحد، تبثّ مريم شريف أنفاس روح بنيتها العميقة في القصائد. ببساطة أيضاً، ولكنْ، بعمقٍ يُداخل الأزمنة والأمكنة وتفاصيل الطبيعة وحركة الكون لتكون بعضها وتكون الشاعرة الحاضرة وغائبها الحاضر، مع شاعرية أخاذة في تركيب الصور بتأمل فلسفي هادئ وشفاف. كل هذا دون أن تفقد دهشة التركيب، ودون أن تنسى التعاطف الإنساني الغامر مع الآخر المحزون في فقده والمحزون عليه في غيابه، بتفهم هادئ وحكيم للهشاشة البشرية، وتوهانها بعد لحظات انكسارها، بأحلامها وكوابيسها وأوهامها.
في تلمّسنا لبعض أبعاد هذه البنية، سنعيش:
ــ عرض حال الفاقد بما يرقى لعيش هذه الحال من قبل القارئ: “في كل مرة أتحدث عنك/ يرتجف قلبي/ ربما من الحزن/ ليس مهماً/ الريح التي تأتي/ ستجد لديَّ حزناً لتأخذه/ الليل سيجد قلبي ليرتجف أكثر/ الوقت يسير بلا توقّف ليشبه ديمومتك”. ومثل ذلك عرض حال الفقيد، الذي يمكن التكهن أنه إبراهيم الذي أهدته الشاعرة مجموعتها التي تتمحور حوله فيما عدا القصيدة الأولى، التي تتمحور حول الأب تحت عنوان: “لم يعد أبي من الحرب”، والتي لم توضع لسبب غير واضح في فهرس المجموعة.
ــ مفردات الشاعرة الخاصة التي لا تأخذ مكانها كمفردات متنوعة المعاني، غنية الإيحاءات، في الجمل الشعرية فحسب، وإنما كمحاور شعرية وفلسفية بثوب الشعر للقصائد، تتوضَّع عليها مستويات بناء الغياب الذي تتمحور حوله المجموعة. ويمكننا، بوضوحٍ، رؤية وعيش الحزن، الألم، المكان، الفراغ، الصوت، الظلال، الظلمة، الليل، العدم، الوقت، الريح، والزمن على جناح فراشة في قصيدة “بلا سبب واضح”؛ حيث: “هناك ما يَثقُلُ فوق جناح الفراشة/ لوكان الهواء/ لاستعارت له جناحين/ من خيال تلَّةٍ/ لوكان الغبار/ لألقتْ شرقها في غرب الريح/ لتغربل الصفاء/ هناك ما يثقُلُ فوق جناح الفراشة/ لا تعرفه/ لكن الساعة المعلقة في جوف السماء/ ما زالت تدقّ”.
ــ الحبّ الذي تتنفس به معظم القصائد، مثل: لا شيء أفعله، أريد أن أصدّق لا أن أرى، الانعكاس العائد إليَّ من بعيد، على الدرب التي لم تكن، لو أن الليل لي وحدي، ومثل لوحة لا تنتهي. إنه يجعل من “ما لا يستعاد” مجموعةً شعريةً مثالية عن الحب، بتجليات الغياب، حيث: “ما كان كبيراً مثل جبل غامض/ لم يكن ثقيلاً كالموت/ لا لسبب/ سوى أنه الحياة./ الأماكن هي من يستثقل الفراغ/ أنا لم أقل شيئاً/ فقط تحدثت عنك للنافذة/ لتكبر الحديقة/ تحدثت عنك لليل طيلة الليل/ تحدثت عنك للريح/ لتكون طريقاً/ وتحملني إليك/ على الأقل/ تومئ أنها ستحملني إليك”.
ــ والوحدة التي تنظم المجموعة بقصائد متراكبة ومتناغمة مع بعضها دون تكرار، ويحس القارئ أنها أشبه بسعي الأسى المعروفة نتيجته، لإكمال جسد الحبيب الغائب الذي يتجلى بتفاصيل الطبيعة المحيطة، صوتاً، وهمسَ ريحٍ، وانعكاسَ ظلٍّ، وابتسامةَ شجرة، وما لا يعد من تفاصيل المكان، وإيقاع الوقت: “بعد قليل/ سيأتي الليل المنسوج على هيئة غيابك،/ وسأجلس مع الوحشة وحدنا/ أليس هذا شبيهاً بعودة كلمة إلى سياقها/ لم الألم إذن؟”. ويشير إلى هذا السعي، ختام الشاعرة لمجموعتها بقصيدة “نقصان” المعبرة عن فلسفة المجموعة ورؤيتها للوجود والعدم.
في علاقتها التفاعلية مع القارئ، تمنحنا مجموعة “ما لا يستعاد” حكمة التفكير والتقدير للحياة وللموت في تبادل منحنا العزاء وقدرة الاستمرار في الحياة، فكم هو ظالمٌ للشاعر أن يفقدَ من أحبّ، وأن نتعزّى نحن بهذا الفقد، ونستفيد منه حين يصيغ الشاعر فقده على الصورة التي فعلتها مريم شريف. ولكن، هل كان سيكون، هذا العزاء النبيل الذي يعين على الحياة لولا هذا الفقد؟ وماذا بوسعنا في هذا الظلم أن نفعل غير أن نتعزّى، كما فعل ألبير كامو بسؤاله حول سيزيف إن كان رفْعه للصخرة بلا جدوى هو الجدوى عينُها، وأن سيزيف كان سعيداً بهذا الفعل اللامجدي؟ ماذا بوسعنا أن نفعل غير طرح امتناننا ويقيننا أملاً بأن الشاعرة قد تعزّت بصياغة فقدها على هذه الصورة الشعرية الباهرة، وأن هذا الشعر المضيء الشفاف ساعدها كما فعل انتحار فارتر بغوته، وساعدنا على استعادة ما يغيب وإن كان وهماً، وربما دفَعَنا للتفكير أيضاً بمساعدة الآخرين على استعادة الحياة:
“ممتنّةٌ لبكاء الأطفال الذي لا يصل إليّ
للنزاعات التي تترك ليلي يمر دون أن ترتطم به
ممتنّةٌ للحزانى
الذين لا أرى في عيونهم سوى معجزة اللون
للدروب التي لا أصادف فيها تائهاً، أو وحيداً
سوى الأشجار
ممتنّةٌ للأبواب التي يمكن غلقُها
وللجدران التي لا تَشِفُّ”.
وفي ختامنا، فإن مريم شريف، شاعرة أردنية فلسطينية، أصدرت مجموعتين شعريتين ميزتاها كشاعرة متفردة بين شعراء قصيدة النثر، قبل هذه المجموعة هما “صلاة الغياب”، 2002، و”أباريق الغروب”، 2007. ويبدو أن هذه الشاعرة النبيلة الشفافة لم تخذل نفسها ولا الإنسان في تقديم وترميم ما يجبر انكساراته، أمام معاول الفناء.
مريم شريف: “ما لا يُستعاد”
الآن، ناشرون وموزعون، عمّان 2017
287 صفحة.