مفهوم «التعددية الثقافية»… الإشكالات ومحنة العقل العربي

يمثل مفهوم «التّعددية الثقافية» أحد المصطلحات الطارئة نسبياً في الثقافة الإنسانية المعاصرة، فقد ظهر مع الارتحالات التي نتجت بفعل العوامل الاستعمارية، والتجارية، فوجدت نماذج من الهجرات التي طالت جماعات معنية انتقلت إلى مناطق لا تنتمي إليها عرقياً أو ثقافياً، ومع ذلك، يمكن النظر إلى مفهوم التعددية الثقافية من وجهة نظر أخرى، فهو يشمل أيضاً السكان الأصليين في بعض المناطق، لاسيما في الأمريكتين وأستراليا، الذين تحولوا بمرور الزمن إلى أقليات تتمايز بثقافتها عن ثقافة المستوطنين الجدد، على الرغم من أنهم أصحاب الأرض، وبذلك أصبحوا من ذوي الثقافة المتنحية مقابل ثقافة المهاجرين المستوطنين، ما أوجد قلقاً وإرباكاً في تحديد الهوية الثقافية لمنطقة ما، علاوة على بروز نمط من أنماط التنازع الثقافي والعرقي، نظراً لتمكن ثقافة قائمة، مقابل ثقافة طارئة ما أفرز تهديداً وتوجسا من هذه التحولات في البنية الثقافية لدولة ما.

محنة العقل العربي

لا شك في أن العقل العربي ما زال رجعياً على صعيد فهم وتطبيق التعددية الثقافية، فهو ما زال يؤمن بمعنى نقاء الهوية ومحدوديتها، والخوف من التهديد الاقتصادي للآخر، أو تبعاً لتفوق مقولات العرق والقبيلة والطائفة، مع الإشارة إلى أن كافة المحاولات التي تسعى الدول العربية لتمكينها من حيث تقدير التعدد الثقافي ما هو إلا نمط من أنماط الاستهلاك الظاهري، لتلميع صورة الدولة الحديثة أمام مجتمع دولي، بات يولي أهمية كبرى لهذه الظاهرة، في حين أن معظم الدول العربية ما زالت تمارس إقصاء لكل ما هو مغاير ومختلف.

الاستعمار ومرحلة الرشد

في كتاب التعددية الثقافية لعلي راتانسي ــ أستاذ علم الاجتماع في جامعة سيتي في لندن ــ محاولة للبحث في مفهوم التعددية الثقافية، مع التعريج على تجارب العديد من الدول ودورها في تمكين هذا المفهوم ضمن كياناتها المؤسسية، وهذا يشمل عددا من الدول الأوروبية، كما كندا، والولايات المتحدة الأمريكية، بالتجاور مع محاولة السعي لتحليل مكامن الخلل في المفهوم والتطبيق. بيد أن ثمة حفراً عميقاً في طرق الانحرافات التي شابت جعل التعددية الثقافية نمطا أو ثقافة عبر التشريعات، من خلال النظر إلى الحقبة الاستعمارية، وما علق بها من صيغ التمثيل المسبق، بالتجاور مع أثر التاريخ الاستعماري الذي شكل وجه العالم الجديد، وما زال يصوغه على الرغم من انقضاء الاستعمار بنمطه الكلاسيكي غير أن ثمة نمطا من الاستعمار ما زال يعمل في الخلف، وينتج عالمنا في صيغ جديدة. فالشرق أو المستعمرات السابقة لم تتمكن إلى الآن من تحقيق معنى الاستقلالية أو الرشد الحقيقي، فهي ما زالت متعلقة بمستعمرها، وتتمسك بأطراف ثوبه كطفل صغير، على الرغم من وجود كم هائل من الادعاءات القائمة على الوطنية التي لا تمارس إلا في حدود الدولة الواحدة، بحيث توجه سهامها إلى الثقافات المختلفة، أو المجموعات المخالفة، سواء أكانت من أعراق مختلفة، أو طوائف دينية، أو من أوطان أخرى، أو من اللاجئين أو المهاجرين.

الشرق أو المستعمرات السابقة لم تتمكن إلى الآن من تحقيق معنى الاستقلالية أو الرشد الحقيقي، فهي ما زالت متعلقة بمستعمرها، وتتمسك بأطراف ثوبه كطفل صغير.

الغرب والتعددية

ينطلق الكتاب من فكرة مهمة قوامها الهجوم الذي تتعرض له التعددية الثقافية في أكثر من دولة أوروبية، سواء من الجمعيات الوطنية القومية، أو من الحكومات الوطنية، فمنذ الثمانينيات إلى اليوم ثمة أطراف ومؤسسات تبذل جهوداً من أجل تفعيل هذا البعد في سياسات الدول، وذلك لمَا له من أهمية على الصعيد الأمني والقومي والتخطيط الاستراتيجي، ما يعني أننا أمام حالة من التأمل المستمر للكينونة السّياسة والاجتماعية في الدول الغربية، التي تنهض رؤيتها أو فلسفتها على الحراك، وعدم السكون، مع مجاراة التغيرات، على عكس الواقع العربي الذي يتسم بالسكون، ومقاومة أي رغبة بنقد الذات، أو تحقيق الدينامية المطلوبة للتطور.

الاقتصاد

يرى المؤلف أن ثمة وضعاً مربكا يتصل بتحديد مفهوم حقوق الجماعات وحقوق الأفراد، حيث يمنح عادة بعض الأفراد الحقوق لا بوصفهم جماعات، إنما بوصفهم أفراداً، ومن ذلك حق ارتداء العمامة بدلا من الخوذة الواقية لدى السّيخ، وغير ذلك من النماذج التي استهل مؤلف الكتاب تقديمها للإشكالية التعريفية. ولعل هذا يتصل بوضع إشكالي للتمييز بين مسالك كل دولة للتعامل مع هذا الموضوع. ومن القضايا التي ترتبط بإشكاليات التعددية الثقافية حضور اللاجئين في سياق الأزمات الاقتصادية التي تزيد من هواجس بعض الحكومات وشعوبها، نتيجة المخاطر التي يمكن أن تتسبب بها تلك الهجرات على النظام الاقتصادي ورفاهية الشعوب الغربية نتيجة التنازع على الوظائف، وهذا ما يمكن أن نعده تبصراً واضحا من قبل الكاتب في تمكين العلاقات، وفهم ما يقود سلوك الإنسان، فالاقتصاد ما زال من أبرز العوامل التي تحكم التاريخ.

التباين الغربي

يسرد الكتاب العديد من تجارب الدول الأوروبية مع التعددية الثقافية، ولا سيما هولندا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا، وهنا نرى أن ثمة تبايناً بين هذه البلدان من حيث تكريس مفهوم التعددية، وتطبيقها، أو على العكس من ذلك محاربتها، ونبذها، ولكن الأهم من ذلك بيان أن الفشل في التمكين الصحي أو السليم للتعددية الثقافية، سوف يؤدي إلى الكثير من الاضطرابات في تلك الدول، ومنها ما شهدته فرنسا وإنكلترا من اضطرابات، نتجت بفعل المهاجرين الذي كانوا يتعرضون إلى الاضطهاد والتمييز؛ ما دفع العديد من المنظمات إلى الضغط من أجل تحسين واقع تلك الفئات. غير أن اللافت للنظر، أن مسالك تلك الدول تتباين نظرا لعدة عوامل، ومنها الأحزاب الحاكمة، فعلى سبيل المثال كانت حكومة ثاتشر من الحكومات التي حدت من القدرة على تفعيل إجراءات تمكين احترام التعددية الثقافية، والقوانين الداعمة لها، وهذا ينسحب على تجارب هولندا وفرنسا، وغيرهما. إن مفهوم التعددية، كما يشير مؤلف الكتاب، ظهر في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، حين سعت أستراليا وكندا إلى تأييد هذا التوجه، وبالتحديد عبر تقبل صيغ عرقية أخرى غير الصيغة البيضاء، غير أن هذه الصيغة دفعت إلى تبلور أسئلة حول حق المهاجرين للاحتفاظ بثقافتهم الوطنية، وغير ذلك؛ ما دفع إلى جدل عميق بخصوص هذا الشأن، وهذا ما ينسحب على الولايات المتحدة، ولاسيما نضال السود، لإضافة جزء من ثقافتهم لثقافة البلد الذي يعيشون فيه، مع احترام هذه الثقافة بوصفها مكونا رئيسا من ثقافة الولايات المتحدة، التي يهيمن عليها العرق الأبيض، ومن هنا برزت عبارة «الأسود الجميل».

الكثير من المهاجرين يرى أن جحيم الغرب يتفوق على فردوس الوطن الأصلي.

وضع المرأة

وفي ما يخص تموضع المرأة في سياق التعددية الثقافة، وهل يمكن أن تكون التعددية الثقافية ضارة بالمرأة؟ ففي سبيل تحقيق التعددية الثقافة الخاصة ببعض الأقليات ثمة وجود لبعض الممارسات الضارة بالمرأة، على اعتبار أنها تنتمي إلى نطاق حرية هذه الأقليات، ومنها ختان المرأة، أو تشويه الأعضاء التناسلية، أو تعدد الزوجات والنقاب، والزواج القسري، وجرائم الشرف، وغير ذلك، وهذا ما يثير جدلاً عظيما في كيفية التعاطي مع هذه المشكلة، فهل يمكن تجاهل حقوق النساء، على اعتبار أنها ترتبط بالحرية الثقافة لجماعة ما، فأحدث الكثير من الإرباك في كيفية تجاوز هذه المعضلة كونها تنتمي إلى إشكالية قيمية وقانونية.

المهاجرون

في الفصل الثالث ثمة قراءة لتموضع تلك الأقليات ووجودها على هوامش المتن الغربي، ونعني حصر تلك الأقليات في مناطق وجغرافيات على أطراف المدن، أو الضواحي، كما في إنكلترا أو فرنسا على سبيل المثال، وهذا ما يفسر بوجود بعض الاضطرابات التي يمكن أن تنشأ، وهكذا فهناك حاجة للتفكير بهذا المسلك الذي تتبعه بعض الدول الأوروبية، كما أن معظم المهاجرين يعملون في مصانع ومهن لا يرغب عادة الأوروبيون أن يعملوا بها، ولكن القضية هنا – أو كما أرى من وجهة نظري- تتمثل في أن معظم المهاجرين ينتمون إلى فئات غير متعلمة، ولا تمتلك رصيدا معرفياً، في حين أن أوضاع دول العالم الثالث المصدر للهجرات، تبقى هي المسؤولة عن هذا السوء الذي يعاني منه المهاجرون في تلك البلدان، كونها لم تراع تحقيق التنمية أو الحرية، مع فائض من العنف والحروب والفساد، ما دمر بني الأوطان فاضطرت شعوب تلك البلدان للهرب والعيش في ظروف بالغة السوء، حيث تتعرض للاحتقار، أو سوى المعاملة في الدول الغربية، ومع ذلك فإن الكثير من المهاجرين يرى أن جحيم الغرب يتفوق على فردوس الوطن الأصلي.

المسألة الإسلامية

في الفصل الخامس يبحث المؤلف قضية الهوية الوطنية والانتماء و«المسألة الإسلامية»، ولكن ضمن مقولة إن من حق الدولة المضيفة أن تشعر بافتخار المهاجرين بها كونها قد منحتهم حق الوجود على أرضها، علاوة على أهمية تحقيق قيم الترابط المجتمعي، غير أن هذا لا يسير بشكل هادئ، إذ يحتاج إلى الكثير من البحث، ولاسيما لدى المجتمعات الإسلامية التي دار نقاش كبير حول اندماجها، أو قدرتها على أن تكون جزءا من بنية مجتمعية كبرى. فالمشكلة تكمن في أن بعض القيم تصطدم أحياناً بقيم الدولة، ومنها على سبيل المثال علمانية فرنسا، أو غير ذلك من القيم التي تقدسها الدول الأوروبية، وتتميز بها، أو لا ترغب في أن تتنازل عنها، وهنا تقع في إشكاليات الدعوة للحرية الفردية بوصفها قيمة كبرى، ومع ذلك، فهي تقع في تناقض، حيث يجب أن تمنح للأقليات التي ترغب في المحافظة على طقوسها، ونمط ثقافتها، وهذا شكل من أشكال الحرية.

٭كاتب فلسطيني أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية