تونس-“القدس العربي”: كثر الطلاق في تونس في السنوت الأخيرة وبات لافتا أن هناك خللا ما وجب تقويمه داخل المجتمع الذي بلغ درجة كبيرة من الوعي ومن المفروض أن يجد تلقائيا المعادلة التي تجنبه هذه الآفة. فالمعلوم أن الطلاق يخلف آثارا نفسية سيئة على الأبناء الذين هم في حاجة إلى محيط عائلي سليم يسوده التفاهم والانسجام حتى ينشؤوا بطريقة سليمة خالية من العقد والرواسب النفسية.
والحقيقة أن تونس ليست استثناء على المستوى العربي في هذا المجال، حيث أن ارتفاع نسب الطلاق هو ظاهرة عربية بامتياز، لكن الأضواء تسلط دائما على الخضراء باعتبارها الرائدة عربيا في مجال الحريات العامة وخاصة في ميدان حقوق المرأة والأسرة والطفل. فبالإضافة إلى التشريعات التي دفع إليها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة مع بدايات الاستقلال، تشهد البلاد في الآونة الأخيرة تشريع موجة من القوانين التي تثير الجدل في هذا المحيط العربي والإسلامي بسبب ما تتضمنه من نفس ثوري خارج عن المألوف في إطار المنظومة الحقوقية المتعلقة بالمرأة والأسرة، وهو ما يجعلها دائما محط الأنظار
وتفيد الأرقام الرسمية، وهي مفزعة في الحقيقة وتبعث على التفكير العميق لمعرفة الأسباب والمسببات لإيجاد الحلول، أن هناك 16452 حالة طلاق في تونس تم تسجيلها خلال السنة القضائية سنة 2017 أي بمعدّل 1371 حالة طلاق شهريا و4 حالة طلاق يوميا. والحقيقة أن هذا الرقم أرعب جهات عديدة باعتبار أن التفكك الأسري إذا استفحل سيؤدي إلى تفكك المجتمع الذي تعتبر الأسرة نواته الأولى، كما أن الأطفال في النهاية هم رجال ونساء المستقبل وحملة مشعل من سبقهم.
حالات
وحسب الفصل 31 من قانون الأحوال الشخصية التونسي فإن الطلاق يكون إما إنشاء أو بالتراضي بين الطرفين أو للضرر، وهي الحالات الثلاث للطلاق في القانون. والانشاء هو طلب أحد الطرفين للطلاق دون سبب وجيه سوى انه مل العيش مع شريكه، وطالب طلاق في هذه الحالة عليه أن يعوض ماديا عن الضررين المادي والمعنوي، وهي الحالة التي تفتح الباب على مصراعيه لارتفاع نسب الطلاق في تونس. والطلاق بالتراضي هو الذي يتم باتفاق الطرفين دون تعويضات، بينما الطلاق للضرر هو الذي يطالب به أحد الطرفين نتيجة لعدم قيام الطرف الآخر بواجباته أو بسبب خيانة زوجية مثلا، وفي هذه الحالة فإن طالب الطلاق المتضرر يتم تعويضه عن الضرر.
وحسب الإحصائيات فقد تم تسجيل7741 حالة للطلاق انشاء، و6878 حالة للطلاق بالتراضي و1833 حالة طلاق للضرر. وهي أرقام تدل حسب المحامي والناشط الحقوقي التونسي محمد درغام في حديثه لـ”القدس العربي” على أن التشريع هو أحد أسباب ارتفاع حالات الطلاق في البلد بالرغم من أن الطلاق في تونس لا يعتد به إلا إذا كان بموجب حكم قضائي وصادر عن دوائر الأحوال الشخصية في المحاكم المدنية.
ويضيف محدثنا قائلا: “لا يعتبر تطليق الرجل لامرأته مشافهة طلاقا ولا يعتد به ما دام غير صادر عن مجلس قضائي تونسي أو حتى أجنبي ليتم اكساؤه لاحقا بالصبغة التنفيذية، أي يقرر القضاء أن حكم الطلاق الصادر في الخارج صحيح ويصبح نافذا على التراب التونسي. ولا يعتبر أيضا إبرام كتب اتفاق بين الطرفين يتم الالتزام فيه بالطلاق وعلى ضمان بعض الحقوق، طلاقا في تونس، فالمعتبر هو صدور حكم من محكمة محلية أو أجنبية يتم التثبت من صدور الحكم عنها واستيفاؤه لجميع درجات التقاضي واحترامه للإجراءات المعمول بها في البلد الصادر عنه، ليعطى الحكم الأجنبي قوة الأحكام الصادرة عن المحاكم التونسية وينفذ على الأراضي التونسية.
أسباب
ويعتبر الكاتب والباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ”القدس العربي” أن لكثرة الطلاق في تونس أسباب عديدة أهمها المشاكل المادية التي زادت في السنوات الأخيرة وتحديدا بعد “الثورة” نتيجة تدهور المستوى المعيشي وغلاء الأسعار وكثرة الضرائب. وهناك أيضا، وحسب محدثنا، طلاق بسبب عدم التفاهم بين الطرفين وهو شائع كثيرا وربما هو الأساس لأغلب حالات الطلاق انشاء، وينتج عدم التفاهم عادة عن الاختلاف في نمط التفكير وفي النظرة إلى الحياة عموما بسبب اختلاف البيئة والثقافة لكلا الطرفين أو بسبب التفاوت في المستوى التعليمي أو بسبب فارق السن أحيانا.
ويضيف قائلا: “يكثر الطلاق في تونس أيضا لأسباب جنسية في غياب التفاهم والانسجام بين الطرفين من هذه الناحية بسبب غياب الثقافة الجنسية التي تمكن كل طرف من معرفة حاجيات الآخر، وعادة يكون الطلاق في هذه الحالة بالتراضي. ويبدو الأمر غريبا في مجتمع تونسي يوحي بأنه منفتح وتغيب لديه التابوهات ومن المفروض أنه الأقدر من غيره عربيا على تجاوز هذا النوع من المشاكل، ولكن الحقيقة تبدو مختلفة عن الصورة النمطية الوردية التي تعطى عادة عن المجتمع التونسي وعلى انفتاحه.
ومن أسباب الطلاق للضرر في تونس العنف المتفشي بكثرة والذي يتسلط عادة على الزوجة الأمر الذي دفع بالمشرع إلى سن قانون صارم قصد الحد من هذه الآفة اتي تصيب جميع أفراد العائلة الواحدة بمشاكل نفسية يصعب أحيانا تجاوزها خصوصا بالنسبة للأطفال. وهذه الظاهرة منتشرة في صفوف المتعلمين وغير المتعلمين على حد سواء ولا علاقة لها بالتعليم بتوفر الزاد العلمي والمعرفي من عدمه.