يحتار قارئ بعض الكتب الواسعة الانتشار، أحيانا في ما إذا كان في مجال قراءة رواية خيالية أو وثيقة تاريخية مستندة إلى الواقع.
لعل هذا ما ينطبق على كتاب صدر مؤخراً بالإنكليزية للكاتب والصحافي البريطاني البارز بن ماكنتاير بعنوان “الجاسوس والخائن” عن قضية العميل السوفييتي المزدوج اوليغ غورديفسكي، الذي كان يتجسس لمصلحة الاستخبارات البريطانية من منصبه كمسؤول قسم التجسس واستقطاب العملاء والمخبرين في السفارة السوفييتية في لندن في ثمانينيات القرن الماضي والذي انكشف أمره عام 1985 واستُدعي إلى بلده وجرى وضعه تحت الإقامة الجبرية في موسكو. غير أن الاستخبارات البريطانية نجحت في تهريبه من هناك وأعادته إلى بريطانيا عن طريق فنلندا في عملية مثيرة تستحق ان يُنتج فيلم سينمائي عنها، حسب الفصل (14) من الكتاب.
أول ما يتبادر إلى الذهن لدى قراءة هذا الكتاب هو لماذا عومل غورديفسكي معاملة مختلفة عن باقي العملاء والجواسيس لدى اعتقاله في موسكو ربيع عام 1985 أو لماذا لم يُعدم أو يُعذب لاستخراج المعلومات منه وظل يتنقل لأشهر بطريقة شبه طبيعية في العاصمة السوفييتية؟ وثانيا، لدى قراءة الفصول الأخيرة، حيث تُغطى عملية تهريبه، لا يمكن لأي انسان عاش في فترة القمع السوفييتي (ليس في روسيا فقط بل في معظم الدول الشيوعية التي دارت في الفلك السوفييتي في تلك الحقبة) ان يقتنع بأن عملية هروبه تمت بهذه السهولة، لأن غورديفسكي آنذاك كان يملك بحراً من المعلومات حول طريقة عمل الاستخبارات السوفييتية وهويات العملاء السوفييت في الخارج إلا إذا كان القصد من هذا التغاضي عن عملية الهروب هذه لكون الاعتقال تم بعد فترة قصيرة على انتقال السلطة في الاتحاد السوفييتي إلى الإصلاحي ميخائيل غورباتشوف وإلى ان غورديفسكي وقبل ان تنكشف عمالته المزدوجة لعب دوراً رئيسياً في نجاح زيارة غورباتشوف الأولى إلى بريطانيا أواخر عام 1984 وتوثيق العلاقة بين الزعيم المنتظر للاتحاد السوفييتي (المرشح لمنصب الأمين العام للحزب الشيوعي) ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر.
الكاتب له مؤلفات عديدة حول مواضيع متعلقة بالجاسوسية والحرب الباردة وبينها كتاب عن الجاسوس البريطاني كيم فيلبي بعنوان: “الجاسوس بين الأصدقاء” الذي صدر بطبعات عديدة في السنوات الماضية وتُرجم إلى عدة لغات، وهو في الوقت عينه رئيس التحرير المساعد في صحيفة “التايمز” البريطانية. ولتحقيق الكتاب اجتمع بغورديفسكي في مقره السري في بريطانيا في جلسات مطولة، كما التقى أشخاصاً آخرين ذُكروا في الكتاب وكان لهم دور في القضية ما يعني أنه ملم في موضوعه ويملك في الوقت عينه القدرة على إضافة عامل التشويق لدى سرده الأحداث.
إلا ان ما يلفت النظر في الفصل السادس تسرع الكاتب في اتهام زعيم حزب العمال السابق الراحل مايكل فوت الذي كان سياسيا بارزاً من عائلة لعبت دورها القيادي في سياسة بريطانيا بأنه كان عميلاً للاستخبارات السوفييتية وادعاؤه أن فوت كان يتلقى دعماً مالياً من دبلوماسيين سوفييت للصحيفة اليسارية البريطانية “تريبيون” الذي كان فوت يترأس تحريرها في الستينيات قبل ان يصبح زعيما لحزب العمال في مطلع الثمانينيات. فيقول ماكنتاير في الصفحة (117): “كان مايكل فوت عميلاً يتلقى الرشوة من كي. جي. بي (الاستخبارات السوفييتية) في ستينيات القرن الماضي وغورديفسكي فضحه في ثمانيناتها”. ويوجه الكاتب تهماً مشابهة إلى الزعيم النقابي الراحل جاك جونز، من دون أن يؤكد إذا كان فوت وجونز (المتوفيان منذ سنوات) يعلمان أن من كان يقدم المال للنقابة أو للصحيفة كان دبلوماسياً سوفييتياً فقط أو عميلاً للاستخبارات. وهذا النوع من التشهير بقادة متوفين فيه مبالغة ويطرح أسئلة حول دوافع الكاتب وأجندة غورديفسكي الذي زوده بالمعلومات، خصوصاً أن الكاتب يستخدم وصفاً سلبياً عن الطريقة وضع الأموال في جيب فوت مقابل أن يُطلع الدبلوماسيين السوفييت عن هوية السياسيين البريطانيين المعارضين للاتحاد السوفييتي والآخرين المؤيدين له في حزب العمال والأحزاب الأخرى، وعن المناقشات التي تجري في مجلس العموم البريطاني حول المواضيع النووية (ص 119 ـ 120) وعن مواقف السياسيين والقادة في بريطانيا حول اغتيال الرئيس الأمريكي جون كنيدي، علماً ان فوت كان ينشر ما يقوله للدبلوماسيين السوفييت في صحيفته “تريبيون” وأن ماكنتاير يناقض نفسه إذ يعود ويذكر في الصفحة (333) ان مايكل فوت، وقبل وفاته، رفع دعوى عام 1995 على صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية لأنها نشرت مقالاً ترويجياً لسلسلة مقالات عن مذكرات غورديفسكي تحت عنوان “الكي. جي. بي تؤكد أن مايكل فوت كان عميلها”. ويشير الكاتب إلى ان فوت ربح دعواه هذه ضد الصحيفة ونال تعويضاً مالياً من “الصنداي تايمز” ووصف آنذاك ما فعلته الصحيفة به بـ”المكارثية السياسية” (نسبة إلى ما حدث من تعرض للحريات في أمريكا في خمسينيات القرن الماضي من جانب السيناتور جوزف مكارثي).
ويُطرحُ السؤال هنا: إذا كان ماكنتاير يدرك هذا الأمر، لماذا يُشّهرُ بمايكل فوت المتوفي؟ ربما يفعل ذلك لأنه هو وبعض خصوم اليسار البريطاني يشبّهون أوضاع الزعيم العمالي الحالي جيريمي كوربن بمايكل فوت ولأن الزعيمين تمتعا بشعبية كبيرة تهدد مصالح الجهات التي يؤيدها الكاتب واليمين المحافظ عموماً.
في الفصل الرابع يقول المؤلف ان ثاتشر كانت تتابع بدقة عمليات التجسس التي كان غورديفسكي يقوم بها في وقت كانت الاستخبارات السوفييتية تمارس فيه عملاً حثيثاً لمنع نجاح حزب المحافظين في الانتخابات التشريعية البريطانية لعام 1983 ضد حزب العمال بقيادة مايكل فوت وان الـ”كي. جي. بي” ومنذ وصول ثاتشر إلى السلطة عام 1979 عملت على إضعافها (ص 178 ـ 179). ولو فاز فوت في هذه الانتخابات حسب الكاتب لأصبح موقع غورديفسكي صعباً ولن يعود في إمكانه القيام بعمله التجسسي بالسهولة نفسها.
ويذكر المؤلف في الصفحة (187) ان غورديفسكي أرسل مذكرة إلى ثاتشر حول ما يجب ان تفعله لدى حضورها جنازة الزعيم السوفييتي يوري آندروبوف في 14 شباط (فبراير) 1984 وخصوصا حول أهمية التعرف إلى النجم الصاعد في السلطة السوفييتية والحزب الشيوعي غورباتشوف، علماً ان هذا الأخير تسلم السلطة بعد انتقالها لفترة قصيرة إلى قسطنطين تشيزنكو الذي توفي خلال أشهر.
وقام غورباتشوف بزيارة بريطانيا في كانون الأول (ديسمبر) 1984، وجرى تحضيره لهذه الزيارة من جانب غورديفسكي الذي زوده بمذكرة شملت رؤوس الأقلام عما يجري في سلطة ثاتشر البريطانية. وبالتالي نجحت الزيارة نجاحاً كبيراً ونشأت صداقة بين ثاتشر وغورباتشوف نقلتها رئيسة الوزراء البريطانية إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عبر شهادة حسنة عنه.
وكل ذلك يعني ان غورديفسكي كان صلة الوصل بين غورباتشوف ونظامه الإصلاحي البريسترويكا (الانفتاح) من جهة، وبريطانيا وأمريكا، من جهة أخرى، وبالتالي، ربما أدى ذلك إلى تعامل مختلف معه في موسكو بعد اكتشاف عمالته المزدوجة عن طريق التعامل مع جواسيس آخرين. وربما استمرت أهمية هذه العلاقة المرطبة للأجواء بعد هروبه من الاتحاد السوفييتي. كما أن تصعيده الحملات على القادة اليساريين في العالم الغربي الذين يتمتعون بشعبية قد توصلهم لمناصب المسؤولية في بلدانهم ربما يندرج في هذا السياق.
في الفصل العاشر يشير ماكنتاير إلى ان عميل الاستخبارات الأمريكي المزدوج آلدريتش آيمز، الذي انكشف أمره لاحقا، ربما هو الذي فضح غورديفسكي إذ انه قرر (ولأسباب مادية) العمل لصالح الاستخبارات السوفييتية قبل 12 يوماً من تسلم غورديفسكي منصبه كمدير لقسم التجسس واستقطاب العملاء في السفارة السوفييتية في لندن.
وأشار آيمز في أول تقاريره التجسسية إلى وجود عميل مزدوج كبير في “كي. جي. بي” في لندن.
وفي اعترافات آيمز بعد اعتقاله يقول انه لم يذكر اسم غورديفسكي، ولكن جهة أخرى كشفت هذا الأمر (ص 210 ـ 213). وعلى إثر ذلك تم استدعاء غورديفسكي إلى موسكو ووُضع تحت الإقامة الجبرية. وقد أجرى التحقيق معه حسب الكتاب الكولونيل فيكتور بادانوف.
ويقول الكاتب ان بادانوف كان مديراً لنشاطات وتحركات رئيس جمهورية روسيا الحالي فلاديمير بوتين في دوره السابق كضابط في “كي. جي. بي” (ص 217) واعتبر المسؤولان مقصرين في عملهما لأن غورديفسكي استطاع الهرب.
وهنا أيضا يشعر القارئ بوجود دوافع سياسية للكتاب.
وبعدما نجح عملاء الاستخبارات البريطانية في السفارة البريطانية في موسكو في تهريب غورديفسكي قررت قيادة الاستخبارات الخارجية البريطانية إبقاء النبأ سرياً لكنها أبلغت مدير “وكالة الاستخبارات المركزية” الأمريكية آنذاك بيل كيسي بالأمر. فقرر كيسي المجيء إلى بريطانيا ولقاء غورديفسكي وأبلغ رئيسه ريغان (المقرب جداً منه) عن نتائج اللقاء. وكان هذا اللقاء مثمراً، حسب المؤلف، إذ عقد الرئيس ريغان لقاء مع الرئيس السوفييتي غورباتشوف للمرة الأولى بعد ذلك بفترة قصيرة في مؤتمر قمة عُقد في جنيف (ص 313). وكان اللقاء بين الرئيسين ناجحا، إذ زود غورديفسكي مدير الـ”سي آي إي” بمعلومات وافية عن توجهات غورباتشوف، وبالتالي قام هذا أيضا بدور وساطة ونجح في تقريب وجهتي النظر السوفييتية والأمريكية مما ساهم فيما بعد في سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفييتي.
ومنذ ذلك الحين، يساهم غورديفسكي في مساعدة الاستخبارات البريطانية والأمريكية والغربية عموماً في كشف أي عمليات جاسوسية تجري أو قد تجري ضدها.
Ben Macintyre: The SPY and the Traitor
Viking, Penguin, Random House UK
2018
366 page.