في حفل جميل في دار الحكمة مقر نقابة الأطباء في القاهرة، وبين حشد من الأطباء المحترمين والكتاب، كانت ليلة جميلة في حب محمد أبو الغار العالم الجليل في الطب النسائي وفي أطفال الأنابيب والمثقف محب الأدب والفنون، الذي حاز تكريمات كثيرة من المؤسسات العلمية خارج مصر. ذهبت لأن محمد أبو الغار بالإضافة إلى الطب هو أحد أيقونات الحرية والفكر في مصر. لقد عرفته شخصيا متأخرا، منذ حوالي خمسة عشر عاما وكنت قرأت له كتابا عن تاريخ اليهود في مصر. كان يقيم صالونا أدبيا كل شهر في بيته يناقش إحدى الروايات أو الكتب، أو حفلا موسيقيا بسيطا وكانت ليلة من البهجة صرت حريصا عليها، التقي فيها بكتاب أعرفهم مثل صنع الله إبراهيم وبهاء طاهر ومحبي قراءة لم التقِ بهم من قبل.
كثيرة هي الروايات التي ناقشناها في حضور أصحابها حتى حدثت ثورة يناير/كانون الثاني وانشغلنا جميعا بالشأن العام. تابعت محمد أبو الغار في مقالاته في «المصري اليوم» وما زلت. ذهبت إلى الندوة وحضرتها وأخذت الكتاب الذي للأسف لم أكن قرأته وهو بعنوان «على هامش الرحلة» من إصدارات دار الشروق، بعد أن صدر أول مرة عن هيئة الكتاب ومكتبة الأسرة. شعرت بالتقصير أنني لم أقرأ الكتاب من قبل، لكن كم هي الكتب التي لم أقرأها؟ كثيرة في عصر النشر الهائل. بدأت بالكتاب الذي عرفت من الندوة أنه يقف بالأحداث قبل ثورة يناير، بخمس عشرة سنة وأكثر، وأن الجميع ينتظرون جزءا آخر.
بدأت بالكتاب الذي عرفت من الندوة أنه يقف بالأحداث قبل ثورة يناير، بخمس عشرة سنة وأكثر، وأن الجميع ينتظرون جزءا آخر.
كنت أعرف أنني سأقع على كنز من الإنسانية إلى جوار السياسة والفكر. القسم الأكبر من الكتاب رغم عنوانه «على هامش الرحلة» في قلب الرحلة نفسها فهو عن ميلاده عام 1940 ثم تعليمه. هنا تجد الشوق لتقرأ عن زمن كثيرا ما تم تشويهه بعد ثوة يوليو/تموز 1952. هنا شهادة على الدراسة والمدارس والمدرسين، قلّ أن تجد مثلهم في ما بعد. ولأن فارق السن بيننا ليس كبيرا، ولأنني دخلت المدرسة عام 1952 وكان هو ذلك الوقت قد بدأ دراسته الثانوية ـ لم تكن هناك مرحلة إعدادية بين الابتدائي والثانوي – وجدت كثيرا جدا، إن لم يكن كل ما قاله عن التعليم، لحقت أنا به في الخمسينيات رغم ثورة يوليو، إذ احتفظت المدارس بشكلها ونشاطاتها القديمة في الرياضة البدنية والمسرح والموسيقى والرحلات والكشافة وغير ذلك. يتحدث أبو الغار عن عائلته، جده لأمه وجده لأبيه وعن أعمامه وأخواله وبدرجات مختلفة كان لهم ميل كبير إلى الثقافة، وبعضهم كان يكتب وبعضهم مارس العمل السياسي، والحرص على تعليم البنات كان واضحا في الأسرة المتوسطة التي كان عملها التجاري بسيطا يكفيهم ويكفي أولادهم أن يتعلموا ويتفوقوا. وبينهم كان أحد أخواله ممن بنوا المدارس ونبغ فيها وتم تأميمها للأسف. الرحلة ممتعة وهو يذكر أنواع المدارس، ومن درس فيها وبعض من كانوا معه من المصريين والعرب، وكيف تفرقت بهم البلاد، وكيف جمعته الصدفة ببعضهم بعد سنين طويلة. ورغم أنه من بلدة شبين الكوم، فقد تعلم في القاهرة، حيث انتقل والده للعمل في بنك التسليف الزراعي من المنيا في الصعيد إلى بلاد في الدلتا وإلى القاهرة. في كل بلد يحط فيها الرحال مع أسرته يتحدث عن مجتمعاتها الصغيرة من المصريين، أو الأجانب الذين كانوا رافدا للحياة المصرية.
ثم ينتقل إلى الخمسينيات وكيف بدأ الخروج الكبير للأجانب. يقف عند ثورة يوليو/تموز وهو صغير، لكنه عرف وهو الذي كان مثل كل أبناء جيله متيما بالثورة وجمال عبد الناصر، عرف كيف كانت الكذبة في الحياة السياسية، التي تم تدميرها بعد إلغاء الأحزاب. عرف في يوم لا ينسى هو هزيمة يونيو/حزيران 1967. هنا وجدت ما بيننا يزداد جدا فقد عرف هو وزملاؤه بأمر الهزيمة في اليوم الثاني للحرب من الإذاعة الإسرائيلية التي استطاع أن يصل إليها أحد زملائه، بينما عرفت أنا الهزيمة من الإذاعة البريطانية في اليوم نفسه وكلانا بكى وأحس بالضياع قبل أن يبكي الجميع في اليوم التاسع من يونيو. يحكي كيف كان يوم التاسع من يونيو حين خرج الشعب يرفض تنحي عبد الناصر ويحكي كيف حاول الاتحاد الشتراكي أن يحشد الناس، لكن حشود المصريين الأكبر كانت تلقائية وهذا ما رأيته. لقد خرج الناس تلقائيا ليس حبا في الزعيم فقط، لكن رفضا للهزيمة وحشود الاتحاد الاشتراكي، لم تكن تساوي إلا نسبة لا معنى لها في تلقائية النزول للشارع، لكنه يحكي كيف أخذوهم في الجامعة وكان قد تخرج وصار طبيبا ليوقعوا في دفتر في قصر القبة ببقاء عبد الناصر، وكيف ذهبوا وفي داخلهم رفض وقرف، لكن من كان يمكن أن يرفض والشوارع مشتعلة. خلال ذلك تتسلل قصة حبه لزوجته السويدية كريستينا. ونعرف كيف وفدت إلى مصر لتعمل طبيبة وكيف تعرف عليها وكيف ضاعت يوم الهزيمة واستطاع أن يصل إليها، وتتوالى القصة حتى عاش معها في الدنمارك في منحة دراسية، ولهما ابنتان هنا ومنى أبو الغار، اللتان نعرفهما ونحبهما لعملهما الطبي والاجتماعي المحترم.
في الجزء الأخير من الكتاب يكون في قلب الرحلة لا هامشها. حقا ابتعدت الحياة العائلية لكن مصر تصدرت المشهد الذي يستمر مع أنور السادات وما فعله لضرب اليسار وإحياء اليمين والتطرف.
وكيف سافر إلى الخارج أكثر من مرة لكنه رفض الهجرة التي بدأت في مصر بعد الهزيمة لكثير من العقول ولقد رأيت أنا هذا أيضا. أشياء كثيرة مهمة رفضها في حياته مثل خطاب من جهة غير معلومة بعد أن أنهى تعليمه الثانوي بتفوق لإرساله إلى الاتحاد السوفييتي، إذا شاء لدراسة الدكتوراه، لكن في حالة موافقته لا بد من البحث الأمني عنه وعن العائلة، ما يعكس ما كان يدور ورفضه للسفر. وكيف حاول الإخوان التقاطه وكيف رفض، فقد تعلم من أبيه أن الدين المعاملة وليس أكثر.
ثم يدخل بنا إلى حقبة السبعينيات والحركة الطلابية التي بدأت عام 1968 بعد الهزيمة وكانت هذه أول مرة يخرج الناس على النظام الحاكم، وكيف استمرت في السبعينيات. عبر ذلك كله نرى الانهيارات في كل شيء. في التعليم والسياسة وغيرها. وفي هذا الجزء الأخير من الكتاب يكون في قلب الرحلة لا هامشها. حقا ابتعدت الحياة العائلية لكن مصر تصدرت المشهد الذي يستمر مع أنور السادات وما فعله لضرب اليسار وإحياء اليمين والتطرف وهذا مما عشناه، حتى يصل إلى عام 1980. وخلال ذلك نعرف كيف أحب الأدب بقراءته مبكرا لتوفيق الحكيم، ثم كيف عرف سلامة موسى والاشتراكية ثم نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس وولعه بالفنون التشكيلية والسينما وزيارته للمكتبات العامة وأماكن بيع الكتب القديمة والجديدة وعالم ساحر من الثقافة والصحافة، أي أن الروح تتجلى دائما وسط مجتمع يأخذ طريــــقه إلى الانهيـــار منذ عام 1952، للأسف إن بدا الأمر غير ذلك في السنوات الأولى حتى هزيمة 1967. لم يكن محمد ابوالغار ظالما لأحد وأخفي أسماء شخصيات بغيضة، فهو لا ينتقم لكنه يحكي وتحولت الرحلة إلى مصر كلها. كتاب فوقه راية الصدق والتواضع كما هو صاحبه. وننتظر في شغف الجزء الثاني.
٭ روائي مصري