أيها الشعب المسيحي الكريم في جزيرة العرب، الصورة أجمل من الحكاية، لأن النفاق الديني لا يعبر عن عدالة الأمم، بل هو أحد أخطر التهديدات، التي تبطل مبدأ التفاعل الإعلامي النزيه بين الأديان، خاصة وأنت ترى نقمة نشطاء مسيحيين على حملة التشهير الإعلامية لاحتفال الأنبا مرقص مطران، بإقامة أول قداس مسيحي بين مضارب نجران و(بني جرهم) في مكة، لتدرك أن الخوف من إشهار الطقوس أشد بلوى من التباهي بها !
بين النسطوريين واليعقوبيين أو المريميين والداووديين، ثم الأرثوذكس والكاثوليك، حروب ممنوعة من العرض، فلا تسأل لماذا، ولكن يكفيك فقط أن تعرف أن النزعة التبشيرية، التي سبقت المستشرقين الرّحّل، تتخطى اليوم الاستشراق الفضائي، الذي حدثتكم عنه من سنين خلت، والذي يخشاه المسيحيون العرب أكثر من غيرهم، فكيف ستطمئنهم إذن المفاوضات السرية بين الفاتيكان وحكام قناة “العربية”، للشروع ببناء كنائس للجاليات المسيحية في مملكة الحجاز، تحت ضغط أمني وإعلامي مهين، إثر تراكم الزلازل السياسية فوق بساط ريح متصدع، لم ينجح إعلاميو الغزل والنسيج في “العربية” برتق شقوقه؟
ثقافة التشويه و”الكرسي الرسولي”
أيها المشاهد، لازم تحزن وتحس بالقهر حتى لو لم تكن مسلما حين تتناقل مواقع الكترونية في بريطانيا أحد أغرب التصريحات للنائب البريطاني الاسكتلندي ديفيد ليندن، بأن مكة هي أكثر البلاد خطورة على وجه الكرة الأرضية، على الديانة المسيحية، حيث يواجه المسيحيون الجلد والاعتقال والترحيل، ثم حرمانهم من أداء طقوسهم في بيوت عبادتهم، عداك عن شرطة الرقابة الدينية التي تتنصت على هواتفهم وأجهزة الحاسوب خاصتهم، والأدب الديني المستورد بما فيه الإنجيل، فهل القضية فعلا أمنية؟ أم هي ثقافة التشويه التي تستغل تجاوزات الأجهزة الرقابية والدينية في الحجاز، في عمليات إرضاخ سياسية ومقابل صفقات مجانية، لا تساوي الحريات أمامها “تعريفة” أو حتى درهما. وهاك تصريح بن سلمان لـ”الواشنطن بوست” عن نشر الوهابية بطلب من أمريكا والحلفاء لمواجهة السوفييت في الحرب الباردة، الذي لم يثر ضجة أمنية في الكوكب الإعلامي الغربي، فكيف إذن تستهزئ الـ”سي أن أن” بولي العهد، على اعتباره وصي الكرسي الرسولي؟!
المشكلة ليست بالتطرف وحده، فحرب الردة “الأهلية الطائفية”، التي خاضها الخليفة أبو بكر، لم تضطر عمر بن الخطاب لاجتراحها في سياق زمني وظرفي مختلف، وهو ما يجب أن نراعيه ونحن نراقب ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تنجرف – بقصد أو بدونه – نحو فتنة خراب المدينة، رغم أن الفرات بين دمشق وبغداد انحسر عن مستنقعٍ فضائي شارب من دَمِ المذاهب، فلماذا يخاف المسيحي الشرقي في جزيرة العرب على دينه من أبناء عرقه، أكثر مما يخاف من أعداء عرقه على مذهبه؟ ولماذا يخاف المسلمون على الإسلام من دور العبادة المسيحية أكثر مما يخافون عليه من دور الدعارة، التي تنتشر في الوطن العربي كفن من فنون السياحة والحرية والترفيه!
الخوف الأعمى تطرف رهبوتي، والإعلام الذي ينافق للمسيحي، ليس حبا، بل رضوخا، هو أيضا إعلام متطرف، ونحن… ضحايا أنفسنا، لأننا جلادون مزدوجون، مصابون بأعراض الاشتباك الذاتوي: التوحد.. وهذا بطبيعة الحال غير التوحيد وغير الوحدة!
تعميد فضائي للأمير
لو تابعت حلقة مصطفى بكري في هذا الشأن، التي يستضيف فيها أحد المتغنين بأمير التنوير، لأيقنت أن المعرفة عند هؤلاء هي الانعكاس الحقيقي لجهلهم، فلا تظن أنك تعرف الجاهل لما يجهل، إنما لما يظن أنه يعرف، لأن منظمة التنوير البافارية، التي أسست للباطنية الإسلامية الحديثة، بوعي إعلامي مزيف، هي في أصلها ارتداد عقائدي للثيوصوفية، فمن الذي حفر الأخدود للمسيحيين، ومن الذي سيوقعهم به؟
منذ يوم تعميدها في كنيسة بلدتها الروسية، احترق ثوب الكاهن، الذي شهد على الروح الشريرة، وهي تكبر داخل “هيلينا بلافاتسكي”، التي وعدت الإله ثيوس بتدمير المسيحية، ليس فقط عن طريق تطوير الهندوسية بفن اليوغا، إنما بتنوير العالم وتخليصه من عصور الظلام، فأين أنت أيها الإعلام؟
ضيف مصطفى بكري، يصر أن الأمير تنويري لأنه يعيد للمسيحية مكانتها في الشرق، بل هناك الكثير من عمليات التعميد الفضائي التي يجريها المنافقون للأمير، حتى كاد الأمير أن يكون فعلا صاحب الولاية الدينية على كرسي الأسقفية الأعظم… وفي هذا تناقض مشين، للدورين اللذين لا يمكن أن يجتمعا في وصي واحد؟!
حسنا إذن، ما هو مستقبل المسيحية في مملكة الحجاز؟ ومن أخطر على أمن الديانات: المتطرفون أم الخائفون أم المستغلون أم المتنورون أم الجاهلون؟ ثم هل فعلا ينجح الإعلام العربي بلعب دور حقيقي في ترسيخ التسامح الديني، ومناقشة الأمر بالتحلل من عقدة التحليل والتحريم دون التخلي عنها تماما؟ أم أنه سيكتفي بالطوش المجانية… واللقلقة العبثية والذي منو، وعلى قولة نزار قباني: “ما الذي تخشاه اسرائيل من ابن المقفع وجرير والفرزدق؟ وهي تدري أننا لم نكن يوما ملوك الحرب بل كنا ملوك الثرثرة؟
العصا السحرية في جيب “المنار!”
لبنان ليس اليمن، والسيد حسن نصر الله ليس الحوثي، وهو ما يثبته فعليا الإعلام الصهيوني، الذي يتحكم تماما بمجريات الأمور والأخبار في بلاد العرب البائسة، ويملك زمام المسح الفضائي والأسراره التاريخية فيها، بينما يرتجف قلقا وخوفا من إعلام المقاومة، الذي يبث لقطاته الحصرية من جهاز استخباراته، وغرزه الأمنية، ونقاط تفتيشه !
بين معركتي الجولان والجليل، وبينهما فاصل بطولي من غزة، تنجح قناة “المنار” ببث الرعب في صفوف العصابات الإعلامية لبني صهيون، منذ أن قامت قيامتها بعد بث القناة اللبنانية التي يوجهها ويملكها حزب الله، لصور توضح طبيعة الاستعدادات العسكرية للاحتلال على الحدود تأهبا لمواجهة حزب الله ومنعه من السيطرة على الجليل، ليس هذا فقط، إنما عبر المحللون والخبراء عن دهشتهم للقدرات الاستطلاعية والإعلامية المتفوقة للحزب، خاصة بعد عرض مقاطع تسبق وتلي هذه الاستعدادات، أضف إلى هذا، قيام فرقة من قسم جمع المعلومات الاستخباراتية التابعة لحزب الله، بتنفيذ المهمة في منتصف النهار، والتقاط صور علنية وسرية لأجهزة الرادار واللواقط الهوائية، عداك عن الأدوات الهندسية التي تضع عوائق على الأرض وجدرانا اسمنتية على الجانب الإسرائيلي من الحدود كما رصد تقرير “الميادين”، بعد تدشين منظومة العصا السحرية، التي لا يبدي الاحتلال تفاؤلا كبيرا بقدرتها، بعد الصدمة الإعلامية التي تلقاها من فضائية “المنار !”
خبطة مخ
فضائية “المنار” نجحت على صعيدين وقتها :
الأول: معلوماتي، استطاع تعرية العدو تماما ليس فقط أمام المشاهد، بل أمام غروره الاستخباراتي في تكنولوجيا المعلومات، مما يعني أنه عدو مكشوف، وغير محصن معلوماتيا، وهذا هو الاختراق الأخطر والأصعب، الذي وضع العصى السحرية في جيبة المنار !
الثاني: نفسي، وهو الذي كسب المعركة من أول جولة، حين أربك التماسيح الإعلامية التي جفت دموعها المفترسة حين بلغت القلوب الحناجر، أما اكتشاف الاحتلال لأنفاق حزب الله التي تخترق الحدود، وما نجم عنه من خبطة مخ، فهذه صدمة تكتيكية، قابلها الخطاب الإعلامي لقرن الفلفل “أدرعي”، بمحاولة تأليب اللبنانيين على المقاومة، وإخافتهم من الرد الصهيوني المحتمل، وهو ما لن يجد آذانا صاغية، لأن قوة حزب الله لا تكمن بما يحققه، إما بما يظن الآخرون أنه لن يقوى على تحقيقه، ولذلك يحق لـ”المنار” أن تكون هي الزمن الفضائي البديل، عن الزمن المخطوف من ساعاتنا الرملية التي تعمل ببطاريات مغشوشة، على طريقة الأسلحة الروسية… طوبى إذن ثم طوبى للإعلام المقاوم، الذي يموت في سبيل النضال، ولا يعيش بالقتل والقتال، كما يدعي الذين عابوا على الرجال ما يُشَرّف الرجال !
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن